دعم السودان.. والمسؤولية القومية !!

د. عبدالحميد الموافي –

أن ما يتعرض له السودان من فيضانات كارثية، هو كارثة طبيعية، ليس للسودان يد فيها، ومن ثم فإن مواجهتها لا يقع على عاتق السودان وحده، خاصة أن إمكاناته الذاتية لا تكفي، وفي هذه الظروف إذا لم تكن هناك مسؤولية قومية حياله فمتى تكون؟!

قد يتوقف البعض أمام تعبير «المسؤولية القومية»، وهو تعبير كثيرا ما حلق في الفضاء العربي لعقود وسنوات عدة، وبرغم ما تعرض، ويتعرض له هذا المفهوم من ضغوط بأشكال عديدة، على امتداد السنوات الأخيرة، بسبب ما تمر به، وما تتعرض له المنطقة العربية من أحداث وتطورات ومحاولات تدخل إقليمية ودولية مباشرة وغير مباشرة، إلا أنه من المؤكد أن المسؤولية القومية تظل باقية، ليس فقط من خلال ما تمثله جامعة الدول العربية من رابطة تجمع الدول العربية، بغض النظر عن ضعفها، ولكن أيضا من خلال الارتباط العميق والواسع كذلك للأمن بين الدول العربية، وإدراك مختلف الدول الشقيقة- سواء عبرت عن ذلك أو لم تعبر- أن ما يهدد أمن أي منها، يهدد أمن شقيقاتها الأخرى، سواء كان التهديد عسكريا، أو أمنيا أو بيئيا أو اقتصاديا أو غيره، لأن مصالح الدول العربية متداخلة ومترابطة إلى حد بعيد، بغض النظر عن إفرازات التطورات والأحداث والهزات التي تتعرض لها المنطقة أو بعض دولها لأسباب معروفة ومؤقتة بالضرورة.
ومن منطلق «المسؤولية القومية»، التي تجمع الدول الشقيقة، ولو في الحد الأدنى، فإنه من المهم والضروري النظر إلى ما تتعرض له جمهورية السودان الشقيقة من فيضانات كارثية خلال الأيام الأخيرة، من خلال هذا المنظور القومي العربي، ليس انحيازا إلى الرابطة القومية بين الأشقاء، التي تتعرض للاهتزاز الشديد، والتي تستحق الانحياز إليها من منطلق عقلي وموضوعي، ولكن من منطلق مصلحي مجرد، كما يحب البعض، وهذا المنطلق المصلحي، الذي ينطلق من أرضية فردية أحادية، يصب في النهاية، وفي هذه الحالة تحديدا، في بوتقة المصلحة القومية التي تجمع الأشقاء، كل الأشقاء العرب، برغم أية تباينات، أو تفاوت في المواقف أو في الحسابات حيال هذه المشكلة أو ذلك التطور الذي تمر به المنطقة في هذه المرحلة الصعبة، بل وشديدة الصعوبة والارتباك.
ومن منطلق مصلحي فردي مجرد، فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى بعض الجوانب ذات الصلة بما تعرضت له جمهورية السودان الشقيقة وسبل التعامل معها، ولعل من أهمها ما يلي:
أولا: إن جمهورية السودان بشعبها الطيب الأصيل، تظل واحدة من أهم الدول العربية، ليس فقط بحيويتها السياسية، التي جسدتها قمة الخرطوم بعد حرب يونيو عام 1967، بما حدث فيها وما تمخضت عنه من قرارات لتعزيز التماسك العربي في فترة تاريخية فاصلة، ولكن أيضا بما تمثله السودان من رابط قوي وجسر للتواصل بين الدول والشعوب العربية وبين الدول والشعوب الأفريقية جنوب الصحراء، ولا يتأثر ذلك بانفصال جنوب السودان قبل نحو عشر سنوات، هذا فضلا عما يتوفر للسودان من إمكانيات زراعية وحيوانية ضخمة قابلة للاستثمار والاستغلال، وعلى نحو يجعل منها سلة الغذاء العربية القادرة على سد الجزء الأعظم من احتياجات الشعوب العربية من الغذاء. وبالنظر إلى أن السودان الشقيقة هي دولة وشعب مسالم بطبيعته السمحة وبسجاياه الأصيلة، فإنها- أي الدولة السودانية- قادرة على النهوض والتقدم وبناء حياة أفضل للشعب السوداني الشقيق، إذا توفرت لها السياسات والخطط والبرامج الضرورية والمناسبة والقادرة أيضا على الاستفادة من الإمكانات الزراعية والحيوانية والموارد المعدنية السودانية المتاحة. ولعل هذا هو ما تحاول حكومة رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك القيام به خلال هذه الفترة الانتقالية، ومنذ توليها السلطة بعد خروج الرئيس السوداني السابق عمر البشير من الحكم في أبريل عام 2019.
