الخطوات الأولى بالقاهرة «2 – 10»

إبراهيم عبدالمجيد

أخذت الخطاب إلى الترسانة، وعدت بعد شهر تقريبًا بعد أن أنهيت عملي ومعي خطاب إخلاء الطرف لأتسلم عملي في الثقافة الجماهيرية. صعدت إلى الدور الذي به الأستاذ سعد وهبة، فوجدته يقف أمام مكتبه وعلى الناحيتين طابور من الموظفين والكل في جلال وحزن. سألت الأقرب إليَّ ماذا حدث، فقال لي: «لقد مات فلان في مكتبه». وكان هو الرجل الضحوك الظريف الذي قال للموظفة أو «على مُنى». تراجعت وبت ليلتين عند صديق لي في حلوان، وعدت إلى سعد الدين وهبة لأتسلم العمل. بينما أقف بين الموظفين لأعرف أين سيكون عملي، فُوجئت بالمرحوم الشاعر أحمد الحوتي أمامي. لم أكن رأيته من قبل، لكن أحد الموظفين قال لي: «إنه شاعر ومدير قصر ثقافة الريحاني بحدائق القبة واسمه أحمد الحوتي». لم نكن تلاقينا من قبل لكن يعرف كل من الآخر مما ننشر. فرحنا ببعضٍ جدًّا، وعرف أحمد أني جئت لأتسلم العمل، لكن لم أستقر على إدارة بعد، فقال «تأتي تعمل معي في قصر ثقافة الريحاني وتتولى مهمة الثقافة العامة، الندوات والمؤتمرات واللقاءات الأدبية». كان هو مدير القصر. سألني أين أعيش؟ قلت له: «لم أبحث عن مكان بعد»، فقال لي: «تأتي تعيش معي، أنا أعيش في غرفة واسعة بها سريران في بنسيون في روكسي». حلّ لي كل المشاكل في لحظة. أنهيت أوراق استلام العمل، وخرجت معه، واتسعت القاهرة حولي فلم تعد هناك مشكلة. عمل ومكان إقامة مع شاعر صديق. كان مديري حقًّا، لكن ممارستنا للأدب تساوي بيننا. حكايات طويلة بعد ذلك تسربت إلى روايتي «هنا القاهرة» التي جمعت فيها بين أكثر من شخصية قابلتها وعشت معها في شخصية واحدة هي شخصية سعيد صابر ومن بينها شخصية أحمد الحوتي.
في قصر ثقافة الريحاني كان كل عملي هو أن أقيم لقاءً أسبوعيًّا بين شعراء السبعينات في شبابهم؛ عبدالمنعم رمضان وحسن طلب ومحمد سليمان وأحمد طه وجمال القصاص وماجد يوسف وشعبان يوسف وحلمي سالم وأمجد ريان ومحمد خلاف وغيرهم، فضلًا عن لقاء أدبي مع أحد الكتاب المرموقين الأكبر سنًّا وشهرةً. أتذكر أني استضفت المرحوم غالب هلسا والأستاذ عبدالقادر ياسين، كما استضفنا الشاعر سيد حجاب وآخرين. كان هناك دائمًا شخص غير مألوف لي حريص على حضور الندوات العامة. أدركت أنه مخبر. قبل كل ندوة يحضر مبكرًا، فأطلب له شايًا من عامل البوفيه وأسأله هل يود أن يأكل لأحضر إليه ساندوتشات، فيندهش جدًّا، لكنه يشرب الشاي. كان عامل البوفيه رجلًا يقترب من الستين نحيلًا متوسط الطول يبدو العَجَز على وجهه وأعور، وكان اسمه عم موريس. كان حين يأتي إليه بالشاي، أطلب من الشخص المخبر أن ينتقل ناحية اليمين بالمقعد أكثر، فيفعل المخبر ذلك وهو ينظر إليّ في دهشة. أضحك وأقول له أصل عم موريس أعور ويمكن يدي الشاي للي جنبك. في النهاية وبعد أكثر من مرة ضحك الرجل واعترف لي أنه مخبر من قسم حدائق القبة، قلت له: «براحتك أنا عارف»، لكنه لم يظهر بعد ذلك.
من أجمل مَن عرفت في تلك الأيام بقصر ثقافة الريحاني كان الفنان جودة خليفة والمخرج المسرحي المرحوم سامي صلاح الذي أصبح أستاذًا فيما بعد في معهد الفنون المسرحية بعد بعثة إلى أمريكا حصل فيها على الدكتوراه.
