الهاشلي: علينا التصدي للغزو الفكري لمجتمعاتنا وأن نجعل الرسول الكريم القدوة لأبنائنا

الغرس الحسن في الصغر تجود ثمرته عند الكبر –
الأطر التعليمية والتربوية يجب أن تستلهم من السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي –

أجرى اللقاء: سالم بن حمدان الحسيني –

الإنسان كعجين الطين يتشكل بما يربى عليه وتكون تلك التربية أساس مستقبله، ومثله كالشجر إن تعهدناه بالسقي وحسن الرعاية يجود بالثمرة الطيبة، وإن أهمل أو ساءت تربيته لم يرج منه خير كبيرا.. ذلك ما أوضحه هذا اللقاء مع يحيى بن سالم الهاشلي إمام وخطيب جامع السلطان قابوس بروي موضحا أن أهم ما ينبغي للمربي أن يعتمد عليه في تربيته هو التربية بالتقوى، لأنها منهج رباني في تقويم سلوك العباد وصلاحهم.. وينبغي للقائمين على أمر توجيه المجتمع إبراز النبي الكريم كقدوة للمجتمعات المسلمة واستخدام الوسائل التي يستخدمها غيرنا في هجومهم وغزوهم الفكري لمجتمعاتنا.. المزيد من التفاصيل في اللقاء التالي:

■ ‏ ما هي أهم الطرق وأفضل الأساليب في تربية الأبناء التي تنصحون أولياء الأمور باتباعها؟

إن أهم ركيزة تقوم عليها تربية الأبناء هي وجود غاية يصبو إليها المربي من تنشئته لمن تحت ولايته، وإن أعظم غاية ينبغي أن تحققها التربية هي أن توجد الإنسان الذي يحقق رسالة الخلافة في الأرض على منهج الله، وقد أرشد النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى أن الإنسان في أصله على الفطرة السوية، وتلعب التربية الدور الأساس في توجيه هذا الإنسان نفسيا وسلوكيا وفي كل شؤون حياته، فجاء في الحديث: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ)، فالإنسان كعجين الطين يتشكل بما يربى عليه وتكون تلك التربية هي الأساس في ما يكون عليه مستقبلا، فكما أن الشجرة ذات الثمر تتعهد منذ بدء غرسها بالسقي وحسن الرعاية والحماية لتجود بالثمرة الطيبة، فكذلك الناشئ إن أحسن غراسه صغيرا حسنت ثمرته كبيرا، وإن أهمل أو ساءت تربيته لم يرج منه خير كبيرا، وإن أهم ما ينبغي للمربي أن يعتمد عليه في تربيته هو التربية بالتقوى، فالتربية بالتقوى هي منهج رباني في تقويم سلوك العباد وصلاحهم ليحسنوا العمل ويعمروا الأرض بالخير، والتربية بالتقوى تكون من خلال تعويدهم على أداء العبادة وخاصة الصلاة التي جعلها الله تعالى مقومة للسلوك ومهذبة للنفس: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)، فإن أقام الإنسان الصلاة صالحة بشرائطها وأركانها، انعكس ذلك صلاحا في كل شؤون حياته، وكذلك الأمر في باقي العبادات التي جعلت تقوم النفس وتعزز صلاحها في كل جانب من جوانب الحياة، ومما يعين على حسن التربية بالعبادة وغيرها من الأساليب هو التدرج ومراعاة المراحل العمرية في التعليم والتعويد، فكل مرحلة هناك ما يناسبها من أعمال، ومن أحسن ما قيل في سلوك التدرج في التربية قول القائل: (لاعب ابنك سبعًا، وأدبه سبعًا، وآخه سبعًا، ثم ألق حبله على غاربه)، فيبدأ المربي في مرحلة الطفولة المبكرة بالملاعبة التي تولّد بينه وبين متلقي التربية ألفة ومحبة تعينه في المرحلة التالية التي يبدأ فيها الطفل التمييز ليتلقى عنه الآداب ويتعلم كل ما يحسن من أمر العبادات والعادات وعند انتهاء هذه المرحلة تبدأ مرحلة الفتوة والتكليف عند حدود سن الرابعة عشرة وقد اكتسب الضروري من علم وأدب، ولكون هذه المرحلة فيها تغيرات جسمية ونفسية يمر بها الإنسان فيها التهيئة لدوره في الحياة، ينبغي للمربي أن يلعب دور الصاحب والصديق إذ فورة الشباب قد تعطي الفرد طابعا متمردا فمن خلال المصاحبة يستطيع توجيه هذه الفورة الوجهة الصحيحة التي تقوّم السلوك كما أنها تمنع تدخل الصحبة السيئة التي تحاول حرف المسار، فإن أتم المربي هذه المراحل الثلاث بحسن التربية صنع إنسانا حقيق به أن يطلقه في هذه الحياة معمرا لها وهو مطمئن من ثبات ما غرس ومن طيب ثمره.

