هل انطفأت قناديل الشعر؟

  • الشعراء يرونه متقدًا ويزيح فلول الظلام من العالم الاستهلاكي
  • سيف الرحبي: أتصور أن الشعر لا ينطفئ إلا بانطفاء الحياة والروح وبانهيار العالم انهيارا كليا مطلقا
  • د. هلال الحجري: قناديل الشعر ما زالت متقدة ولكن لعل نسبة الظلام التي تجتاح العالم أوسع مما تتسع له القناديل
  • حسن المطروشي: نهر الشعر هو الأعمق والأكثر خلودا .. طالما هناك إنسان ووعي وحب وشعور وجمال
  • يونس البوسعيدي: قناديل الشعر لم تنطفئ .. بل من تخرص بهذه التكهنات فلم يفرك أجفانه وقت الصباح


تحقيق ـ شذى البلوشية

لم يكن يدور في خلد العربي أن يأتي يوم يطرح فيه سؤال كالسؤال الذي نطرحه في هذا التحقيق الثقافي: «هل انطفأت قناديل الشعر؟» ولم يعد هذا العذب الذي سحر العالم، وسحر العربي بشكل خاص مضيئًا لليالينا التي تحتاج إلى وهجه وسحره وبريقه؟! ولكنّ للأزمنة تحولاتها، وللأيام سيرورتها، وها نحن نطرح هذا السؤال الصعب على مجموعة من الشعراء، لكن طرح هذا السؤال لا يأتي في سياق عبثي أو في سياق جلد الذات وتحولاتها، إنما فرضته الهجمة الاستهلاكية حتى في السياق القرائي، فلم يعد الشعر بين أولويات القراءة عند العرب، هذا عندما تكون القراءة أصلًا من بين أولوياتهم. وبات المشهد التسويقي للقراءة ينحاز للرواية، وللكتابات التي تفتقد الجانب الجمالي، وتحوّل الكثير من الشعراء، وسط هذا المشهد، إلى كتّاب رواية.
ويعزوا البعض ذلك لأن الرواية صارت هي ديوان العرب، وسجل مفاخرهم إذا ما استعرنا بعضًا من النقد العربي القديم، وصار كتاب الرواية هم نجوم البلاطات إذا ما نظرنا للعدد الهائل من الجوائز التي تعنى بالرواية في العالم العربي وعند الغرب أيضا.
لكن سؤال «انطفاء قناديل الشعر» لا يروق للشعراء، ولهم الحق في ذلك، فهم يرونه في مكانه الوجداني وفي سياقه الكشفي باقيًا لا مساس لقدسيته ولا انطفاء لبريقه السرمدي.

لا ينطفئ أبدا


يقول الشاعر سيف الرحبي: «أتصور أن الشعر لا ينطفئ إلا بانطفاء الحياة والروح، وبانهيار العالم انهيارا كليا مطلقا، فطالما الحياة مستمرة والصيرورة مستمرة في التاريخ وفي حركة الزمان فالشعر موجود».
وأخذنا الرحبي في رحلة شعرية عبر كلماته التي عبّر فيها عن بقاء الشعر بوهجه رغم المتغيرات في الوقت الراهن، حيث قال: «الشعر بتجليات مختلفة، ليس الشعر عبر التعريفات المدرسية والأكاديمية المعروفة والمعهودة، ولا الشعر عبر التعريف الحداثي له، وإنما الشعر عبر كل تعريفاته هذه وما يتجاوزها، إلى انبثاثه وسكناه في كل أشكال التعبير، الروائي النثري والسردي والتشكيلي والمسرحي والسينمائي، وفي لحظات الحياة، وبريق النشوة الخاطف، فالشعر موجود في كل شيء، طالما الروح ما زالت مضيئة وموجودة، ولو على هامش هذا العالم المبتذل والمحتل من قبل المشهد الاستهلاكي وعالم المال والتوحش والميديا».

