تعدد نجيب محفوظ

محمود الرحبي
تتمثل إحدى أهمّ خصائص الروائي والقاص المصري الكبير نجيب محفوظ، الذي حلّت، في 30 أغسطس المنصرم، ذكرى رحيله الرّابعة عشرة، أنه يمكن تناوُل تجربته من أكثر من زاوية ووجهة نظر.. ومفتاح السرّ في ذلك غزارةُ عطائه، في الرواية والقصة القصيرة، إضافة إلى مقالته الأسبوعية التي التزم بتحريرها لفائدة جريدة “الأهرام” العربي منذ عام 1980 بعنوان “وجهة نظر”، والتي ظل ملتزما بها في ولم تختفِ من صفحات الجريدة المذكورة إلا بعد تعرّضه لمحاولة اغتيال من قبَل إرهابي قرّر تنفيذ حكم الجهالة في حقّه بعد “تكفيره” وهو الذي لم يجشّم نفسه حتى عناء قراءة واحد من أعماله الروائية!
من خلال مجمل التجربة الغنية لهذا الروائي والقاصّ المتفرّد يتضح تعدّد ملفت في جوانب الإبداع وثراء مدهش في المواضيع. ففي رواياته يمكن أن تجد الجانبَ التاريخي والجانب السياسي والجانب النفسي والجانب الواقعي.. وحتى إذا أردت أن تتعرّف على جانب التجريب في رواياته فستكون أمام بحر غزير؛ ناهيك عن قراءته للتراث العربي قراءةً عميقة وكذا قراءاته للآداب العالمية.. وقد انعكس كل ذلك واندسّ بين ثنايا رواياته.

ويعدّ نجيب محفوظ كاتبَ المدينة بامتياز، فهو لم يكتب عن الرّيف أو القرى، بل ظل وفياً لـ”تصوير” القاهرة، بكل أبعادها وعوالمها وظلالها وأزقتها وعرصاتها وليلها ونهاراها وإحباطاتها وأفراحها، أي بكلمة واحدة: “تأريخها”. ففي الثلاثية، مثلا، تنعكس جوانب من فترة الاحتلال الإنجليزي والشعور العامّ خلال تلك الحقبة المهمة من تاريخ القاهرة ومن ورائها مصر. لكنّ محفوظ لم يقدّم ذلك بلغة وثائقية تعليمية أو تاريخية، مما يسهل الحصول عليه من متون التاريخ والأخبار.. وإنما تناول الوضع بطريقة سردية معاصرة، تتجلّى فيها ملَكة الخيال التي تميّز بها، إلى جانب لغته، التي تمتح -لكنْ دون إغراق- من التراث العربي..
كل ذلك جعل الراحل نجيب محفوظ أيقونة عربية فريدة يصعب تكراراها. وأذكر أنني كنتُ، في يوم رحيل نجيب محفوظ، في صلالة، حيث كانت تقام إحدى فعاليات “مسقط عاصمة الثقافة العربية” في 2006. وقد كان وقع رحيله مدويا وصادما. واحتلّ خبر نعيه جميع منابر الإعلام المتاحة حينئذ.
إن قراءة روايات وقصص نجيب محفوظ تدلّ على إصرار كاتب على تَمثل كل نواحي عصره وعبّر عنها بلغة “السهل الممتنع”. كما أنها تراعي تقديم المواضيع التي يطرق في كتاباته بصيغ فنية متعددة. فحين تقرأ أيّاً من روايات نجيب محفوظ تجد نفسك أمام موضوع جديد ومختلف تتوزّع فيه الأفكار والمعاني بين ما هو تاريخي، كما في رواياته الأولى (عبث الأقدار، رادوبيس، كفاح طيبة) وبين ما هو واقعي طوبوغرافي، كما في “زقاق المدق” و”خان الخليلي”، وروايات الذاكرة السياسية، كما في “الثلاثية”. وطبعا، لا ننسى تلك الروايات التي حاول فيها محاكاة كتب من التراث العربي، كما في رواية “ليالي ألف ليلة” و”رحلة ابن فطومة”؛ ما يضعنا أمام كاتب متفرّد كان طوال الوقت يبحث عن أفكار جديدة للكتابة فيها وصياغة صوته الخاص، الذي تميز به في السرد العربي قاطبة، ما أهّله للحصول على جائزة نوبل كأول أديب عربي، وآخرهم أيضا، ما دام أنه لم يحصل عليها أحدُهم بعدُ حتى الآن.
وعلى سيبل الختم، وللمصادفة العجيبة، فقد كنت، قبل الذكرى الأخيرة لوفاة نجيب محفوظ بيوم واحد، قاصدا في الصباح سوقا للخضرة والسمك في فاس (سوق حي المرجة تحديدا) فإذا بي أجد في وسط السوق عربة “غريبة” هناك، عربة يبيع صاحبها الكتب المستعمَلة. والأغرب أني وجدت فيها كتابا طالما بحثت عنه، هو رواية “الحي اللاتنيني” للكاتب اللبناني سهيل إدريس.. وكانت الطبعة الـ17.

وحين عدت إلى البيت، شرعتُ في تصفّح الكتاب فكان أول ما وقعت عليه عيناي كلمة لنجيب محفوظ على ظهر الغلاف.. وقد أوردها الناشر فوق كلمة لميخائيل نعيمة يتحدث فيها عن الرواية، إذ كتب نجيب محفوظ”الحي اللاتيني معلم من معالم الرواية العربية الحديثة” فقد حملني ذلك على قراءة الرواية والنظر فيها بدقة، حتى أتوقف على صحة ما قاله النقاد في الرواية، وحقا فذلك ما وجدته بلا شك، فهي رواية منسوجة بأسلوب بديع رصين، تجعلك تتبع أحداثها، وتستهويك لمتابعتها حرفا حرفا، وكلمة كلمة، خوفا من ضياع دلالة ما، أو صورة من الصور. وبعد إكمالها، تبين لنا أن سهيل ادريس يقدم لنا صورة عن الإنسان العربي بأوروبا، من حيث طرق العيش وأساسيات التعامل مع المحيط الجديد والانسجام معه، إنها نوع من المقارنة التقابلية للإنسان العربي عامة، والمثقف خاصة في بلده وخارج بلده؛ فالرواية ذات بعد اجتماعي محض، قبل أن أسمع في اليوم الموالي خبر وفاة نجيب محفوظ.. وكانت تلك الواقعة واحدة من أغرب المصادفات التي وقعت لي في علاقتي بهذا الروائي الفذ وبأعماله المتعدّدة والخالدة.