■ كيف نحصن ‏الشباب دينيا وخلقيا.. وما هي أبرز اِلأسباب التي تدفعهم للوقوع ‏فريسة‏ ‏المخدرات؟

إن ما يحتاج إليه الشباب لتحصينهم- إضافة لما تقدم من إعدادهم بحسن التربية- هو بناء الثقة بينهم وبين أوليائهم، فإن غياب الثقة بين الطرفين هي التي تجعل العلاقة مضطربة وتجعل التواصل بينهما خليط من النزاع والمشاحنات، فأول خطوة ينبغي للمربي أن يخطوها هي بناء جسور للحوار والتواصل مع الشاب، إذ ينظر كثير من الشباب إلى توجيهات ونصائح أوليائهم على أنها قيود وأوامر تسلطية، ويرتبط هذا بعوامل نفسية وبيئية تذكي الطبيعة المتمردة في نفس الشاب، فهذه المرحلة تحتاج لنصح وتوجيه مبني على الحجج المنطقية والملاطفة في الجدال، وإن هذا من النهج النبوي في التعامل مع الشباب، فقد استقطبت دعوة النبي- صلى الله عليه وسلم- الكثير من الشباب الذين أنفت نفوسهم ما كانت عليه الجاهلية من مخالفة الفطرة السليمة، فعرف التاريخ مصعب بن عمير سفير الإسلام الأول والمعلم الأول، ومعاذ بن جبل القاضي والعالم بالحلال والحرام، وعبدالله بن عمر العالم والفقيه وغيرهم الكثير من الشباب كانوا ركائز دعوة الإسلام ونقلوه للعالمين، فقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم طاقات هؤلاء الشباب لصالح العمل والإحسان، فهم حالهم كحال كل الشباب تتنازعهم الرغبات الجامحة ولكن بحسن المحاورة ولين التعامل كسب قلوبهم وعقولهم، فقد جاءه شاب يريد الأذن بالزنا وأراد الصحابة لومه وتقريعه، فما كان من النبي إلا أن طلب منهم الكف عنه وقربه منه وفي لين وخطاب حكيم أظهر له خطر الزنا وحكمة تحريمه ودعا للشاب بالعفة وطهارة القلب فقام عنه وقد اقتنع وغير منظوره لتلك الفاحشة التي ظن أن فيها متعة نفسه فبان له حقيقتها المظلمة، فهكذا ينبغي التعامل مع الشباب وبناء جسور التواصل بالحكمة ولين الخطاب فيسهل من بعد تقبلهم للتوجيه والنصح.
أما مسألة إدمان المخدرات فمن الملاحظ أن الواقعين في براثنها كانوا في الغالب نتاج نقيضين من سوء التربية، فهناك من وقع فيها نتيجة التفكك الأسري وعدم وجود الموجه الشفيق فتلقفه أصحاب السوء وظن فيهم الناصح الأمين والملجأ الآمن فاستدرجوه وأوقعوه في شراك الإدمان، وعلى العكس من هؤلاء هناك نماذج من مدمني المخدرات كان فرط التدليل والتهاون في التوجيه من أسباب سقوطهم في وحل المخدرات، فعندما يستمر المربي في تدليل من يربيه وكأنه طفل ويظل على ذلك وقد بلغ مبلغ الرجال مع توفر المال بدون محاسبة، فإن ذلك يجعله صيدا ثمينا لمروجي السموم، ولافتقاره لحس المسؤولية يسهل عليهم خداعه واستدراجه لفخ الإدمان، لذلك كانت التربية المسؤولة هي الركيزة في حفظ الأبناء من كل الانحرافات.