الشعر لا يقرأ ..
وأضاف الرحبي: «لنأخذ الشعر بهذا السياق، سيكون وجهة السؤال وإمكانيات الجواب سيعطينا صورة أفضل، طبعا على صعيد القراءة، فالشعر لا يقرأ، ولا غيره من أشكال التعبير الأخرى الحقيقية والجمالية بدلالاتها ومعانيها وأعماقها الخبيئة الرفيعة، ولا الفلسفة ولا الأدب بصورة عامة، ولا السينما الجدية ولا المسرح.
المشهد الاستهلاكي لأشكال التعبير ابتلع القارئ العمومي وبقي القارئ الخصوصي، أو فلنقل بقي (النخبة) نخبة القراءة المسلحة بالثقافة والوعي وهاجس المصير وهاجس المأساة البشرية بشكل خاص، ولم يبتلعها المشهد الاستهلاكي ومظاهره وتمضراته الكثيرة العنيفة الاخطبوطية المسيطرة، ولكن هناك قراء للشعر والأدب كما أشرت».

شكل القصيدة
ومن جانب آخر تحدث الشاعر سيف الرحبي عن انتشار القصيدة الشعرية، حيث سألناه عما إذا كان شكل القصيدة مؤثرا على انتشارها فأجاب: «شكل القصيدة نعم يؤثر على انتشارها، فالقصائد الاستهلاكية تجد متابعين لها أكثر، والقصد من القصيدة الاستهلاكية بالمعنى السياسي، كالشعر الذي يتوسل الحدث السياسي، ويضرب على أوتار العاطفة الجياشة العابرة للجماهير، ولكن بسطحية شديدة دون التعمق في وسائل تعبيره وأدواته الجمالية، يتعامل مع الحدث تعامل المقال السياسي، أو الشعر الذي يتوسل النواحي الجنسية بالمعنى السطحي للكلمة، وبالطبع الجنس وحضور الأنثى مطلوب أو ضروري أو جزء عضوي وأساسي من نسيج القصيدة أو الأدب، ولكن شرط ألا يكون تناوله تناولًا سطحيًا ومبتذلًا بغية إرضاء الجماهير أو الضرب على الغرائز، أو بمعنى آخر كاتب الشعر أو غيره في ذهنه قارئ معين يتابعه من هنا تنتفي خصوصية اللغة، وخصوصية التعاطي الجمالي مع الموضوع مع الحياة مع التاريخ مع الإنسان بكل تمظهراته الغريزية والعاطفية والوجدانية».

سجال الشعر والرواية
وحول التنافسية بين الرواية والقصيدة في الانتشار والتوغل إلى وجدان الجمهور العربي يقول الرحبي: «الشعر والرواية هذه الثنائية التي استهلكتها الصحافة منذ زمن بعيد، وربما يعود إلى أيام بدايات التأسيس أيام العقاد ونجيب محفوظ وذلك الرعيل الأول الذي خاض سجالًا واسعًا في هذا المجال، فالعقاد كان يعتبر الرواية فنا غوغائيا، بينما نجيب محفوظ كان يتنبأ بالمستقبل الباهر للرواية، وكان بادئا في كتابتها، واستمر السجال حتى اللحظة الراهنة، وأنا لا أظن أنني أحط نفسي في أي خانة، أو بأي جهة، وإنما أرى أن أشكال الأدب والفنون تؤثر في بعضها وتثري بعضها، وتلقح بعضها برؤى الجمال والحدس، والإنجازات الإبداعية المتحققة والمحلوم بتحققها مستقبلا».
وأضاف: «من حيث تاريخ الأدب والمتابعة القرائية لهذا الأدب لا شك أن الرواية تتصدر المشهد كشكل أدبي في هذه البرهة، لأسباب كثيرة منها: أن جانبا كبيرا من هذه الرواية أيضا رواية سوقية، ورواية تخاطب الجماهير والقارئ العمومي بالمعنى السطحي والغرائزي والاستهلاكي، أي أن مجتمع الاستهلاك الغريب والمهيمن، مجتمع المال والتوحش والميديا ووسائل التواصل المخيفة، ابتلعت الكثير من هذه الرواية، ولكن بقي هناك جانبا من هذه الرواية مشرقا وخلاقا ومثريا لمسار الأدب ومسار الفن، وهذا هو ما يعوّل عليه».
وأكد الرحبي على «أن الرواية إن كانت أكثر قراءة في هذه المرحلة فهذا شيء جيد لا يضير، والشعر عموما في أطواره المختلفة أكثر نخبوية، ولكنه الآن يوسع من خلال قصائد النثر والنصوص المفتوحة- رقعة التعبير توسيعا شاسعا عن ذي قبل، وهذا تكسبه صفة الإبداع واستيعاب حركة التعبير والزمن والحياة أكثر».

