حمّى البحث عن طلقة فضّيّة!

عبدالرزّاق الربيعي

لا أحد يحبّ لغة الطلقات، ولا أصواتها المفزعة، وبالنسبة لي، لا أرغب سماعها حتّى في السينما، والمسرح، والدراما التلفزيونيّة، التي يلجأ إليها بعض المخرجين لتصعيد الإيقاع دراميًا، لكن الجواب المحبط لرئيس منظمة الصحة العالمية بخصوص مستجدّات اللقاح المرتقب لعلاج كورونا، وتصريحه بعدم وجود طلقة فضّيّة في الوقت الحالي، أصاب رأس الأرض بدوار! وهو نفسه الذي ذهب أبعد من ذلك حين صرّح قبل أيام “الشهران القادمان سيكونان الأصعب من حيث عدد الوفيات بفيروس كورونا”!
وتساءل يومها البعض عن سبب استخدامه تركيب “الرصاصة الفضّيّة” كناية عن عدم التوصّل للقاح الذي سيلوي عنق (كورونا)، فحسب المعتقدات الشعبيّة، الرصاصة الفضية هي السلاح الوحيد الذي يقضي بشكل نهائي على الوحش، ويعود أصله إلى حكاية تتحدّث عن ذئب ضخم على شكل وحش يقتله أحد الصيّادين بواسطة بندقية محشوّة برصاصات فضية، وفي أحد الأغاني الشعبية يدّعي أحد المتمرّدين بأنه لا يتأثر بالأسلحة العاديّة، فيصنع أعداؤه طلقات فضية للتخلّص منه، ومنذ أشهر، عندما تفشّى الفيروس، والعالم ينتظر تلك الطلقات التي ستجعل الحياة آمنة، وظلّ الحديث حول تجارب يجريها العلماء لإنتاج لقاح يكفينا شرّه مستمرًّا، وكنا نأمل ألّا يطول ذلك الانتظار، لكنّ النتائج كانت مخيّبة
للآمال، ووقف الطبّ عاجزًا عن ذلك، لذا لجأنا إلى مراعاة التباعد الاجتماعي، واستخدام المعقمات، والكمّامات، ورفع المناعة، كحلولٍ مؤقّتةٍ، باعتبار أن “الوقاية خير من العلاج” طالما أن الأخير غير متاح في الوقت الحاضر، لكن عيوننا ظلّت تنظر إلى اللقاح، نظرتنا للسيارة البيضاء التي كانت تقف بباب مدرستنا الابتدائية، بين وقت، وآخر، وينزل منها أطبّاء ومضمّدون، يدخلون غرفة المدير، وتسود حركة غير معتادة في المدرسة، ثم يأتي المعلم، ليقود طابورنا إلى غرفة المدير، ومعنا حقائبنا، فنرى ضيوف المدرسة قد تصدّروا المكان بصدرياتهم البيض، ورائحة الديتول، والحقن، وهنا ينطق المعلم قائلا بلغة يؤطّرها دلال مفاجئ “سنعطيكم لقاحا ضدّ المرض الفلاني”- حسب المرض المنتشر يومها، وكنا نعيش مرحلة شهدت سريان العديد من الأمراض كالجدري، والتيفوئيد، والكوليرا، والسلّ الرئوي- “وتخرجون للبيوت، وغدًا إجازة” ثمّ يكمل قائلا: “ليجهّز كلّ منكم ساعده، ليأخذ اللقاح “ثم يلوّح بعصاه الغليظة، “ومن يرفض ذلك، ستجعله العصا يمدّه طائعًا” عندها نستسلم للأمر الواقع، ولم يكن الأمر بالبساطة التي نظنّ، فقد كنا نشعر بانتفاخ المنطقة التي تغرز بها حقنة اللقاح، وغالبًا ما تكون مصحوبة بارتفاع درجة الحرارة، وشيئًا، فشيئًا نتعافى، لنستمتع بإجازة لم تكن تطرأ على البال، ولا ينتهي الأمر عند هذا الحدّ، بل تتكرّر تلك الزيارة بعد أسابيع، مع انتشار مرض جديد، لكن انتظارنا اليوم للقاح ضدّ كورونا طال، حتى بدأت الشكوك تظهر حول جدّيّة الدول الكبرى في ذلك، فمع تفشّي الوباء، بدأت الشائعات المرافقة لأخبار اللقاح تكثر، وظلّت تجارب الاختبارات مستمرة، وعمل شركات الأدوية على قدم وساق، وانطلقت حملات توعويّة لتحضير أذهان الناس لتقبّل فكرة اللقاح، فالبعض يخشى الأضرار الجانبية، مثلما حصل مع أحد المتطوعين الذين زُرقوا بجرعة من لقاح جامعة أكسفورد البريطانية، “فتعرّض لأضرار جانبية خطيرة، لدرجة أن الفريق الطبي المشرف على التجربة، قرّر إيقاف العمل به” ومع ذلك، لم يتوقف تدفّق المتطوّعين الجاهزين لتلقي جرعات اللقاح، وقد تزايدت أعدادهم حتى بلغت الآلاف، كما تنقل وسائل الإعلام، التي حين تتساءل عن إنتاج اللقاح، والمراحل التي قطعها، يأتي الجواب “إنه ليس محتملا، لكن ليس مستحيلا” كما قال كبير خبراء الأمراض المعدية في الولايات المتحدة د.أنتوني فاوتشي، نقلا عن البي بي سي العربية، وهو جواب لا يشفي غليلًا، ولا يسمن، ولا يغني من جوع، وجاء خبر رويترز-الاثنين الماضي- بموافقة الحكومة الإماراتية “على الاستخدام الطارئ للقاح يخضع حاليًا للمرحلة الثالثة من التجارب، ليتاح “لأفراد خط الدفاع الأول توفير كافة وسائل الأمان لهؤلاء الأبطال وحمايتهم من أي أخطار، لينعش الآمال.
ويظلّ الاقتصاد طرفًا في معادلة اللقاح، أمّا بقية الأطراف، فقد تقاسمتها السياسة، والتحالفات الدوليّة، والاستعراضات الإعلاميّة، وإفراد العضلات العلميّة، ووسط توقّعات بظهور نتائج مطمئنة خلال الأشهر الستة المقبلة، نبقى ننتظر، نحن دول العالم الثالث، ما يتساقط من ثمار شجرة عقل العالم المتقدّم، من رطب جنيّ شهيّ، مصحوب بطلقات فضّيّة!