■ تأخّر الزواج عند الشباب أسبابه كثيرة أهمها.. غلاء المهور وابتداع الكثير من الأمور التي تنهك الشاب اقتصاديا.. ما هي رسالتك في هذا الجانب؟

إن الناس في قضية الزواج يعيشون حالا من التناقض، ففي الوقت الذي يرغب فيه الآباء أن ييسر لأبنائهم المهر عند زواجهم، تجد أنهم يغالون في مهور بناتهم عند خطبتهن، فكيف يرغب بالتيسير لأبنائه ولا يلزم به نفسه، إن منشأ المغالاة في المهور وكذلك السرف في مظاهر حفلات الزواج إنما هو حب التفاخر والتقليد بين الناس، فعندما يخطب الخاطب امرأة يقال له: إن أختها أو بنت عمها أو بنت جيرانها أعطيت كذا وكذا من المهر ومصاغ الذهب والهدايا وعمل لها حفل عرسها في مكان فاخر وكيت وكيت من الأشياء وإن بنتنا ليست بأقل منهن، كل ذلك دون النظر في إمكانات المتقدم المادية وقدرته على الوفاء بما يشترطون ويطلبون، فتكون النتيجة إما أن يعزف عن الزواج من تلك الفتاة فندخل في مشاكل دائرة العنوسة لكلا الطرفين أو أن يتكلف الخاطب توفير كل ما أرادوا بالقرض والاستدانة فيبدأ حياته وهو مثقل الكاهل وما يلبث إلا أن يقع في دوامة المشاكل المالية فتنغص عليهما حياتهما الأسرية وقد يصل الأمر لفشلهما في بناء المودة والألفة بينهما وينتهي بهما الأمر بالطلاق بعد كل المعاناة التي عاشوا وهذا ليس افتراض بل هو واقع تشهد له أروقة المحاكم، ولو نظرنا لتوجيه الشرع في مسألة المهر فأساسه أنه هدية يكرم بها الرجل المرأة كعربون للمحبة بينهما، فليس هو ثمن لبيع وشراء فتكون فيه المغالاة والمباهاة، لذا الأصل أن يكون المهر نابعا من قدرة الشخص المادية واستطاعته، فالخطأ المجتمعي هو المساواة بين الخاطبين في طلب المهور منهم بناء على قدرة الأعلى منهم مقدرة، بل وإن نظرنا إلى ما وجه به الشرع من الحث على التيسير ما ورد: (إنَّ أَعْظَمَ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَؤونَةً)، بل إن نظرنا في ما كان عليه الحال في مهور بنات النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه لوجدنا أنهن أعطين أربعمائة درهم من فضة ما يساوي قرابة الألف وخمسمائة جراما من فضة وهو ليس بالشيء الكثير مقارنة بما يدفع اليوم بل لا يصل إلى ربع ما يدفع اليوم من أقل المهور، لذلك قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لا تغالوا صداق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم وأحقكم بها محمد صلى الله عليه وسلم، ما أصدق امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثني عشرة أوقيه)، بل ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من رجل أن يعطي امرأة مهرا ولو خاتم حديد مهرا فلما لم يجد زوجه بما يحفظ من سور القرآن، فينبغي للناس أن يفقهوا أن الإسلام لم يقصد بالمهر التعسير على المقبلين على الزواج بل الناس هم من جعلوه تعسيرا وتنفيرا، وكذلك الحال في ما تعلق بحفلات الأعراس وعقد القران فإن الكثير من الناس قد تمادوا عن حدود الشرع بالسرف والتباهي بل والوصول للمنهي عنه من أفعال وأقوال، فكيف للعاقل أن يرجو من الله التوفيق والبركة في ما هو مقبل عليه من حياة زوجية وهو يخالف أمر الله بما يسخطه ولا يرضاه، إن اتباع العادات المخالفة للشرع ليست بمسوغ فالأصل أن توافق عادات الناس وكل شؤون حياتهم منهج الله تعالى، فعلى أولياء الأمور والمقبلين على الزواج أن يسعوا لنيل رضا الله تعالى وإن خالف هوى الناس في حال الفرح، وأن يقصدوا البساطة وعدم التكلف والاعتدال في إقامة حفلات الزفاف وعقد الزواج، وأن لا يكون تقليد الغير فيما يفعل هو الشاغل ولا أن يسعى الشاب والفتاة ليكونا كغيرهما في لباس أو حفل، فليس المجال مجال تنافس ومباهاة لتنفق أموال طائلة لحفل مدته ساعات تزيد على قيمة المهر وما يلزم من الضروري للحياة الزوجية، ومن بعد يتحسروا على ما أنفقوا وقد ضاق عليهم الحال في الضروري من أمر حياتهم، وكذلك الحال لأولياء الأمور ليس المهم التفاخر بين الأهل والأصحاب لينالوا مفاخر وهمية يعقبها حسرات، وليكن همهم حين اختيار من يزوجون أبناءهم من صلح دينا وخلقا لا مالا ومنصبا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ)، فحري بالأولياء أن ألا يردوا الخاطبين بتكليفهم ما يشق عليهم من مهور ونفقات.