لكن الظلام أوسع


وحول السؤال ذاته الذي بدأنا به الحديث مع الشعر قال الشاعر الدكتور هلال الحجري: «السؤال فيه استعارة والجواب لن يغيب عن هذه الاستعارة، وسأقول أن قناديل الشعر ما زالت متقدة ولكن لعلّ نسبة الظلام التي تجتاح العالم أوسع مما تتسع له هذه القناديل، وأقصد بذلك أن العالم المادي سيطر وهيمن على حياة البشر في كثير من دول العالم ونحن نعلم يقينا أن الماديات هيمنت على حياتنا في كل شيء، والناس اليوم لا تجدهم يميلون إلى الجمال والتأمل والفكر، وإلى الثقافة بشكل عام، هكذا إيقاع الحياة فرض على الناس والعالم بأن تنحسر فيه الأشياء الجمالية ومن بينها الشعر، ومع ذلك علينا أن نتحلى بالأمل ونقول ان الشعر ما زال موجودا، وكثير من دول العالم هناك صحف ودوريات ومجلات وملاحق متخصصة في الشعر، ربما لا توجد إحصاءات ومؤشرات مطمئنة حول بقاء الشعر وعودته إلى ما كان عليه في السابق، ولكن اعتقد من خلال متابعتي الشخصية أن الشعر حاضر في كثير من لغات العالم، وهنا أقدم دليلا بسيطا يتعلق بما نعرفه في ثقافتنا العربية، يتعلق بقلة إقبال المرأة كشاعرة أو كما نطرحه في الأدبيات العربية -قلة شعر المرأة- ونقول: إن الذكر هو الشاعر، والمرأة نادرا ما تكون شاعرة، والمرأة قد تكون حاضرة في الرواية والقصة، ولكن في الشعر قليلة، وهذه نظرية وجدت حتى عند نقاد العرب قديما، وهذه الرؤية ضبابية وليست واقعية، ومن يقترب من واقع شعر المرأة في العالم يدرك بأن المرأة حاضرة بعمق في خارطة الشعر العالمي، وقد لمست ذلك شخصيا من خلال تقديم برنامج في إذاعة سلطنة عمان عنوانه «أميرات الكلام» قدمت فيه 174 شاعرة، وقد أذهلتني هذه التجارب العميقة والمتنوعة من مختلف ثقافات العالم، التي تعزز الشعر النسائي في العالم، وعليه أقول إننا أحيانا تغلب علينا هذه التصورات لنذهب إلى هذه النتائج بأن الشعر بدأ ينحسر، وأن قناديل الشعر قد انطفأت، وفي الواقع لا توجد هناك دراسات إحصائية تثبت ذلك، ربما -كما ذكرت- أن طغيان الحياة المادية أسهم في انصراف الناس عن المعنويات والجمال والفن والإبداع بجميع ضروبه وأنواعه، هذه حقيقة وليست بهذا المعنى الذي تقدمه الاستعارة في سؤالك، اعتقد بأنه ينبغي أن نبحث في هذا الموضوع بحثًا نقديًا استقصائيًا نحسم هذا الأمر، ونصل إلى حقيقة أن الشعر قد انطفأ فعلًا، وأعود مرة أخرى وأقول إن الشعر ما زال حيًا، وقناديله متقدة في كل دول العالم، والشعر باللغة الإنجليزية حاضر وبقوة، وأتصور أنه في أمريكا اللاتينية والدول الناطقة باللغة الإسبانية واللغة الفرنسية أيضا هناك دوريات وكتب لا تتوقف، حتى لو قارناها بالماضي، وعلينا أيضًا أن نكف عن جلد ذواتنا، تحميل الشعر ما لا يحتمل، فالشعر حاضر وبقوة وله جمهوره ومتذوقوه في كل ثقافات العالم».

