العمل بهيئة الكتاب.. المقهى الثقافي – معرض الكتاب “5 ـ 10”

إبراهيم عبدالمجيد
لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في روحي مكانة جميلة حقًّا. تاريخ قديم منذ سنوات الشباب الأولى. جئت من الإسكندرية خصيصًا لمعرض الكتاب الأول سنة 1969 أحمل في جيبي سبعة جنيهات ونصف. اشتريت بها عددًا كبيرًا من الكتب لا يقل عن ثلاثين كتابًا، ما بين روايات أجنبية وروايات مصرية وكتب ثقافية، وعدت إلى مدينتي أحمل كنزًا. تشتري ذلك الآن بآلاف الجنيهات! لستة أعوام بعد ذلك صرت آتي من الإسكندرية إلى المعرض، حتى استقرت بي الحياة في القاهرة عام 1975، ولم أتخلف مرةً عن زيارة المعرض. كان مكانه في البداية في أرض الجزيرة بالزمالك حيث أُقيمت الأوبرا فيما بعد، وكانت مساحته صغيرة، لكن كان المكان حميميًّا إلى درجة كبيرة، ثم انتقل إلى مدينة نصر حيث الاتساع الهائل قياسًا بمكانه القديم، فصرت أذهب إليه، لكن لا أجد فيه هذه الحميمية القديمة، وكنت إذا قابلت أحدًا من الأصدقاء أشعر أني أراه قادمًا من صحراء، ولعله كان يراني كذلك أيضًا! حدثت نقلة رائعة في نهاية الثمانينات حين حدثني سمير سرحان في أمر إقامة ما يُسمى بالمقهى الثقافي ليكون أكثر ألفةً وحميميةً للأدباء الشباب، وتُناقش فيه الروايات والدواوين بعيدًا عن سرايا الاستثمار التي صارت تقريبًا مخصصة للندوات السياسية والفكرية. وافقته على الفكرة، وللأمانة قال إنها فكرة وزير الثقافة ذلك الوقت فاروق حسني، وعهد إليَّ بإدارة ندوات المقهى. بالمناسبة كانت فكرة الندوات بالسرايا الكبرى من قبل فكرة الفنان التشكيلي عدلي رزق الله كتبها وطالب بها. حدث أن ظللت أدير المقهى الثقافي حتى عام 2000 كما قلت، لكني ظللت مواظبًا على الحضور إلى المعرض.
أبرز الذكريات الحلوة في المقهى الثقافي، كانت تأتي من أني أعرف أن سمير سرحان يحب أن يجامل بعض أصدقائه من الصحفيين والكتاب بعمل ندوة لهم. الوقت عشرة أيام وأربع أو خمس ندوات في اليوم يعني أن لدينا فرصًا كبيرة للندوات، ومن ثم كنت أترك أربع أو خمس ندوات خالية ليضع فيها سمير مَن يريد من أصدقائه خاصة أنه كان يفعل ذلك صدفة ودون تخطيط. ومن أبرز ما جرى، كانت ندوة طلبها سمير سرحان للأستاذ الكاتب والصحفي ورئيس تحرير مجلة الإذاعة والتلفزيون محمد جلال الذي أُذيعت له مسلسلات عن بعض رواياته، ومنها مسلسل “أيام المنيرة” الذي كتب له السيناريو أنور عبد المغيث. جاء الأستاذ محمد جلال ليلتقي بجمهوره ومعه فنانتان شابتان جميلتان. لم يحضر الندوة أحد على الإطلاق، رغم أنها كانت بعد الظهيرة، وعادةً يدخل الخيمة بعض مَن يرتاح فيها بصرف النظر عن الموضوع . لا أعرف كيف حاولت أن أهوِّن عليه فقلت له “فعلًا كان لازم الندوة (تبوظ)؛ لأن اليوم للأسف مباراة الأهلي مع الزمالك، وانت الذي اخترت اليوم يا أستاذ محمد”. انصرف في غيظ، لكني مشيت معه. كت أعرف أنه سيشكو إلى سمير سرحان. دخلنا مكتبه بالسرايا الرئيسة، وسأله محمد جلال غاضبا كيف تختار لي يومًا يا سمير به مباراة الأهلي والزمالك؟”، نظر إليَّ سمير سرحان في دهشة، فغمزتُ له بعيني، وقلت” إن شاء الله نعوضها، والدكتور سمير لا يحب كورة، ولا يعرف” رأى سمير ابتسامتي المكتومة، وقال لمحمد جلال “خلاص إبراهيم سوف يحل الأمر”. خرج محمد جلال فسألني سمير عما حدث، فقلت له ” لم يأتِ أحد ولم أجد شيئًا أخفف به عنه غير أن أقول إن اليوم مباراة الأهلي والزمالك” ضحكنا وهو مندهش من أفكاري. لكن أكثر أيام الضحك كانت عام 1991 أيام تحرير الكويت من الغزو العراقي.

