التعدد الفكري وأهميته في الإبداع

عبد الله العليان –

لا شك أن التعدد والتنوع عند الاختلاف الفكري بين الثقافات والحضارات، ظاهرة طبيعية وكونية، لأن الخالق عز وجل، خلق الناس مختلفين، في الرؤى والنظرات والتوجهات الفكرية والسياسية، وغيرها من القضايا التي ربما لا يتفق عليها الناس في كل شيء، فيما يناقش ويطرح للبحث والحوار في الرؤى العامة، وما ينطبق على الأفراد والجماعات في الأمة الواحدة، ينطبق كذلك على الحضارات والثقافات، فلكل منها إرثه الفكري والثقافي، وسبيل حياته ومعيشته في المحيط الذي استمد منه الثقافة والأفكار، ومن خلال تراثه الممتد منذ قرون مضت، وهذه جزء من الفطرة الإنسانية، التي تميل إلى ذاتيتها وتأثير المحيط والبيئة التي عاش عليها الفرد والجماعة.

لكن التفاعل مع الثقافات والحضارات الأخرى، مسألة مهمة بين البشر، في أن يتم التلاقي والتعاون بينهما في المشتركات الإنسانية، لكن ألا تكون هذه المشتركات على حساب المرجعية الكبرى للأمة بحيث تتنازل أمة عن ثقافتها وفكرها، لثقافة أخرى، لاعتقاد أن هذا من باب التسامح، أو أنها هناك ثقافات أخرى أعلى مرتبة من ثقافة أخرى، وهذه نظرة قاصرة وغير صحيحة، لكنها حصلت كظاهرة لظروف تفوق حضارة في التقدم والنهضة – كما حصل للحضارة الغربية المعاصرة – أو الشعور بأن هذه الثقافة أو الحضارة، هي سبب لهذا التقدم، دون النظر لأسباب أخرى سياسية واقتصادية، أو سيطرة استعمارية ساهمت في تكريس هذه الشعور في الرؤية التبسيطية للتأخر والتراجع للأمم الأخرى.
ولا شك أن لكل أمة جوابها عن حاضرها ومستقبلها، الذي يعتبر حاجة خاصة بها، تميزها عن غيرها من الأمم والثقافات، وتضع لنفسها الخيار الذي ترتضيه من رؤى وأفكار، تراه أسلوبًا للتقدم والارتقاء، وهذه تعد منطلقًا لأجوبتها عن ذاتها يكون مستقلًا عن غيرها، وليس استعارة من أمم أخرى، ولذلك يرى الدكتور طه عبدالرحمن في كتابه (الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري) أنه لا بد من الجواب الذاتي الذي ينبع من فكر الأمة وتراثها وقيمها، وحقها في التميز والاختلاف عما هو قيمّي، ينطلق من جوابات الذات وخصوصيته، لكل أمة، ولذلك يرى الدكتور طه عبدالرحمن أن الخصوصية لا تفيد ولا تعني: «انكفاء» الأمة على ذاتها «بالضرورة، فقد تتعلق الأمة بذاتها في أمور وتتفتح في أمور على غيرها في ما عداها، وقد تتمسك ببعض الثوابت التي تراها محددة لهويتها في مقابل الهويات الأخرى من دون أن تتجمد عليها جمودًا مطلقًا.. فالخصوصية لا تعدو كونها حيز الأمة، فلا أمة بغير حيز يظلها، ومعلوم أن لكل أمة حيز أوصافه التي تميزه عن غيره، فمثل الخصوصية بالنسبة للأمة كمثل الجسم بالنسبة للروح، فكما أن الروح تحتاج إلى أن تحل في جسم يخصها ولا تشاركها فيه الأرواح الأخرى، فكذلك الأمة تحتاج إلى أن تكون لها خصوصية لا تشاركها الأمم الأخرى، أو قل إن الخصوصية إنما هي جسم الأمة».
فمسألة العالمية، أو الكونية التي انتشرت في العالم كله، بوسائطها وبتكنولوجيتها الضخمة، وأصبحت آثارها عمومية في كل القارات، أو ما يعرف بالعالم المتعولم في عصر الانفتاح الكبير، الذي لا يستطيع أحد صد هذا الاختراق العلمي، ومنهم من يقول إن الخصوصية، لا تعد تستطيع أن تقف أمام هذه القوة العالمية التي لا تحدها أو سدود، لكن الدكتور طه عبدالرحمن يختلف مع هذا التوصيف تجاه الخصوصية، أو الذاتية للثقافات الأخرى، ويرى أن الواقع عكس ذلك، ويقول: «الواقع أن كثيرًا مما يوصف بالكونية لا ينطبق على الأمم كلها بهذا المعنى، فضلًا عن أن تتساوى في هذا الانطباق، إذ الحقيقة أمره أنه عبارة عن خصوصية أمة بعينها عُممت على الأمم الأخرى، طوعًا أو كرهًا، والتعميم الطوعي يحصل في حال التكافؤ الثقافي أو الفكري بين أمتين: المنقول منها والمنقول إليها، بينما التعميم الكُرهي يحصل في حال تفاوتهما الثقافي والفكري، وهذا الصنف الثاني من التعميم قد يكون ناتجًا عن اضطرار الأمة إلى غيرها لسد حاجاتها الثقافية والفكرية».