لا إحصائيات للمقارنة
وحول سؤالنا للدكتور هلال الحجري حول ما إذا كان الشعر مقروءًا في الوقت الحالي كما كان في الماضي يؤكد على أنه مقروء وربما أكثر من الماضي.
وأضاف: «نحن نعلم في ماضينا في الأدب العربي الشعر كان فنا سماعيا، والعرب كانت تطرب للشعر وتحبه، وعامة الناس وخاصتهم تحب سماعه، وكان فنا سماعيا بالدرجة الأولى، ولذلك حتى بعد عصور التدوين في العصر العباسي، كانت مهرجانات الشعر وفن إلقائه في مختلف دول العالم العربي، كان الشعر حاضرا بهذا المعنى، وأعود -مرة أخرى- أنه تنقصنا الإحصائيات المقارنة التي يمكن أن تقارن بين مقروئية الشعر في العصر الحديث وبين مقروئيته في الماضي، هل لدينا هذه الإحصائيات؟ أن أظن أن الدراسات غير موجودة، ولكن من خلال التأمل في مسيرة الشعر العربي نجد أنه مقروء بكثرة لعلها تفوق ما كان في الماضي، ربما الفارق في الاهتمام بهذا الجنس الشعري، نعم في السابق كان يحظى باهتمام رسمي على مستوى الخلفاء والأمراء والنقاد والعلماء، والطبقات العليا والنخب في المجتمعات العربية، وهذا الاهتمام النخبوي انحسر في الوقت الحالي، وصار الشعر فنا شعبيا يقترب من عامة الناس، والدليل على ذلك الشعر الشعبي في منطقة الخليج العربية يفوق اهتمام أي شيء، وتجد عامة الناس وخاصته يطربون ويستمعون للشعر الشعبي يتابعونه بكثرة في الوسائل المختلفة، فالاهتمام القاعدي الشعبي بالشعر موجود بقوة في الوقت الحاضر والمقروئية ضمنها -وإن لم تكن هناك دراسات تثبت ذلك- أوسع مما كانت عليه في السابق، لعل الذي انحسر ليس مقروئية الشعر وإنما نقد الشعر، ففي الماضي كان هناك نقاد يواكبون حركة الشعر، وهناك نقد واسع لكوكبة الشعر العربي القديم، فتجد النقاد يواكبون تلك الحركة الشعرية المتقدة بنقدهم، فوجد الجاحظ والأصمعي وغيرهما من النقاد الذين كانوا يواكبون حركة الشعر وينقدونها، أما الآن فلم يعد بذلك الحضور والاهتمام ولعل هذا يعود للتخصصات الدقيقة التي أصبحت تفرض نفسها بأن النقد أصبح حرفة أكاديمية يحترفها ناقد متخصص يمتلك عدة الناقد وأدواته».