جدير بالذكر أن حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك بذلت وتبذل جهودا حثيثة ومتواصلة، وبالتعاون مع حكومة جنوب السودان وأطراف أخرى، عربية وأفريقية، من أجل تحقيق السلام والاستقرار في كل أرجاء السودان الشقيق، وإنهاء حالات الحرب والمواجهات المسلحة، التي استمرت سنوات عدة في دارفور وشرق السودان ومناطق أخرى، بكل ما ترتب ويترتب عليها من خسائر يتحملها الشعب السوداني الشقيق ويدفع ثمنها من حاضره ومستقبله.
ولعل مما يبعث على الارتياح والتفاؤل انه تم خلال الأيام القليلة الماضية، التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقيات سلام بين الحكومة السودانية وبين عدة حركات مسلحة منها «الجبهة الثورية» و«الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة مالك عقار، والفصائل المسلحة في دارفور ومجموعة عبد العزيز الحلو، وهو ما يمهد لإحلال السلام واستجماع عناصر القوة السودانية وبناء تماسك سوداني قادر على التعامل الفعال والمؤثر مع المشكلات التي تواجهها السودان، الدولة والمجتمع الآن وفي المستقبل. ومن المنتظر التوقيع بشكل نهائي على البروتوكولات التي تم التوصل إليها في الثاني من أكتوبر القادم في جوبا، لتبدأ مرحلة أخرى في السودان الشقيق، وهي مرحلة تحتاج إلى تعاون كل القوى السودانية للنهوض بالسودان وإيجاد حلول فعالة لمشكلاته.
ثانيا: إنه في الوقت الذي يسير فيه الشعب السوداني نحو تجاوز الخلافات الداخلية، التي استنزفت الكثير من جهوده وإمكانياته وعطلت مسيرته التنموية، جاءت الفيضانات الكارثية في الأيام الماضية، والتي تعد الأكثر والأعلى منذ فيضانات عام 1902، أي منذ نحو مائة عام، لتغرق مساحات كبيرة من الأراضي والقرى والمدن السودانية في 16 ولاية، وتهدم نحو 100 ألف منزل، وتشرد ما يزيد على نصف مليون سوداني، قضى منهم 103 أشخاص بسبب الفيضانات العالية، التي تسببت فيها الأمطار الغزيرة على الهضبة الأثيوبية، والتي تصب في النيل الأزرق، والتي وصلت حصيلتها في يوم 2 سبتمبر الجاري وحده إلى نحو مليار متر مكعب من المياه، حسبما قال حسن محمد الدومة رئيس الأرصاد الجوية. ومع الوضع في الاعتبار أن الفيضانات العالية هي من الحالات التي تحدث بين عام وآخر، وهي تتوقف على عوامل عديدة، منها التغير المناخي، وكميات الأمطار على الهضبة الأثيوبية، وكميات المياه في الأنهار الفرعية السودانية الأخرى التي تصب في النيل الأزرق، ومنها على سبيل المثال نهر «الرهد» ونهر «الدندر» والذي يصل إيراده نهر «الدندر»- نحو نصف مليار متر مكعب من المياه يوميا في موسم الفيضان أحيانا، فإنه من المؤكد أن الخسائر المترتبة على هذه الفيضانات تفوق بكثير إمكانيات الحكومة السودانية وقدراتها الفنية والمالية واللوجستية في التعامل معها ومع الآثار المترتبة