لقاء قصر الحصن.. تدشين النهضة المتجددة

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

كما يقال التاريخ أحيانا يعيد نفسه أو تتشابه أحداثه. قبل نصف قرن شهد قصر الحصن بولاية صلالة بمحافظة ظفار الحدث الوطني الأبرز في تاريخ السلطنة الحديث وهو بزوغ فجر النهضة المباركة التي قادها السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – حيث تحدث حينها عن الدولة العصرية والتي أصبحت واقعا بعد جهود وطنية من المؤسس الراحل الذي نسج نموذجا هو الأفضل على صعيد التنمية والسياسة الخارجية في المنطقة في ظل أحداث ملتهبة في المنطقة والعالم.

وشهد قصر الحصن العامر بصلالة حاضرة محافظة ظفار اللقاء المهم لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – مع عدد من شيوخ محافظة ظفار حيث يعد هذا الحدث تكريما لتلك الربوع التي انطلق منها شعاع فجر النهضة وتأكيدا من جلالته على ضرورة النهوض بالمحافظات العمانية بعد صدور المرسوم السلطاني حول تطوير المحافظات بعيدا عن المركزية، وأن تكون هناك رؤية جديدة لانطلاق مفهوم التنمية المستدامة وأن تكون هناك استفادة من الميزات النسبية لكل محافظة واستثمار مقدراتها وفق الصلاحيات التي أعطيت للمحافظين، ومن هنا فإن لقاء قصر الحصن بين جلالة السلطان المعظم وعدد من شيوخ محافظة ظفار هو تدشين لحوارات متعمقة والاطلاع على كل ما من شأنه الارتقاء بالخدمات وتعظيم القيمة المضافة لتلك المحافظات.

ظفار الإطلالة البحرية

تعد محافظة ظفار من المحافظات الاستراتيجية للسلطنة على الصعيد الجغرافي والإطلالة البحرية على بحر العرب والمحيط الهندي، كما أن بها مقومات سياحية فريدة وفي كل فصول السلطنة علاوة على ثروتها السمكية والزراعية، ومن خلال طرح عدد من القضايا الاقتصادية والسياحية وتطوير الخدمات ومن أهمها الإسراع بتنفيذ المستشفى المرجعي في ظفار وإطلاق المطار بحيث يكون دوليا خاصة وأن هذا المطار يعد مثاليا على أجواء دول أفريقيا والقرن الأفريقي والهند ودول جنوب شرق آسيا ومن خلال تشغيله بالشكل المثالي واستكمال مرافقه خاصة محطة الصيانة والشحن سوف يضيف دخلا مهما للاقتصاد الوطني، كما أن تطوير ميناء صلالة البحري وجعله محطة للتصدير وإعادة التصدير علاوة على محطة الحاويات سوف يؤدي كل ذلك إلى خلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
إن الرؤية الوطنية الجديدة للمحافظات هو تعظيم الميزة النسبية لكل محافظة، ويبدو لي أن محافظة ظفار بها من المقومات التي يمكن أن تلعب دورا كبيرا في تعظيم الدخل على الصعيد الاقتصادي، نحن فقط نحتاج إلى طرح وفكر متجدد بعيدا عن البيروقراطية والتقليدية التي لم يعد لها مكان في عالم يتسم بالمنافسة الاقتصادية الشرسة واقتناص الفرص، ولا شك أن لقاء قصر الحصن يدشن هذه الرؤية الجديدة والتي انطلقت من حاضرة محافظة ظفار المدينة الحالمة صلالة.
إن لقاء جلالة السلطان المعظم مع شيوخ محافظة ظفار يتعدى مسألة المطالبات التنموية هنا وهناك ولكنه حوار مفتوح حول النهضة المتجددة التي بدأت بهيكلة الجهاز الإداري للدولة ووجود مجلس للمحافظين وانطلاق رؤية عمان ٢٠٤٠ بداية العام القادم، ومن خلال ذلك اللقاء الوطني أمس سوف تكون هناك مرحلة تنموية جديدة في محافظة ظفار من خلال جملة من المشاريع الحيوية وإيجاد آليات مختلفة في مجال العمل الوطني واستغلال المميزات النسبية للمحافظة كما هو الحال في كل محافظات السلطنة.
ولعل من الأمور الملحة كما تمت الإشارة هو التعجيل بإقامة المستشفى المرجعي لأسباب تتعلق ببعد المسافة الجغرافية وأيضا تنامي سكان المحافظة ووجود آلاف من الزوار خلال الفصل السياحي والتخفيف على المواطنين، كما أن فتح مطار صلالة على الأجواء الدولية يعد مسألة مهمة لتنشيط قطاع السفر والسياحة بحيث يكون هناك قيمة مضافة للاقتصاد الوطني والدول عادة تستغل مواقع مناطقها، فدولة صغيرة كسنغافورة كان لمطارها والميناء دور اقتصادي كبير جعلها من الدول الاقتصادية المهمة في جنوب شرق آسيا والعالم. ومن هنا فإن ستا من ولايات المحافظة لها إطلالة بحرية وهنا تكمن أهمية الموانئ خاصة استغلال الثروة السمكية والصناعات التي تقوم عليها.