الشكل غير مؤثر
وأكد الحجري على أن شكل القصيدة لا يؤثر على انتشارها في الوقت الراهن حيث قال: «لعله في مرحلة صراع الأشكال الشعرية في أربعينات القرن الماضي عندما أخذ يحتم الجدل في الساحات العربية بين القصيدة العمودية وقصيدة الشعر الحر وقصيدة النثر، نعم كان شكل القصيدة مؤثرا على انتشارها، وكانت الناس محتفظة بهيمنة القصيدة العمودية، ولعل إيقاع الحياة الثقافية الذي كان متأثرا بمهرجانية الشعر وخطابيته وكونه فنا سماعيا –-كما ذكرت- مؤثرا على انتشار شكل على آخر، ولكن الآن بعد مضي عقود من السنوات، وحضور قصيدة التفعيلة واتساع رقعتها، وكذلك قصيدة النثر، لا أظن الشكل مؤثرا على انتشار، وعلى سبيل المثال من خلال متابعتي لبعض الدوريات والمجلات والملاحق الثقافية، المحلية والعربية المعنية بالأدب، نجد مدى انتشار قصيدتي التفعيلة والنثر، وتحظى بشرعية واسعة على المستوى النقدي والإبداعي».
وينفي الحجري حقيقة أن الرواية بدأت تسيطر على الجمهور العربي قائلا: «في ظني هناك مبالغة كبيرة، فالرواية رغم أن لها سوقا كبيرا في العالم، وهو سوق مزدهر، وهناك عوامل كثيرة أسهمت في هذا المجال، ويعود لدور النشر التي تجني أرباحا هائلة من الرواية، وربما لا يحقق لها ذلك الربح دواوين الشعر، وهناك عوامل كثيرة ربما لا يتسع المقام هنا لذكرها، ولكن أقول إن هناك مبالغة شديدة في تصور أن الرواية سحبت البساط من تحت قدمي الشعر، وأعتقد أن الشعر يخترق الرواية ويخترق الأجناس الأدبية الأخرى، فجميع الفنون نجد الشعر حاضنا فيها، فعن أي انحسار نتحدث، وأجمل الروايات هي تلك التي تكون لغتها شعرية، والنقاد الذين قدموا روايات مميزة وتجاوزت لغاتها القومية في الحقيقة تجدها روايات شعرية، فأنا لست مع هذه الرؤية الإعلامية التي تهوّل لهذا الأمر».

نهر الشعر خالد


من جانبه عارض الشاعر حسن المطروشي -وبشدة- سؤالنا عن «إطفاء قناديل الشعر» حيث قال: «حقيقة في البدء أنا ضد مدلول الاستطلاع، أو لا أتفق معه في الرأي وهذا من باب الخبرة والمتابعة الميدانية، حيث إني منذ ربع قرن وأنا في المهرجانات الشعرية وأتابع المشهد العربي للشعر، وهذه المقولة لدي ما ينفيها ولا أتفق معها نهائيا، وأرجو أن لا ترسخها الصحافة الثقافية، وهناك ترويج على أن زمن الشعر قد انتهى، وهذا بشكله المطروح ليس صحيحا، والشعر باقٍ وقنديل الشعر وهّاج وهو لا ينطفئ، وفي الأثر عن النبي أن العرب لا تترك الشعر حتى تترك الإبل الرواء وهذا من المستحيلات جدا».
وأضاف المطروشي: «أعتقد أن الشعر هو أول الفنون وسيبقى هو آخرها، وربما أول إنسان على وجه الأرض إن لم يكتب شعرا بالمعنى الاصطلاحي الحديث فقد أحس بشيء من الشعر ونبض الشعر في داخله، وتحرك وجدانه بالشعر، فالشعر لصيق الشعور والروح والوجدان، وهو يعبّر عن كل ما هو روحي وجمالي وعميق فينا، نهر الشعر هو الأعمق والأكثر خلودا في الوجود ولن يجف، طالما هناك إنسان ووعي وحب وشعور وجمال وهذا من حيث المبدأ، وأما من خلال الوقائع فنحن نرى في المهرجانات الشعرية، أن جمهور الشعر ما زال موجودا في العالم العربي وخارجه، ونضرب مثالًا على كوستاريكا في 2014 حيث كنت حاضرا، وكان الشاعر يعامل كالملوك وكان يزف بالموسيقى إلى منصة الإلقاء، ترافقه الفتيات الجميلات، وعلم دولته يرفرف خلفه، وفي المكسيك يُقرأ الشعر في الأماكن العامة والهواء الطلق، ويجلس الجمهور حتى آخر كلمة تلقى من الشعر، ولا يملون حتى يمل الشعراء وينصرفوا، وفي إيطاليا يصغون إلى كل نبضة شعر وهو مترجم، ويحترمون الشاعر أيما احترام، لا أعرف من سوق إلى هذه الفكرة العربية البائسة، وهي تعبّر عن الوضع العربي المتخلف والبائس، ولكن الحقيقة خلاف ذلك».