عليها. ولذا فإن الحكومة السودانية أعلنت الطوارئ في عموم السودان لمدة ثلاثة أشهر، وتحاول بإمكاناتها المتوفرة حماية ما يمكنها حمايته من مناطق أثرية شمال الخرطوم، ومنها أهرام مروى شمال شرق الخرطوم ونوري شمال الخرطوم، والمدينة الملكية بالبجراوية بولاية نهر النيل، وغيرها، ولكن حجم الكارثة يتجاوز كل الإمكانات المتوفرة، وهو ما يحتم تقديم كل ما يمكن من مساعدات لدعم السودان وإعانته على الحد من الخسائر والتغلب على الآثار المترتبة على تلك الفيضانات غير المسبوقة منذ عقود. وقد بدأت عدة دول عربية وغير عربية، ومنها السلطنة ومصر في شحن مساعدات إلى السودان الشقيق لمساعدته في احتواء ما يتعرض له من أضرار بسبب الفيضانات.
ثالثا: أنه مع التقدير لكل الدول والمنظمات التي قدمت وتقدم مساعدات للسودان الشقيقة والوقوف إلى جانبه والتضامن معه في محنته، إلا أن النقطة التي ينبغي التوقف أمامها هي أن مساعدة السودان، خاصة من جانب الدول الشقيقة، ليس مجرد واجب تقوم به هذه الدولة العربية أو تلك لمواجهة كارثة الفيضان، ولكن الأمر ينبغي أن يتجاوز ذلك ليصب في المسؤولية القومية للدول الشقيقة حيال السودان في هذه الظروف.
والمسؤولية القومية تتجاوز بالضرورة نطاق واجب تقديم المساعدات للأشقاء في السودان. ولعل ما يفرض ذلك هو أن ما يتعرض له السودان من فيضانات كارثية، هو كارثة طبيعية، ليس للسودان يد فيها، ومن ثم فإن مواجهتها لا يقع على عاتق السودان وحده، خاصة وإن إمكاناته الذاتية لا تكفي، وفي هذه الظروف إذا لم تكن هناك مسؤولية قومية حياله فمتى تكون؟!
يضاف إلى ذلك نقطة أخرى بالغة الأهمية وهي أن الحفاظ على الإمكانات الزراعية والحيوانية السودانية الضخمة، والتي تفيد الدول الشقيقة، ليست مسؤولية سودانية ذاتية فقط، ولكنها مسؤولية الدول الشقيقة أيضا، وفي مقدمتها الدول التي قامت وتقوم بالاستثمار الزراعي في السودان، لأن الحفاظ على تلك الاستثمارات وتجاوز أضرار الفيضانات يصب في النهاية لصالح السودان وصالح الدول المستثمرة فيه بالضرورة، ولذا فإنه من المهم والضروري أن تمد الدول العربية يد العون للسودان ومن منطلق حماية مصالحها واستثماراتها فيه، وتظل اعتبارات الأخوة والتضامن في مواجهة المخاطر إطارا يمكن العمل الثنائي والجماعي من خلاله.
ولعل مثل تلك الكوارث، برغم أخطارها وأضرارها، تحمل الدول العربية على تعميق التعاون والعمل المشترك من خلال المنظمات العربية لحماية مصالحها المشتركة ومن منطلق المسؤولية الفردية والقومية، خاصة وأن العمل الجماعي المشترك هو ما تزداد أهميته وضرورته في مواجهة التغير المناخي والبيئي وحتى في مواجهة فيروس كورونا، ولعلنا كعرب نستفيد من الدرس، فالسودان الشقيق يحتاج كل مساندة مخلصة ومفيدة اليوم وغدا، وهو ما يعود بالخير على جميع الأشقاء في النهاية.