كان الجو باردًا جدًّا واحتمالات المطر رهيبة. كانت الندوة للدكتورة نوال السعداوي، وإذا بها تترك موضوع الندوة عن أعمالها والمرأة في مجتمعاتنا وتتحدث عن حسني مبارك وخيانته للعراق وتآلفه مع أمريكا في الغزو، وتشتم أمريكا بأقذع الشتائم. ليست هذه مشكلة، لكنها أيضًا راحت تشتم حسني مبارك وأنا أقف على باب المقهى مندهشًا لا أُعلِّق، وإذا بحسن سرور المساعد لي يقترب مني يقول “ماذا نفعل؟ سوف نسجن كلنا، لابد أن أحد المخبرين يتواجد في الندوات” قلت له “لن أقاطعها وقادر ربنا الدنيا تشتي وتغرق الخيمة ع اللي فيها” ما كدت أنتهي من كلامي، حتى ظهرت سحب سوداء فوق المعرض وهطل مطر شديد، وجرى كل مَن في الشارع يحتمي بالخيمة التي ازدحمت بالواقفين والداخلين، ووقع بعضهم على الأرض وفوق بعضهم وانقطعت الكهرباء وتوقف الميكروفون، وحسن يضحك ونحن نكاد نحمل الدكتورة نوال من بين الزحام ونخرج بها بعيدًا. انتهت القصة وحدها، وحسن يقول لي “أنت وليّ .. وليّ”.
كثير من الحديث يمكن أن أقوله عن أيام المعرض وعن لقاء حسني مبارك بالمثقفين. ومن المهم أن أقول -ليس دفاعًا عن أحد- إن كثيرًا من المثقفين كانوا يسألون ويتحدثون في قضايا هامة، لكن التليفزيون لم يكن يأتي بأكثر من ثلث ساعة من اللقاء، يركز فيه على الطلبات التي تكاد تكون شخصية لبعض الناس، فأظهر المثقفين في صورة سيئة أو ساذجة. سأحكي بعض المواقف المضحكة. الأول عام 1997 حين تم اختيار روايتي “لا أحد ينام في الإسكندرية” كأحسن رواية في العام. كان مَن يتم اختيار كتابه يتقدم ليصافح الرئيس ويعود فقط لا غير، ويتسلم فيما بعد درعًا من الهيئة بذلك أو شهادة. كنت أجلس جوار المرحوم الدكتور أحمد مستجير مصطفى الشاعر والعالم في الهندسة الوراثية من ناحية، ومن الناحية الأخرى سمير غريب الكاتب والصحفي، وهو بالمناسبة ليس الشاب سمير غريب علي صاحب رواية “الصقار”. لسمير غريب كتابات هامة في الفنون، وشغل مناصب هامة في الوزارة. فجأةً سألني سمير “كيف ستصافح الرئيس وأنت لا ترتدي كرافته؟” قلت له “لا أحبها.. لقد ارتديت بدلة وخلاص” قال لي ضاحكًا كعادته “ما يصحش.. دا بروتوكول يا إبراهيم كان لازم تعمل حسابك” لم أهتم لكن الدكتور أحمد مستجير قال لي “معي كرافته لا تحتاج لفكها أو ربطها، دائرتها حول العنق أستيك” وخلعها وقدمها لي قائلًا “ضعها حول عنقك، وبعد أن تعود أعطها لي، أنت إبراهيم وأنا أحمد وبيننا سيكون واحد أو اثنان”. أخذت الكرافته ووضعتها حول عنقي ونادوا اسمي، فتقدمت وصافحت الرئيس وعدت. في طريق العودة نادوا عليه بعدي مباشرة. كان الموقف محيرًا ومربكًا، لكنني وقد اقتربت منه هو الذي يتقدم ناحيتي في الطريق إلى المنصة، خلعت الكرافتة وأعطيتها له، فوضعها حول عنقه بين ضحك مَن يرانا، وعدت إلى مكاني ضاحكًا.