نفاد طبعات الدواوين
وساق لنا الشاعر حسن المطروشي مثالا حيّّا لبقاء الشعر في وجدان القارئ العربي، استدلالا بدواوينه الشعرية التي تباع وتنفد طبعاتها، حيث قال: «لديّ خمسة دواوين شعرية، أغلبها طبعت طبعتان، وكلاهما نفدت، ولو أطبع طبعة ثالثة لنفدت، مثل ديوان «وحيدا كقبر أبي»، و«لديّ ما أنسى»، وديواني الأخير سنة منذ طباعته، وتكاد الطبعة الأولى أن تنفد، فأين تذهب هذه النسخ؟ هل تأكلها الخراف أو الشياه؟ أو هي على الرفوف؟ أم يقتنيها القراء؟
وأضاف: «هذا على مستوى التجربة الشخصية المتواضعة، أما على مستوى الشعراء الكبار لو جئنا نقارن بين الشعراء الكبار والروائيين الكبار، الجواهري العظيم، وبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبدالواهب البياتي، نزار قباني، محمود درويش، سميح القاسم، محمد علي شمس الدين، شوقي بزيع، يوسف عبدالعزيز، محمد الثبيتي، قاسم حداد، عبدالعزيز المقالح، فالواقع يقول إن الشعر بخير ولا مقارنة بين الرواية، ربما الرواية فيها تسلية بينما الشعر فيه عمق وتأمل وفلسفة ورؤية إلى جانب الجمال والإبداع، ولذلك بطبيعة الحال جمهور التسلية يكون أكثر، نضرب مثال بمشاهدي المسلسلات فطبعا لو جئنا نقارنهم بجمهور الشعر لرجحت كفة مشاهدي المسلسلات».
وتحدث الشاعر حسن المطروشي حول مقياس انتشار الشعر وبقائه حيث قال: «أنا شخصيًا لا أجد المشهد العربي أو العالم العربي مقياس للجانب الإبداعي الإنساني، فالعالم العربي يمر كما قال لي محمد شمس الدين في أحد الحوارات «نحن لم نمت بعد، ولكننا في أسفل مراحل التاريخ»، وأتصور أنه على الأمة العربية لتعي موقفها الآن وتدرك أين تقف عليها أن تقرأ العصور الوسطى وعصور التخلف في أوروبا، فنحن الآن تماما ينطبق علينا ما ينطبق في كثير من جوانب الحياة ما ينطبق على المشهد الأوروبي في مراحل الانحطاط، نحن أمة نعاني من القبلية والعصبية والظلامية والطائفية والمذهبية، وهذه الحروب العبثية في التخلف الجانب السياسي والثقافي والاقتصادي وخطابنا الإعلامي»، وأضاف: «أنا لا أقول الشعر مثلا انتهى، وأنا اعتبره هو مقياس لتحضر الشعوب، وليس القراء هم مقياس للشعر، فالأمة التي تحترم الشعر وتؤمن به، ويرتقي فيها الشعر وسائر الفنون، هي أمة متحضرة.. والأمة التي يتأخر فيها الشعر والشعراء، وترى أن الشعر هو شيء زهيد، فالعلّة فيها في وعيها، ويقول الشاعر: قد تنكر العين نور الشمس من رمد».

