مستويات استيعابنا الـ(3)

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com
ربما؛ وفي زحمة حياتنا اليومية، ومشاغلنا الكثيرة، لا ندرك أننا نخضع لثلاثة مستويات من السلوك؛ وهي المتمثلة في: 1 – الاستيعاب، 2 – التثاقف، 3 – القطيعة، حسبما يؤكد على ذلك الدكتور عبدالغني عماد؛ في كتابه (سوسيولوجيا الهوية) وبالتالي فكل مشاريعنا الاجتماعية والثقافية لا تخرج عن هذه المحفزات، أو الدعائم الـ(3) ولكل واحدة منها حكمها المستقل، وتظل الأولى والثانية -حسب المنظور- هي الأقرب إلى التصالح والتقارب، والتكامل، أما الثالثة (القطيعة) فهي تأخذ حكم المطلق الذي لا يقبل الأخذ والرد، ولا يتيح حوارًا مقاربًا للرؤى، ومقتربًا التصالح، وكل هذه المستويات الثلاثة هذه، تخضع لميكانيزمات ذاتية أو فطرية عند الإنسان، وحيث تعمل على تصويب دفة تصرفاته المختلفة، وهي التصرفات التي لا تخرج عن القبول أو المشاركة، أو الرفض بتفسير آخر. وتتجلى الحكمة عند كل فرد بقدرته على لم شمل المحفزات الثلاثة للسلوك، والخروج بها إلى سلوك رابع، وهو الحياد القادر على استيعاب نتائج الممارسات السلوكية الثلاث، وتوظيفها على أرض الواقع بما لا يلغي حقه الطبيعي في الاستيعاب، أو التثاقف، أو القطيعة، والتي نعبر عنها بـ”القبول أو المشاركة، أو الرفض” وهذه الحكمة تعتمد على معززات العمر، والتجربة أو الخبرة، والذخيرة الخصبة من المعرفة وما يتوافق مع هذه المحفزات الثلاثة من الميكانيزمات الموجهة، والأمر الذي يجب أن يلتفت إليه هنا هو هل جميعنا على قدر كبير من المعرفة بهذه الممارسات السلوكية، بصورة واضحة؟ ولعله من الحكمة السامية من لدن رب العزة والجلال، في خلق الإنسان، أن تكون لدى هذا الإنسان هذه المستويات الثلاثة من الممارسة السلوكية، فالإنسان عنده القدرة على استيعاب ما يتلقى من رسائل مختلفة، كما عنده القدرة على التشاركية للوصول في نهاية الأمر إلى مستوى متقدم من التجانس مع الآخرين، كما أنه يصل إلى مستوى الرفض، أو القطيعة، حتى لا يقحم نفسه في مشاريع إنسانية جديدة قد لا يجد نفسه فيها، فيضيع ما تم إنجازه خلال مسيرته في الحياة التي قطع منها عمرًا مقدرًا. فهذه المُناخات الثلاثة الموجودة عند كل منا، لا شك أنها تمثل فرصةً ذهبيةً لحياة أفضل لأي منا، حيث تتيح له خيارات متعددة للبقاء والمشاركة، حتى في مستوى الرفض أو القطيعة، يظل هناك جزء من المشاركة، كما هو الصفر تظل له قيمة عددية غير منكورة، ولكن المهم في هذه المساحة التي نتحرك فيها من خلال هذه المستويات، أن نكون مدركين لها، وأن كل مستوى منها يمثل قيمةً سلوكيةً مهمةً، لنا القدرة على التحكم في توظيفها على الواقع، بحيث لا يكون هذا التوظيف مجرد صدفة، فالصدف لا تؤسس واقعًا مريحًا، فوق أن التوظيف الواعي يتيح فرصة الحوار والمراجعة، كما أنه يفتح فرصًا أخرى لتعديل السلوك، ولا يبقي الأمر على أنه ممارسات نمطية لا قيمةَ لها في حياتنا. وانطلاقًا من تجربة الخطأ والصواب التي يمارسها الإنسان عادة، انعكاسًا لقصور مفاهيمي ومعرفي لهذه الحياة الكبيرة، فإن في كل من “الخطأ والصواب” نحتاج إلى هذه المستويات الثلاثة، فإما أن نستوعب الأمر بالكامل، أو نتوافق معه، أو نرفضه، والنتيجة المتحصلة من كل ذلك هي التي تعطينا الاطمئنان، فنوقن مع “ميكانيزماتنا” أن ما قمنا به خطأ يستجوب الإصلاح، أو صوابا يستجوب البقاء عليه وتنميته، ولا يعذر الإنسان إطلاقًا من أن يستحضر هذه الآليات لتصويب مسارات حياته اليومية، فالإنسان لم يخلق عبثًا، تسيره الأهواء، وتعصف به الرياح؛ لأنه محاسب في نهاية الأمر، وهذا الحساب قائم على تفاصيل دقيقة لا تتجاوز أي وزن ولو كان “مثقال ذرة”.