■ دخول الثقافات المختلفة والحضارة الغربية إلى ثقافاتنا وتأثر الشباب بها وإحساسهم بالانتماء إليها.. ما هي أسبابها؟ وكيف نواجهها ونتصدى لها في رأيك؟

إن التنافس بين الثقافات يعود لحقب موغلة في التاريخ وقد أخذ هذا التنافس صورا كثيرة وصل لحد الصدام الدموي بين الأمم التي تمثل تلك الثقافات، وكان ذلك في الغالب بحثا عن مكاسب مادية والتوسع الجغرافي بغية تحقيق الرفاهية لأصحابها سواء أكانوا على حق من الفكر أم على باطل، وفي هذا العصر لعب التطور التقني المتسارع دورا في التقارب والتواصل بين شعوب العالم حتى أصبح العالم كقرية واحدة، وقد كان لهذا الأمر إيجابيات في جوانب كثيرة علمية واقتصادية ومعرفية، ولكن من جانب آخر أسهم هذا التطور التقني في توسع التنافس الثقافي، فظهور الإعلام المسموع والمرئي ثم انطلاق الثورة المعلوماتية من خلال الإنترنت ومن بعده تطور وسائل الاتصال والتحول لوسائل الاتصالات الذكية وظهور الإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي أصبحت هي وسائل التنافس الثقافي وميدان، وهذا التنافس الثقافي قد شمل كافة نواحي الحياة الإنسانية، وقد قام كل طرف متنافس بتوظيف كل ما يمكن تصوره من إمكانات لتهيمن ثقافته، والاستهداف منصب بصورة خاصة للفئات الشابة في المجتمعات كونهم عماد الشعوب والسيطرة عليهم ثقافيا يحقق الأهداف التي خطط لها صاحب الثقافة، فنجد المجتمعات تنسلخ من ثقافتها وقيمها لقيم وثقافة الغازي المسيطر في العقائد والأخلاق ونظم الحياة، بل وحتى نجد السيطرة حتى فيما يعد من الأمور الشكلية كطريقة اللباس والطعام بل وحتى حلاقة شعر الرأس!، فنجد المجتمعات تنساق خلف ما يراد لها من انسلاخ بلا وعي ولا تمييز، ويستخدم لذلك طرائق للتحكم باللاوعي واللاشعور عند الأفراد، فمثلا نجد من وسائل الهيمنة الأكثر تأثيرا استخدام القدوات الذين يقلدهم الشباب، فمن المعلوم أن كثيرا من الشباب من الجنسين متعلقون بلاعبي كرة القدم والممثلين والمغنين وما يعرفون اليوم بمشاهير الإعلام الرقمي فيقلدونهم في كل شيء من تصرفاتهم الظاهرية بل وحتى فيما يعد خروجا عن الدين والعادات والتقاليد، وعند سؤالهم عن صواب ما يفعلون من خطئه يردون أن فعلهم من باب التسلية وقضاء الوقت، فهم غير مدركين لخطر ما يقومون به وأن ما يقومون به تسلية سوف يتجذر في شعورهم وتصرفاته، وهذا واقع في شعوب قد انسلخت من ثقافتها وقيمها وفكرها بل ودينها، ولا يدرك هؤلاء أن هناك مؤسسات بإمكانات ضخمة وظفت لتحقيق مكاسب من خلال تحقيق الهيمنة الثقافية. ولمقاومة محاولات الهيمنة الحضارية وصد هجمات الغزو الثقافي ينبغي أن تعنى المجتمعات بتحصين أفرادها ثقافيا وقيميا، وإن أهم ما ينبغي أن يهتم به هو توجيه الناشئة إلى مثال يحتذى وقدوة تتبع، إذ الإنسان مجبول بفطرته على تقليد غيره، ففي الصغر يتعلم من والديه ومن حوله بتقليدهم، ويستمر هذا النمط معه من التعلم بالتقليد حتى يشب ويكبر ومن بعد تصبح سجية فيه أن يبحث عن مثال يرى فيه امتيازا يحب أن يصل إليه، ونجد أن القرآن الكريم لم يغفل هذا الدور للقدوة في حياة الناس، فاختار الله سبحانه وتعالى للناس القدوة الأحسن والمثال الأعظم الذي ينبغي أن يقتفوا أثره في كل شؤون حياتهم فقال: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)، فكان النبي صلى الله عليه وسلم هو القدوة والمثال لكل من أراد صلاح نفسه وتحقيق النجاح في الدنيا والآخرة، فينبغي للقائمين على أمر توجيه المجتمع أن يبرزوا النبي صلى الله عليه وسلم كقدوة للمجتمعات المسلمة ويرسخوا هذا الأمر، و ليستخدموا في سبيل تحقيق ذلك ذات الوسائل التي يستخدمها غيرنا في هجومهم وغزوهم الفكري لمجتمعاتنا لنصل كما وصلوا إلى شبابنا، وألا يقتصر العمل على وسائل الدعوة التقليدية فإن الجمهور المستهدف لن تصل إليه تلك الدعوة، فالتجديد في الوسائل مطلوب بما أنها لا تخالف القيم والثوابت، ونحن نواجه عدوا لا يتوانى عن استخدام أي شيء في سبيل تحقيق مآربه إذ لا قيم تمنعه ولا مرؤة تحجزه، كما أن للتعليم دور في ترسيخ القيم والثوابت وتعزيزها، فيخصص في الأطر التعليمية والتربوية مساقات تعنى بتعزيز القيم تستلهم من السيرة النبوية والتأريخ الإسلامي يكون فيها بيان ما نملك من مقومات حضارية تستنهض الجيل الشاب للقيام بدوره المركزي في الوجود، كما قام به سلفنا الصالح ومن تبعهم في سبيل الخير فكانت لهم الريادة الحضارية في العالم، فلن يصلح حال آخرنا إلا ما أصلح حال أولنا.