كان جودة خليفة هو مسؤول نشاط الفن التشكيلي في قصر الثقافة، وكان مفعمًا بالعبث. لا يكف عن الضحك، ولا يرى معنى لأي شيء، وكنت أحيانًا أذهب معه إلى مقهى أمفتريون في مصر الجديدة نسهر ونضحك. كان شديد السخرية من السادات، فيهتف وهو جالس معنا «الاستقلال التام أو الموت الزؤام»، ونضحك جميعًا. من حكاياته التي قتلتنا ضحكًا أن في قريته سُرق حمار، فجمع العمدة السكان يبحثون أمر السرقة. تحدث أكثرهم عن تصوراته عمن يكون اللص، لكن العمدة قال لهم: «كل اللي بتقولوه ما يدخلش الدماغ. اللي سرق الحمار دا إما واحد من جوة البلد، أو واحد من برّة البلد»، وقال جودة ضاحكًا: «من يومها لم أذهب إلى القرية». يومًا ما لكثرة غيابه، قرر أحمد الحوتي أن يبلغ عنه الإدارة الرئيسة لتنذره بالفصل. أقنعت أحمد أن لا يفعل ذلك، وكان رأي جودة: «مش فارقة» ويضحك.. حين ترك جودة العمل بعد أن تم إصدار مجلة أكتوبر عام 1976 وانتقل إليها، سافر إلى بورسعيد اشترى تي شيرت مكتوب عليه في ناحية من الصدر «6 أكتوبر»، رأيته يرتديه، وقال وهو يضحك: «علشان أنيس منصور يقتنع». كان أنيس منصور أول رئيس تحرير للمجلة، وتولى معها رئاسة مجلس إدارة دار المعارف لعدة سنوات. لم أعد أرى جودة خليفة بعد ذلك، إلا في مطعم وكافتريا الجريون، وهو لا يكف عن الضحك. مات جودة مريضًا رحمه الله عام 2000 ولا أنساه.
كان المخرج سامي صلاح رحمه الله كنز الضحك والحكايات. قضينا معًا وقتًا طويلًا. أكثر ما فعلناه أو جرى بيننا كتبته في روايتي «هنا القاهرة» أيضًا. طبعًا أضاف إليه الخيال الكثير. سامي صلاح هو أصل شخصية سعيد صابر، كما أني أصل شخصية صابر سعيد، ولقد جمعت في شخصية سعيد صابر بين أحمد الحوتي وسامي صلاح وغيرهما، ولا تنسَ الخيال من فضلك. من أجمل ما فعلته تلك الأيام أني في شهر رمضان جعلت المغني الثوري عدلي فخري يغني كل ليلة في قصر ثقافة الريحاني، وكان هذا شيئًا صعبًا حدوثه في وزارة الثقافة، فعدلي فخري كان المقابل للشيخ إمام، ويكتب كل شعره تقريبًا الشاعر الكبير سمير عبد الباقي. كان عدلي معي في الحزب الشيوعي، وفي نفس مجموعة الكتَّاب التي كنت أنا مسؤول اتصالها، وكانت تتكون منه ومن الصديق القاص والروائي عبده جبير والشاعر محمد ناجي قبل أن يكتب الرواية بعد ويتقدم فيها جدًّا ويصبح من أعلامها. أخذوا أسماء أخرى في رواية (هنا القاهرة)، ولا أنسى أنه بعد صدورها قال المرحوم محمد ناجي للصحفي والكاتب الكبير أحمد النقر: «إبراهيم عبدالمجيد كتب رواية عني». لقد عرف نفسه. لم تكن أيام رعب، لكنها كانت أيام ضحك لا ينتهي. لقد تركنا الحزب والعمل السري معًا في بدايات عام 1978 وأقسمنا أن لا ننضم إلى عمل سري أبدًا، وسافر عدلي فخري إلى بيروت، ومحمد ناجي إلى الخليج.
*** ***
انتهيتُ من هذا الجزء وأنا أستمع إلى (أوبرا الأمير إيجور) للموسيقار الروسي إلكساندر برودين 1833- 1887 الذي عرفته أول مرة قبل أن آتي إلى القاهرة من حديث عظيم للدكتور حسين فوزي في برنامجه الذي كان يبثه البرنامج الثاني عن الموسيقى الكلاسيك يوم الجمعة ليلًا إن لم تخني الذاكرة. تحدث عنه حديثًا جميلًا وعن غرائب طباعه وعن عظمة موسيقاه. والأوبرا هي عن حروب الأمير إيجور سيفياتوسلافيتش في القرن الثاني عشر ضد قبائل البولفتسيين وعن هزيمته ثم عودته بعد الأسر. ما يهمني فيها هو موسيقى الحرب والهزيمة التي تملأ الفراغ، وكانت كثيرًا ما تذاع في البرنامج الموسيقي ليلًا ونحن ساهرون أنا وسامي صلاح الذي وجد في حبي لاستماع الموسيقى الكلاسيكية طول الليل شيئًا جميلًا شاركني فيه. كان يضحك أحيانًا ويقول: «أقوم أعمل شاي لأحسن ننسى بعض».
ورغم أن هذه الموسيقى لا تناسب ذكرياتي الضاحكة هنا، لكنها تناسب العواطف العظيمة ممن ذكرتهم من الأحباء الذين غيبهم الزمن عني وغيبني عنهم، لذلك تركتها معي كاملة في حركاتها الأربع ومقدمتها ترافقني هنا رغم أن البرنامج الموسيقي كان عادة يكتفي بالمقدمة والحركة الأولى منها أو المقدمة فقط. ومثل كل ما كان يذيعه بعد الساعة الثانية صباحًا لا تجد مذيعًا يُعلن اسم المقطوعة الموسيقية، لكني من تكرار السماع كنت أميز الكثير منها وأعلنه لسامي صلاح فييتسم سعيدًا. لقد جعلت هذه الموسيقى للموسيقيين الروس العظام مثل برودين وكورساكوف ورحمانينوف وتشايكوفسكي حلم حياتي أن أذهب إلى روسيا أكثر من انتمائي ذلك الوقت للشيوعية. تمامًا كما فعل بي أدباء روسيا العظام التي كانت معظم قراءاتي لهم ليلًا وسط صمت الدنيا إلا من الموسيقى التي كانت بها تتسع.