رؤية متكاملة

إن الرؤية المتجددة في فكر جلالة السلطان المعظم تعتمد على المبادرات والطرح الذي يقود إلى الأفكار الإبداعية، ومن خلال الحوار مع الشيوخ والأعيان في مختلف محافظات السلطنة تظهر تلك الأفكار والأطروحات وهذا شيء مهم حتى يمكن استنباط مبادرات خلاقة تساعد على التطوير والانطلاق نحو آفاق مبهرة، فكل الدول التي حققت قفزات تنموية خلال النصف قرن الماضي كما يروي ذلك بعض صناعها خاصة في اليابان وكوريا الجنوبية وبقية نمور آسيا كانت عبارة عن أفكار خلاقة ومبدعة تم تطبيقها على الواقع بعد أن تم تطوير أهم قطاع وهو قطاع التعليم بكل مراحله، وهو الأمر الذي أشار له جلالة السلطان المعظم في خطابه الثاني.
إن لقاء قصر الحصن بصلالة يدشن المرحلة المتجددة الثانية لنهضة عمان الحديثة وفي ظل معطيات وتحديات كبيرة يعاني منها العالم شرقه وغربه، ومن هنا فإن الرؤية الجديدة للمحافظات تعد على قدر كبير من الأهمية مع وجود مجلس المحافظين والذي يشكل الأداة الأساسية لتطبيق تلك الرؤية الجديدة التي سوف تعتمد على خطط واضحة ومؤشرات على كل محافظ أن يقوم بتطبيقها، ومن خلال تقارير تتحدث عن سير العمل وحجم الإنجاز.
إن التغيير شيء مهم في حياة الدول والشعوب وعلى الأفراد والجماعات أن يدركوا حجم المسؤولية التي تقع عليهم، فنحن الآن في مرحلة شراكة مجتمعية هدفها تطبيق الرؤية الشاملة على مدى العقدين القادمين، وأيضا من خلال الآليات الجديدة على مستوى الإدارة المحلية للمحافظات وعلى ضوء ذلك فالجميع متفائل بتلك الرؤى المتجددة وانعكاسها على التنمية الشاملة للوطن وعلى كل مواطن أن يقوم بدوره كل في مجاله، ومن هنا فإن الرسالة التي تهدف إليها اللقاءات السلطانية مع شيوخ المحافظات هو أهمية الانطلاق بتلك الرؤى الجديدة وأن الحوار المتجدد بين القيادة والمجتمع سوف يتواصل، ولابد من التذكير أن التحديات في أي مرحلة من تاريخ الدول تحتاج إلى إرادة مجتمعية والتفاف وطني حول القيادة وبذل الجهود الكبيرة والمخلصة حتى يمكن التغلب على كل التحديات وهي مؤقتة، فالدول التي خرجت من براثن الحرب العالمية الثانية محطمة ومدمرة لم تستسلم بل بدأت خطة عمل من تحت الأنقاض، وقد سمعت هذه الرواية من القيادات الجديدة في اليابان قبل عدة سنوات.
ومن هنا فإن جلالة السلطان المعظم منفتح على كل الأطروحات والأفكار المتجددة وأن تكون المشاركة المجتمعية هي مشاركة أصيلة في العمل الوطني حيث أهمية تلك المشاركة الفعالة من الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

مستقبل واعد

إن لقاء قصر الحصن العامر بين جلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – وعدد من شيوخ محافظة ظفار ينطلق من خلال مبدأ المشاركة في العمل الوطني والحوار المتبادل حول السبل الكفيلة بالتطوير والتجديد وهذا بلا شك يؤكد على مسار ومستقبل واعد للمحافظات في السلطنة خاصة وأن هذه اللقاءات سوف تتواصل على مراحل زمنية.
إن المحافظات العمانية بها الكثير من الميزات النسبية وهو الأمر الذي يحتاج من الإدارات المحلية ومن خلال الخطط الحكومية ومن خلال الدور المهم المرتقب لمجلس الوزراء أن تكون هناك انطلاقة نوعية تعبر عن النهضة المتجددة التي يقودها جلالة السلطان المعظم بكل حكمة من خلال خطوات مدروسة ومعبرة عن ضرورات المرحلة بكل تحدياتها، وأمام هذه الخطوات الوثابة من جلالته وهو يطلق اللقاءات مع الشيوخ من محافظة ظفار يظل المستقبل الواعد للمحافظات والمزيد من تطورها بعيدا عن المركزية في الوقت نفسه فإن الحكومة الإلكترونية تعد على قدر كبير من الأهمية، وهو الأمر الذي أكد عليه جلالته.
وأمام هذا المشهد الوطني فإن الكوادر الجديدة في الحكومة عليها مسؤولية كبيرة في تطبيق تلك الرؤى والانطلاق بالعمل الوطني إلى مزيد من الرقي والتقدم ومن خلال مؤشرات يمكن القياس عليها، ومن هنا يمكن خلق التنافس المنشود بين الإدارات المركزية والمحلية بحيث نخلق تطورا نوعيا في مجال الإنجاز والإبداع في كل المجالات خاصة القطاع الاقتصادي الذي يمثل الآن التحدي الأهم في ظل وجود فيروس كورونا وانخفاض أسعار النفط ومع ذلك فإن الهمم الوطنية سوف تتغلب على كل تلك التحديات.
إن مشاعر التفاؤل التي تسود الساحة الوطنية تنطلق من تلك الرؤى التي تحدث عنها جلالة السلطان المعظم في خطابه الأول والثاني حيث يعد ذلك بمثابة خارطة طريق للعمل الوطني على المدى المتوسط والبعيد علاوة على معالجة التحديات الاقتصادية الحالية التي تواجه دول العالم.
ويبقى لقاء قصر الحصن العامر بين جلالته – حفظه الله – وعدد من شيوخ محافظة ظفار هو استرجاع للذاكرة الوطنية لتلك الربوع التي شهدت ميلاد النهضة العمانية الحديثة والتي أصبحت الآن واقعا يعيشه الجميع، ومع انطلاقه النهضة المتجددة من خلال تدشين ذلك الحدث الوطني وفي مدينة صلالة لتنطلق معه ورشة العمل في كل ربوع الوطن العزيز.