المرة الثانية كانت عام 2005 حين فزت بجائزة الدولة للتفوق في الآداب عن العام السابق. وكان اللقاء فيها بالرئيس بعيدًا عن المعرض. كنا تسلمنا جميع الفائزين الميدالية والشيك من المجلس الأعلى للثقافة من قبل. بعد أيام أصدر حسني مبارك قرارًا بمضاعفة الجائزة، وعرفنا أننا سنحصل على نفس القيمة السابقة مرة أخرى. كانت الجائزة التقديرية خمسين ألفًا صارت مائة ألف، والتفوق خمسة وعشرين ألفًا صارت خمسين ألفًا، والتشجيعية عشرة آلاف صارت عشرين ألفًا. بالصدفة حين فزت بالجائزة التقديرية عام 2007 ضاعف أيضًا الجائزة، لكن هذا حديث سيأتي في مناسبة أخرى. المهم عرفنا أنه سيلتقي بنا يوزع علينا شهادات الجائزة بنفسه وكانت هذه أول مرة يفعلها. لم يفعلها مبارك قط قبل ولا بعد ذلك. المهم ذهبنا إلى القصر الجمهوري في شارع العروبة بمصر الجديدة. كان هناك ثلاثة أيام باقية تقريبا علي عيد الأضحى. وجدنا معنا بعض الفنانين الذين كان يحب أن يراهم، وطبعا صحفيين سيغطون المسألة. بعد أن قام بتوزيع الشهادات علينا، خرج من القاعة، وخرجنا معه. وقفنا حوله في الحديقة، وإذا بالشاعر عبد العزيز موافي يقول له “يا سيادة الريس إحنا بنشكرك جدًّا على مضاعفة الجايزة، لكن إحنا ما أخدناش قيمة المضاعفة لحد دلوقت، وفاضل كام يوم على العيد الكبير، وعايزين نشتري لحمة للعيال” كان الكلام بالنسبة لنا غريبًا جدًّا، فأدار معظمنا وجهه بعيدًا يكاد يضحك، لكن فوجئنا بالرئيس مبارك ينادي الوزير فاروق حسني قائلًا: “يا فاروق، تعالَ” تقدم فاروق حسني فسأله كيف لم نحصل على قيمة مضاعفة الجائزة، فقال له فاروق حسني “يا أفندم، الموضوع في يد رئيس الوزراء، وهناك إجراءات تتم وستنتهي بسرعة” فنادى حسني مبارك رئيس الوزراء أحمد نظيف قائلًا: “يا نظيف، تعالَ” جاء أحمد نظيف، فسأله نفس السؤال، فأجاب نظيف إن الأمر يحتاج إلى موافقة مجلس الشوري، وقد تمت، وبقيت موافقة مجلس الشعب وستتم، ويتم الصرف بسرعة، فقال له الرئيس:” بأقول لك إيه ما تهرش مخي. الفلوس النهار دا” قال نظيف” حاضر يا أفندم”. انصرفنا بعدها، وعاد معي عبد العزيز موافي الذي كان فائزًا بالتشجيعية في سيارتي وإبراهيم أصلان الذي كان فائزًا بالتقديرية . ضحكنا ووصلت إلى البيت، وفي الساعة الرابعة عصرًا، وجدت جابر عصفور أمين المجلس الأعلي للثقافة وقتها يطلبني على الموبايل يقول لي “تعالَ يا سيدي دلوقت خد شيك بفرق الجايزة من المجلس”، ضحكت وقلت له : بعد العيد.