ولا شك أن التفاوت بين الأمم ظاهرة توجد في كل الأمم، وهذا الظرف لا شك أنه مؤقت، ومن هنا قد يحصل بعض الاضطرار أو الفرض أو القسر على قبول بعض ما تفرضه دول أخرى على غيرها، لكن الدكتور طه يرى أن هذا قد حصل: «لكنه قد يكون ناتجًا – كما أشار آنفًا – أيضا عن إكراه تمارسه إحدى الأمتين على الأخرى، وهو أمر غير مشروع ولا معقول، والحال أن الأمة المسلمة، في سياق الاستعمار التي ما فتئت تتوالى عليها، تظل مكرهة على الأخذ بخصوصية المستعمر وعلى النظر إليها على أنها كونية تُلزم الأمم قاطبة».
ولا شك أن الاستتباع الذي يحدث من بعض المثقفين أو النخب الثقافية والفكرية، وحتى من الدول، يبرز أن هناك خللًا في الرؤية تجاه ما هو كوني وما هو ذاتي وخصوصي، فالكونية لا تخلو من نزعة خاصة، تجاه ما تضعه من أجل انتشاره في العالم، ومنها حتى التبشير بالدين من خلال مؤسسات، ففرنسا العلمانية التي تفصل الدين عن السياسة، ترسل المبشرين إلى إفريقيا، وهذا بحد ذاته يدخل ضمن الخصوصية، لدى بعض الدول التي تتحدث عن الكونية وعالمية القيم وفي رؤيتها نشر ما يمثل أمرًا خاصًا، ويرى الدكتور طه عبدالرحمن: «أنه لا توجد كونية مجرَّدة من كل لباس خصوصي حتى ولو كانت كونية القوانين العلمية، حسبك شاهدا على تلك الاختلافات التي تحصل بين الأمم في أشكال تطبيق هذه القوانين وأساليب استثمارها، وحتى قبل خروجها إلى عالم التطبيق، فإن كيفيات اكتشافها وصياغتها واختبارها كلها لا تنفك عن أسباب وظروف خاصة، وما يعتقده بعضهم – وهم كثيرون – من كون الأمور الكونية تتجاوز كل خصوصية».
ويرى الباحث الدكتور محمد الهداج في دراسته، (طه عبدالرحمن، في المنهجية والخطاب)، والمتعلق بالجواب الخاص للأمة على أسئلة عصرها باعتباره حقًا مستقلًا لهذه الثقافة في إعطاء أسئلتها الخاصة عن جواب عصرنا، ولذلك فإن الدكتور طه عبدالرحمن: «اعتمد في نهجه ونقده الفلسفي، على أهمية الانطلاق من الإبداع الذاتي، ومن خلال الإجابات عن أسئلة الحاضر والمستقبل، ومن الرؤية الخاصة بالأمة المسلمة، وليس الأخذ من الأمم الأخرى التي لها جوابها الخاص ومنطلقاتها الفكرية، التي لا تتطابق مع أسئلة الآخر وجوابه عليها، فكل أمة أسئلتها وجوابها، وفق فكرها وثقافتها» ويرى طه عبدالرحمن في هذا الكتاب أن مقولة الإنسان الكوني وفق الرؤية الأمريكية، تريد منها أن تهيمن هذه الثقافة الأمريكية، على الثقافات الأخرى، وتتسيد عليها، وتنميط هذه الثقافة، لتكون هي المؤثرة على الثقافات الأخرى، ولذلك تكون للثقافة الأمريكية، تحت الثقافة العالمية، أو النظام الثقافي الجديد ومن هنا، كما يرى طه عبدالرحمن يتم السعي إلى: «فرض رؤيته الخاصة ومعاييره الثقافية على باقي الأمم، معمَّمًا عليها نمطه الخاص في التفكير والسلوك، وذلك دعمًا لهيمنته الثقافية في ظل هيمنته الاقتصادية المتمثلة في السيطرة على رؤوس الأموال والأسواق التجارية والشركات العالمية، وهكذا، يصير النظام الثقافي العالمي الجديد عبارة عن الخصوصية الثقافية للأمريكان معمَّمةً على غيرهم من أمم العالم، مما يفضي حتمًا إلى تجريد الإنسانية من التنوع الثقافي والتعدد الحضاري اللذين تنبني عليهما الخصوصيات التي تتميز بها هذه الأمم، وتستمد منها عناصر طاقتها ومعاني وجودها وأسباب عطائها، ولما كان العالم الإسلامي الذي أخذ أرباب هذا النظام يتوجسون منه خيفةً يحتضن ثقافات متنوعة وغنية تلبَّست بالثقافة الإسلامية المتصلة، صار أكثر من غيره عرضة لهذا التنميط الثقافي والاجتثاث لمظاهر التنوع والغنى في ثقافته، ناهيك عن منظومته من القيم الإيمانية والأخلاقية». ولذلك تظل مسألة فرض ما سمّي بالكونية تتنازع حولها الثقافات، لان الاختلافات مسألة طبيعية وفرض الكونية وعدم القبول بالتعددية الثقافية والفكرية، ستبقى محل اختلاف وتوتر وعدم التفاهم بين الحضارات والثقافات.