أزمة شعراء
ومرورا على الأزمة الحقيقية التي يعيشها الشعر يقول المطروشي: «هناك أزمة شعراء، وليست أزمة شعر، وهناك شعر رديء، وهو يملأ المشهد للأسف ويملأ المجلات، ويملأ المنابر والمهرجانات، والناس كرهت هذا الشعر وهذا أحد أسباب نفور الناس، وأنا أقولها بالفم المليان، هناك أزمة شعراء، وهناك شعراء أساءوا للشعر بالمجاملات، وهناك من روج لهم، فنسمع في المهرجانات شعر رديء غث، وكثير منهم ركبوا موجة شعر النثر، وكنا ننظر له إضافة مهمة للشعر العربي، ولكن من استسهل الطريق ودخل من هذا الباب ليركب لقب شاعر أو شاعرة، ولكنهم للأسف قدموا قصيدة نثر رديئة أشبه بالخاطرة، وهذه أساءت للشعر، وحتى الذين أرادوا التجديد في الشعر المقفى أيضًا وقعوا في فخ التكرار نفسه، وبعضهم يصيبنا بالغثيان، 99% من الشعر المقفى الذي يكتبه الشباب الآن هو للبحر نفسه، قرأت مرة لشاعر جديد ووجدت 99% من القائد على بحر واحد، وقلت له لماذا تضيقون الواسع، وهذا فقط لأجل الغنائية ودون وعي، لهذا أقول ليس هناك تجديد وهناك شعر غث كثير وصخب عالٍ وتدني للوعي».

مرحلة التوهان


وحول قناديب الشعر التي عارض الشعراء أنها قد بدأت بالانطفاء يقول الشاعر يونس البوسعيدي: «إذا كانت الإجابة على المستوى العماني أو العربي أو باللغات الأخرى فإني أقول بكل حدة قناديل الشعر لم تنطفئ، بل من تخرص بهذه التكهنات فلم يفرك أجفانه وقت الصباح، وربما كانت متابعته للشعر ضعيفة ولم يسبِر طرائق الشعر، وإن كنت أوافقه القول أن الشعر العربي والشعر العماني من ضمنه طبعًا توقف في مرحلة التوهان وانطوى في خوارزميات السرعة، لأسباب عديدة أهمها التحولات التي تعايشها المنطقة بدءًا من الحروب وليس ختاما بجائحة كورونا، وانثيال المعلومات عنها في وسائل الإعلام بوفرة المنتجات الرديئة، هذا الواقع جعل الشاعر (العماني) ينتج نصوصا غير مختمرة وجدانيًا ولا إبداعيًا، والحال مثله تقريبا في النتاج الشعري لبعض الدول، بينما في البعض الآخر كاليمن مثالا آنيًا فإن الشعر أخرج أصواتا متوقدة بالشجن الذي نكّه الشعر بالشعر، وهذا ينفي إفك أن الشعر انطفأ قنديله».

الترويج والتسويق
وحول انتشار الشعر يقول البوسعيدي: «ليس شكل القصيدة هو المحوري في الانتشار، للأسف كيفية الترويج، وهذا له مسبباته الأقوى غير الشكل، لو سلّطنا الضوء على الشكل الشعري فأظن أن شكل التفعيلة خسارته فادحة بموت محمود درويش، فقد كان لكل نص شعري تفعيلة بمثابة فرمان ينهج الشعراء منهاجه، وإلى الآن فنصوص درويش حاضرة الروح، رغم أن بعض مجايلي درويش لا يزالون بين ظهرانينا لكن لا كاريزما لهم أمامه، لذلك فلا عجب حين صار انتشار النص الشعري يعتمد على مقطع فيديو بموسيقى حزينة يصممه شاعر بجهاز هاتفه، أو لأن الشاعر يكتب وفق ما يطلبه الترند أي ما يطلبه المستمعون، وهذا رخّص الفن الشعري لدرجة سامه كل مفلس».
وحول طغيان الرواية من خلال التسويق والترويج لها على الشعر يقول الشاعر يونس البوسعيدي: «الروايات طاغية الحضور كالسيارات متوفرة قطع الغيار في عمان، ولكنها قد لا تكون هي الأفضل، ولأنك تقرأين سطر رواية وقد يكون أدبيا فخما ولكن القارئ «المعياري» يتمكن من قراءتها متلمسًا مسار النخبة ليقرأ النص الشعري بموسيقاه وليرتفع لطبقات خياله العالية، وعلى كل لماذا نظن أنه يوجد حالة شد وجذب بين الشعر والرواية وكأنهما نقيضين سياسيين، هل المسألة أرقام تجارة؟ لا يعجبني النظر إلا أن كليهما إبداعان يكملان مسار الإنسانية».