انتخابات الرئاسة الأمريكية .. معركة غير محسومة

إميل أمين كاتب مصري –

على مشارف 7 أسابيع تقريبا من انتخابات الرئاسة الأمريكية في الثالث من نوفمبر المقبل، بات التساؤل الذي يلح على الأمريكيين: «هل هي معركة محسومة بالفعل، أم أنها ليست كذلك، بمعنى أنه ما من مقدرة على تحديد الفائز بها حتى الساعة وهل سيكون للرئيس ترامب أن يظل في البيت الأبيض لأربع سنوات أخرى، أم أن بايدن سيعود إلى الموقع الذي تركه كنائب رئيس بسلطات رئيس منتخب من أمريكا؟
هناك مفارقة مثيرة تطرح ذاتها على الإعلام الأمريكي هذه الأيام وتذكر بما جرى في انتخابات الرئاسة 2016، ذلك أن استطلاعات الرأي ترجح فوز مرشح الحزب الديمقراطي جوزيف بايدن، لكن المراهنات تميل إلى الرئيس ترامب. المعروف أن كل المراهنات مسموح بها في الداخل الأمريكي، إلا أن الرهان على نتيجة الانتخابات الرئاسية غير مسموح به، وعلى الرغم من ذلك يمكن للذين يتطلعون للرهان على هذه النتيجة أن يلجأوا إلى مواقع المراهنة الأجنبية. هل نحن أمام احتمالات فوز ترامب من جديد، الأمر الذي تؤكده كثرة المراهنات على فوزه، وإن كان ذلك كذلك فما الذي يجري في الداخل الأمريكي في هذا الإطار؟ من الواضح أن هناك أسبابا على السطح ربما تجعل استطلاعات الرأي تجري برسم عاطفي أو تحت ضغوطات لما حدث في الأشهر القليلة التي أعقبت فبراير الماضي، أي مع انطلاق تفشي فيروس كورونا في الداخل الأمريكي. هنا يمكن القطع بأنه لو لم تظهر كورونا، فلربما كان فوز ترامب مسألة منتهية، واحتمالات بايدن منعدمة، أو شبه منعدمة.
لكن الاتهامات الموجهة إلى ترامب، وفي مقدمها تخفيضه المتعمد من خطر انتشار كورونا، حكما سوف تؤثر عليه تأثيرا واضحا، وهذا ما تشير إليه استطلاعات الرأي. ويمكن للمتابع لما يجري في الداخل الأمريكي أن يرصد ردات الفعل التي طفت على السطح بعد أن قام الصحفي الأمريكي الأشهر «بوب وودوورد»، بنشر كتابه المعنون «غضب»، وما جاء فيه من دقائق البيت الأبيض الداخلية، وطرائق تفكير الرئيس الأمريكي، وهذه جميعها سوف تختصم حقا من حال ومآل الرئيس وهو على عتبة الانتخابات القادمة. يقول البعض من أنصار الديمقراطيين على نحو خاص أن الوضع هذا العام يختلف عن عام 2016، ذلك حين فاجأ ترامب الكثيرين بفوزه في الانتخابات، لا سيما أن الحزب الديمقراطي بكافة أجنحته يقف على قلب رجل واحد، وقد انضم يسار الديمقراطيين بزعامة بيرني ساندرز إلى داعمي ومناصري بايدن، وبات جل هدف الكل طرد الرئيس من البيت الأبيض على حد تعبيرهم.
ومعنى ذلك أن الحزب لا يعاني الانقسام الذي عاناه قبل 4 سنوات بين هيلاري كلينتون وبيرني ساندرز، إذ اصطف الحزب الأزرق خلف بايدن، ليس تيمنا بنائب الرئيس السابق، بل لمعارضتهم لترامب.
يقارن البعض بين أهم نقطة ضعف أثرت تأثيرا سلبيا على هيلاري وهي ملف اغتيال السفير الأمريكي في ليبيا عام 2012، وبين أي ملفات يمكنها أن تظهر ضعف بايدن فلا يجدوا مقاربة ممكنة، بل على العكس فإن مناصري بايدن يمكنهم إن أرادوا أن يجدوا أخطاء عديدة في مسيرة ترامب كملفه الضريبي، وتعاطيه مع أزمة كورونا، ناهيك عن إشكالية تفجر الصراعات العرقية بين الأمريكيين البيض ونظرائهم من ذوي الأصول الإفريقية، والتي أشعلت أمريكا الأشهر القليلة الماضية.
