أخـــجل من لـهـجـتـي

آن بنت سعيد الكندية –
Twitter: @Annalkindi –

جلست مع نفسي لاستوعب لما ابنتاي تعتقدان أن اللهجة العربية المكسرة، هي الموضة وطريقة الاندماج المتوقعة منك بين طلبة المدارس الخاصة. حاولت إبعاد العاطفة تماما وعن التشبث بالهوية العربية في النظر للموضوع، علّمتني الحياة أن الحكم الصحيح لا يبنى على العقل وحده، دون أن يكون للفطرة السليمة فيها دور أساس.
مؤلم جدًا أن ترى أبوين عربيين ولا أقول فقط عمانيين يصرون إصرارًا لتعليم أولادهم اللغة الإنجليزية في سن مبكرة جدًا لدرجة أن أبنائهم لا يعرفون إلا القليل عن اللهجة المحلية.
أحاول تناول الموضوع بموضوعية، حتى لا يأخذ النقاش منحى الهجوم المتوقع على مثل هذا الطرح، إذ كثيرا ما نأخذ الأمور بشخصنة. الأمر ليس بالسطحية التي تناقش في تكرارها عن أهمية تدريس اللغة الإنجليزية، وأنها لغة البحوث ولغة الأعمال. وليس هذا المقال كفيلًا وحده بوضع النقاط على الحروف، إلا أنني أدعو الآباء والأمهات والعاملين على ملف الثقافة، وأيًا من يهمه القرار التعليمي أن يقضي بعض الوقت للفهم قبل أن يتخذ قرارًا مصيريًا لأولاده. لا تظلموا أولادكم في حق أصيل بإتقان لغة مورثهم الثقافي، ووسيلتهم للاندماج في المجتمع. يسألني كثير من الآباء والأمهات ممن لديهم أطفال في سن الثالثة، عن رأيي في التعليم وأي مدرسة أنصحهم بها. وأظن أن جوابي صادم لهم في كل مرة، إذ أقول علّموا أولادكم القرآن الكريم في سن مبكرة ليتّقوم لسانهم وتصبح لهم مرجعية لغوية قوية، وقيمًا ساميةً يستندون إليها في حياتهم. أما إذا كان الخوف على اللغة الإنجليزية فإنها بلا شك لغة مهمة جدًا، ولابد لهم أن يتعلموها، لكن في سن ليست مبكرة حتى لا تختلط عليهم اللغات فيصبحون بلا لغة تأسيسية قوية، لا هم بالعربية، ولا هم بالإنجليزية، قيل قديمًا من تعلم لغة قوم أمن مكرهم بمعنى أن من يتعلم اللغة لا يتعلم مفرداتها، وإنما يتعلم ثقافة الشعوب، وطرق تفكيرها ومورثها الشعبي. يخجل الناس من لهجاتهم المحلية التي على ما يبدو أنها ظاهرة في الدول العربية وليسوا بعض العمانيين فقط، فمثلًا يعتقد بعض أبناء المغرب العربي أن الخليجي لا يفهم لهجته فيعمد إلى تغيرها. نعم لهجة الدول المغاربية ليست بالسهلة لكنها ليست عصية الفهم فهي تستخدم مفردات اللغة العربية القديمة، وهي فرصة للخليجي أن يعرف مقدار قوة تأسيسه اللغوي. الطفل يتعلم تراكيب اللغة السليمة من اللهجة، واللهجة ليست دخيلة على اللغة العربية بل هي بنت اللغة مشتقة منها، فلا ينبغي أن ينظر لها بدونية. وكما استند في مقالي هذا إلى ملاحظاتي الشخصية فإنها لا بد أن تكون مسندة إلى رأي علمي وهو ما أثبته أستاذ التطبيقات اللغوية في جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز الدكتور بندر الغميز في حديثه الشيّق والشفاف والمدعم بالبراهين العلمية، حيث يجيب الغميز على جميع التساؤلات التي يمكن أن تخطر في بالك في التدوين الصوتي لإذاعة ثمانية التي تنتج بودكاست فنجان، الذي يحمل ثراءً معرفيًا يمثل فارقًا في الحراك الثقافي العربي.
أصررت على أن أعلّم بناتي اللهجة العمانية «القحية»، واستخدام الكلمات القديمة، وزرع الاعتزاز بها حتى تفوقن في اللغة على أقرانهن ممن حرموا من استخدام لغتهم العربية في بيوتهم.
أقول لكم بكل حب لا تحرموا أولادكم من الذكاء اللغوي الذي لا يمكن أن يتعلموه إلا من اللهجة. فكيف للطفل أن يعي وقع الكلمة، وأهمية ترتيبها في السياق اللغوي حتى في طلبه لأشياء بسيطة يومية في المقهى أو الأسواق أو في محادثته للناس. فالطفل الذي لا يعرف المناشدة وإعطاء الضيف حقه، والذي لا يحس بوقع كلمات الآيات التي يرتلها في صلواته، فما هي مرجعتيه؟، وما هي هويته؟. فليست الكلمات معاني تجدها في المعجم إنما وقعها على القلب في السياق الواردة فيه. اللغة هوية والهوية أمن وطني لا لعب فيه، فاللغة ليست بالسطحية التي نعتقدها.
استثمروا قليلا من وقتكم للاستماع إلى ما قاله الغميز، قبل أن تتخذوا قرارًا تظلمون بها أبناءكم لأنكم حُرمتم من اللغة الإنجليزية الجيدة، واعتقدتم أن طوق النجاة وضمان المستقبل هو فقط في التأسيس للغة الإنجليزية. إن لم يكن موقفنا واضحًا ومبنيًا على أسس علمية فستستمر المدارس الخاصة بعدم إعطاء اللغة العربية حقها، وتستمر المدارس الحكومية في مخرجات اللغة الإنجليزية الركيكة. أنا هنا فقط لأدق ناقوس الخطر، وطرحي للتفكر للخروج من دوامة النقاش العاطفي لإيجاد حلول تطبيقية، وإمكانية النظر في تجنب المصاريف الكبيرة التي تتكبدها الحكومة في إعادة تأسيس اللغة الإنجليزية في الجامعات والكليات المدنية منها والعسكرية.
أما التعليم باللغة الإنجليزية أو العربية للمواد العملية فذلك حديث آخر هنا، إذ سأتطرق مستقبلا إلى أهمية وجود مركز الترجمة في السلطنة، والجهود المبذولة للغة العربية منها إنشاء كلية السلطان قابوس لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، والربط الاقتصادي لملف الثقافة. هنا أقف وأقول راجعوا أنفسكم، لا بد للطفل على الأقل من لغتين قويتين، كونوا مع تعدد التعلم اللغوي، كونوا أكثر انفتاحًا مع الاعتزاز بلغة القرآن.