■ هناك قلة من الناس تدرك قيمة الوقت.. ما فائدة الوقت في حياة الإنسان؟ وما الذي يجب على الإنسان ليخطط جيدا لحياته دينيا ودنيويا؟

إن الوقت هو حياة الإنسان، فإن هذه الدقائق والساعات والأيام هي عمر كل واحد منا لو أننا توقفنا للحظة وتأملنا ذلك، ولكن إن إلف الأشياء هو من أخطر ما يصيب المرء فيجعله غير مدرك لحقيقة مضي العمر وضياع أيامه هباء، لذلك جاء التحذير النبوي لندرك قيمة هذا العمر الذي نعيشه وأن المرء مسؤول عنه يوم القيامة فورد: (لاَ تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ، حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلاَهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ)، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان سيسأل عن عمره سؤالان، سؤال عن مجمل العمر وسؤال خاص عن مرحلة الشباب فيه، فليس ضياع الوقت بالأمر الهين، وأخطر ما في الأمر أن الإنسان لا يعلم متى ينقضي عمره وينتهي الوقت الذي أعطي، فكيف بعد هذا تجد ذا عقل يضيع أوقاته في اللهو بلا هدف ولا غاية سامية، فالعجيب من أحوال الناس أنهم يفوتون أوقات السعة عندهم بدون عمل فإذا ضاق عليهم الوقت والحال تفطنوا وهموا للعمل بعد فوات الأوان، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤكد هذا المعنى بقوله: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ : شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ)، فإن هذه الموعظة الشريفة متعلقة بحسن استغلال الوقت وأيام العمر وما يكون فيها من تقلب الأحوال، والحث على المبادرة للعمل والبعد عن داء التسويف. لذا ينبغي من المسلم الفطن أن ينظم أوقاته وأعماله، فيجعل لعباداته وعمل البر أوقاتا محددة لا يفرط فيها بحال، فعلى مستوى اليوم يخصص أوقاتا لقراءة القرآن وأوراد الذكر والدعاء، وعلى مستوى الأسبوع كصيام النافلة وصلة الأرحام وكذلك في الشهر وفي السنة لتكون حياته منظمة، وإن خير ما يعينه على تنظيم وقته في يومه إقامة الصلاة في أوقاتها، وذلك بتخصيص أعمال معينة تتناسب مع وقت كل صلاة، وكذا الحال لأعماله الأخرى التي يكسب منها عيشه ورزقه يلزمه أن يعتني بتنظيم وقته فيها بحيث يحقق إنتاجية تعادل ما يبذل فيها من جهد ووقت، ومن جميل ما قيل في ذلك «اعمل لدنياك كأنك تعيش مخلدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا»، وإن البركة تكون في الوقت والعمر بحسن نية الإنسان بل قد تتعدى تلك البركة عمره لتبقى بعد انقضائه، ولنا في أعمال وآثار العلماء والصالحين الذين نظروا في قصر أعمارهم فزادوا أعمارا فيها باستمرار أجور أعمالهم، فهي زيادة بركة وخير في أعمارهم التي عاشوا، وفي الحديث: (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)، فينبغي للمسلم أن يسعى لبقاء أثر صالح له وأن يزيد في عمره بما يترك من أعمال شاهدة له، وألا يتوقف الإنسان عن عمل الخير ما دام في الوقت سعة، (إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا).