في الحق الإنساني والحــــــداثة الســـياسية

محمد جميل أحمد –

اختبار الحق الإنساني في الحداثة السياسية للعالم المعاصر أمر غاية في التعقيد.
وبالرغم من وضوح الحق الإنساني حال تعيينه بالنظر العقلي والحس الإنساني المجرد، فإن رؤيته في إطار التشبيك المعقد لفهم القيم السياسية للحداثة وارتباطها العضوي بمتلازمة انفصال الحق عن القوة، أو العدل عن القوة، هو مما أصبح يجري مجرى العادة في ظل الأطر التي تحكم سياسات الدولة الحديثة ومفاهيمها للحقوق عبر قيمة المواطنة لا قيم الإنسانية.
ويمكننا أن نتصور وفق هذا الفصام العديد من القضايا في المسرح السياسي للعالم، لعل من أبرزها قضيتا جنوب إفريقيا، التي انتهت بالجهود الأسطورية للقائد الإنساني والتاريخي نيلسون مانديلا، وكذلك القضية الفلسطينية التي تعتبر آخر قضايا الضمير الإنساني البارزة في العالم المعاصر.
بطبيعة الحال هناك مؤثرات تلعب دورًا كبيرًا في الوصول إلى طرق الحل للقضايا ذات الطابع السياسي والإنساني في الوقت ذاته، لكن هذه المؤثرات والوسائل تتصل جوهريًا بمدى قدرة اللاعبين في مضمار الحقوق على إجادة العمل السياسي من داخل المواثيق التي كفلتها الحداثة السياسية، كما في الميثاق العام للأمم المتحدة، وكذلك عبر التحقق بالشروط الذاتية والموضوعية الناضجة لتحقيق المصير السياسي.
وبالرغم من هالة التقديس للقوة المادية في العالم المعاصر، إلا أن قيم الحقوق في معناها الكلي، والطرق المجدية في الوصول إليها والشروط الذاتية والموضوعية المتصلة بنجاح النضال الحقوقي للقضايا السياسية العادلة تلعب دورًا حاسمًا في انتزاع تلك الحقوق وفق الأدوات المشروعة.
هكذا يمكن القول إن هناك اقترانًا شرطيًا بين قوة الحق الإنساني وبين الأدوات السياسية والنضالية المشروعة في انتزاع ذلك الحق.
ومتى ما كان هناك خلل في ترتيب الأولويات بحساب دقيق ورؤية مركبة فإن احتمالات إفلات الخيط الناظم للرؤية المحققة للنجاح قد يبدو ورادًا في ذلك.
وبين الوقائع التي شهدتها أحوال العالم في القرن العشرين ثمة الكثير من الأمثلة على القضايا السياسية التي تم غمط الحق فيها بمنطق القوة، لكن قوة الضمير الإنساني والحق السياسي لعبت دورًا كبيرًا في توظيف نضالات الشعوب لكي تنال حقها الذي اعترف له بها العالم.
ولعل أبرز ظاهرة لذلك، جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة التي تم ضمها بمنطق القوة الجبارة من العملاق السياسي الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية، الاتحاد السوفييتي، لكن ما أن بدا القرن العشرين في طور الغياب كانت تلك الدول تنال استقلالها بعد عقود من الاحتلال وتذويب الهويات الذي فرضه انتصار السوفييت في الحرب الثانية، وكذلك امتداد السوفييت في أوروبا تبشيرًا بالماركسية.
ولعل هذا ما حدا بالمفكر الماركسي البريطاني إيريك هوبسباوم وصف القرن العشرين بحسب فعالية الأحداث السياسية فيه لا بحسب سنواته المائة، حين أرخ بداية القرن العشرين، سياسيًا، باندلاع الحرب العالمية الأولى في عام 1914 ونهايته بسقوط جدار برلين في عام 1990م.
هكذا ولأن الأساس النظري للحداثة السياسية هو أساس مادي، لا أخلاقي، فإن قوة الحقوق دائمًا ما تفاجئ اللاعبين والمنظّرين الكبار للحداثة السياسية، إلى جانب صانعي السياسات كرؤساء الدول، حين يضطرون للقبول بالنتائج السياسية للحق الإنساني مهما طال الزمن، كما تقبل العالم في بداية التسعينات النتائج السياسية للحق الإنساني الذي ناضل من أجله الأسطورة نيلسون مانديلا في دولة جنوب إفريقيا، بعد أن تم سجنه لربع قرن.
وفيما تكرس الحداثة السياسية لمنطق القوة في قرارات الدول حيال قضايا إنسانية وسياسية مختلفة، يبقى دائمًا في الأساس النظري للحقوق الإنسانية، كميثاق الأمم المتحدة، ما يمكن استثماره وفق شروط ذاتية موضوعية ناضجة، وهي الشروط التي لو تم الاحتكام إليها، ستظل باستمرار تفاجئ صانعي السياسات وقادة العالم بنتائجها الموضوعية.
قضايا الضمير الإنساني لا تموت، وإذا كان تقديس القوة المادية لصناعي العالم الحديث هو الذي يفرض الوقائع السياسية بمعزل عن فكرة الحق والضمير الإنسانيين، فإن في ميثاق الحقوق الدولية الذي أقرته الأمم المتحدة، دائمًا، ما يسمح بالنضال من أجل انتزاع تلك الحقوق التي يهدرها التصميم المادي للحداثة السياسية، ولكنه، بالضرورة، يلجأ إلى الاعتراف بها حين تنضج شروط ذاتية وموضوعية يكون فيها أصحاب الحق أكثر قدرة على رؤية مصيرهم السياسي.
وفي هذا الصدد يمكن القول إن معركة التخلف هي في الغالب ما تعكس ذلك التعثر والضبابية في رؤية المصير السياسي أولًا، وفي القدرة على التحقق بالشروط الذاتية والموضوعية الناضجة لتحقيقه ثانيًا.