الثعلب والغابة

عادل محمود

كان رجلاً طبيعيًا في كل شيء. يفهم، مهذب، مجتهد، صديق، ضحوك. متفائل (وهذه الكلمة أشد الأنواع التباسًا) ولكنه، في الحرب السورية، قضى 9 سنوات بين الدبابات أو في داخلها، على خطوط النار الدائمة.
عندما عاد إلى عمله كمعلم، وإلى بيته المهجور كعازب اكتشف أنه أصم جزئيًا، ولكن في وسط الطبيعة الصامتة والصماء اكتشف عدم قدرته على سماع زيزان الحصاد في الليل .. وكان يتساءل هل انقرضت الزيزان؟ وكانت المدافع لا تزال تدوي في أذنيه.
في آخر زيارة له، اكتشفت مجموعة من المتغيرات في سلوكه وطريقته في التعبير عن نفسه.
كان عسيرًا إقامة حوار ليست فيه هذه الجملة المكررة “ماذا قلت؟” وكان عسيرًا أن يتكلم دون شرود. وكان حديثه عن اثنين: معارك الدبابات، ومعارك الوجود.
وبطبيعة الحال فإن الدبابات ليست مما يؤتمن جانبه. فهذه الكتلة المؤلفة من 30 طنًا تدمرها قذيفة وزنها كيلوجرام. وأما معارك الوجود فقد صرف الفلاسفة أعمارًا تساوي آلاف السنين بحثًا عن نقطة بدء افتراضية، ونقطة انتهاء حتمية. وفي الفلسفة لا يمكن أن تكون مبتدئًا، أو نصف متعلم، أو سمعت، مجرد سمع، بسقراط.
قلت له: “مالك ومال الفلسفة يا رجل؟”
حين غادرت، انتبهت إلى كتاب على الطاولة عنوانه:
“دَع القلق وابدأ الحياة” لديل كارنيجي. أمسكت الكتاب وضحكت وقلت له: هل تعلم أن هذا السيد المؤلف قد مات منتحرًا؟ ابتسم وقال: أمس عرفت، أيضًا، أن جان جاك روسو الذي ألف عشرات الكتب في التربية والثورة… وضع أولاده في ميتم؟
فقلت له: إذن أنا رأيي أن تدع هذا الكتاب، وتكف عن “التساؤلات” في الحياة “إجابات” أكثر ويقين أكثر.
مشى معي قليلاً ليودعني فانتبه إلى الأفق الشرقي فوق عتمة الجبال، وقال: إن هناك حريقًا…
فقلت: كارنيجي قال لك؟ يا صديقي هذا اللون هو اللون اللهبي لطريق القمر آتيًا من خلف الجبال.
ازدادت حدة اللهب… لقد كان فعلًا حريقًا التهم في يومين محميات كاملة من الشجر النادر في جبال اللاذقية.
تذكرت، وأنا أفكر بوجع الشجرة وهي تحترق وتذوي وتتفحم وتموت. تذكرت الهندي، الذي قبل أن يقطع عكازًا لشيخوخته من جارته الشجرة… يقدم لها ما يشبه صلاة اعتذار.
وتذكرت وأنا أفكر بجريمة الانتقام: حين أضرم قروي النار في ثعلب حي؛ لأنه اصطاد دجاجة من دجاجاته، وحين توغل الثعلب في الغابة… أحرقها بحريقه. استنتجت، من قصص ومشاهدات، أن لكل حريق ثعلبه.
الغابة تقدم أعواد الكبريت من أجسادها والباقي على الثعلب وصاحب الدجاجات.