ولعل السؤال المثير إذا كان هذا حال ترامب، فكيف يراهن المتراهنون عليه على مثل هذا النحو المثير للتفكر، وهل توجد أوراق أخرى غير ظاهرة للعيان تجعل حظوظ ترامب حتى الساعة باقية واحتمالات تقدمه ممكنة؟ لعل العارفين ببواطن الحياة الأمريكية يدركون ماهية الرهانات الحقيقية عند جموع المواطنين الأمريكيين، وجلها يتمحور حول عامل واحد وهو العامل الاقتصادي، ولهذا فإن الجميع يضع أوراق أمريكا الاقتصادية قبل أي عامل آخر، ولهذا فإن مسألة المراهنات غير المفهومة مرجعها قناعة المراهنين بأن الأمريكيين سيقترعون في نهاية المشهد لصالح الرجل الذي يمكنه أن يقود الاقتصاد الأمريكي إلى انتصارات متجددة مرة أخرى.
هنا تحدث المقاربة التي لا بد منها بين المرشح الديمقراطي بايدن وغريمه الرئيس ترامب، وفي أوراق ترامب أنه رجل أعمال ماهر وناجح، وقد قاد أمريكا بالفعل إلى انتصار غير مسبوق اقتصاديا، حيث انخفضت نسبة البطالة إلى أدنى مستوى لها منذ خمسين عاما، كان ذلك قبل أن تضرب كورونا أمريكا. في هذا الإطار يقول الراوي إن كثيرا من الأقلام الأمريكية سوف تجد نوعًا ما من العذر لترامب، لا سيما وهو يلقي اللوم كله وتبعات الخراب الذي حلّق بأمريكا على كاهلي الصين كعدو أيديولوجي أول لأمريكا، ويثقون تاليا في أن ترامب هو وحده من يستطيع أن يكرر نجاحات أمريكا بعد كورونا، بل أكثر من ذلك أنه الرجل الذي لا بد منه لعبور هذه الفترة الصعبة وأنه ليس من الجيد إبداله برئيس آخر لا سيما بايدن الرجل الذي يعاني من حالة تقدم في العمر.
والشاهد أن أمريكا المنقسمة روحها في داخلها مؤخرًا أضحت تتخوف من حالة عدم حسم الانتخابات القادمة وبخاصة في ظل الاقتراع البريدي الذي يحتاج ربما إلى أسبوع لفرزه الأمر الذي سيؤدي إلى تأخر إعلان النتيجة وفي الوقت ذاته يتيح الفرصة لكل من الحزبين لاتهام الآخر بالتزوير وبأنه الأحق بالفوز. ما الذي يمكن أن يحدث حال عدم تأهل أي من المرشحين للفوز بالمنصب الكبير؟ الجواب أكثر إثارة وهو على النحو التالي: «في حال لم يتأهل أي مرشح لمنصب الرئيس أو نائبه، يختار مجلس النواب الرئيس المقبل، ويختار مجلس الشيوخ نائبًا له بالتوازي، بعبارة أخرى في حالة عدم مقدرة المجمع الانتخابي أو الكلية الانتخابية على اختيار رئيس ستكون المسؤولية ملقاة على عاتق الكونجرس الأمريكي لتحديد شخص الرئيس القادم وهويته. وفي مواجهة مثل هذا الاحتمال المثير للجدل، سيسعى كل من الطرفين الديمقراطي والجمهوري إلى تجيير النصوص الدستورية والأعراف السائدة لخدمة برنامجها ولأقصى الحدود، وسيواجهان تعقيدات المشهد السياسي، لا سيما مع ما يدور حول نوايا الرئيس من عدم التسليم بسهولة بنتائج الانتخابات إذا لم تكن مواتية له. هناك احتمالات عديدة وسيناريوهات مختلفة في مثل هذه الحالة قد نتوقف معها في قراءة قادمة، لكن الهول الأعظم الذي ينتظر واشنطن هو أن تكون النتيجة شقاقية خلافية، لا سيما أن كلا الحزبين يستعدان منذ الآن لاتهام بعضهما البعض بارتكاب مخالفات الأمر الذي يفتح الباب واسعًا لمواجهة أهلية تقود إلى سيناريو تنبأ به عدد من رجالات أمريكا الاستشرافيين منذ زمن طويل.