بين الاحتباس الحراري وتلوث المناخ.. هل نحن أعداء الأرض؟

فتحي مصطفى –

خلق الله تعالى الأرض ومكن الإنسان فيها وسخر له جميع الأسباب التي تعينه على العيش فيها وإعمارها، وجعله سيداً للمخلوقات التي عليها، قادراً على استخدامها وتطويع ما فيها لخدمته وصالحه، ولولاً أن الله تعالى مكن للإنسان العيش عليها، لما استطاع أن يقهر الطبيعة ويتعامل معها ويطوعها كما يشاء حتى يستمر بقاؤه على قيد الحياة. وما يفعله العالم اليوم تجاه الأرض يتنافى مع الغرض الذي أنزل عليها من أجله، فبدلا من إعمارها والعيش فيها بسلام، سعى إلى خرابها بطرق كثيرة، بقصد أو بغير قصد، إلا أن المحصلة هي تدمير وخراب وتهجير وخسائر، وتثبت لنا المجريات التي تحدث على أرض الواقع حجم المأساة التي تعيشها الأرض وما سوف تتعرض له في المستقبل القريب، والتي سيتجرعها عدد كبير من سكان الأرض، معظمهم من الفقراء.
فالتحليل الذي صدر أخيرا عن معهد الاقتصاد والسلام، وهو مركز أبحاث يصدر مؤشرات سنوية عن الإرهاب والسلام، جسد حجم المأساة التي سيعيشها الكثيرون بحلول عام 2050، والتي سيتأثر بها أكثر من مليار شخص، حيث سيتعرضون إلى مخاطر النزوح من مساكنهم، وربما أوطانهم إلى أماكن أخرى تؤويهم، نتيجة النمو السكاني المتسارع، وندرة الغذاء والمياه، وارتفاع نسبة تعرضهم إلى الكوارث الطبيعية.
ومع توقع زيادة عدد سكان العالم إلى نحو 10 مليارات نسمة بحلول عام 2050، بحسب استقراءات حديثة، فإن ذلك سيؤدي إلى تكثيف التدافع على الموارد وتأجيج الصراعات، ويبين البحث أن ما يصل إلى 1.2 مليار شخص يعيشون في المناطق المعرضة للخطر في أفريقيا جنوبي الصحراء وآسيا الوسطى والشرق الأوسط قد يجبرون على الهجرة والنزوح بحلول العام 2050.
فالأمن الغذائي يعد أحد أخطر وأهم ما يواجه العالم من مشكلات، لارتباطها بصورة مباشرة بحياة البشر، وهي في تفاقم مستمر لأسباب كثيرة أبرزها ارتفاع عدد السكان، وأسعار الغذاء العالمية الباهظة، وزيادة أعداد الفقراء، أضف إلى ذلك أهم المشكلات البيئية والتي لها تأثير كبير وهي ظاهرة «الاحتباس الحراري» وعملية التصحر نتيجة ندرة الأمطار، ناهيك عن الأزمات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي نطالعها يومياً على صفحات الجرائد ونشرات الأخبار. يقول جيري هاتفيلد مدير المختبرات الوطنية الأمريكية للزراعة والبيئة أنه من الممكن توفير الغذاء إلى العالم برمته بحلول عام 2050، لكن لابد أولا من التخفيف من تداعيات التغير المناخي على الإنتاج الزراعي.
ثمة مخاطر أخرى تأتي من وراء ظاهرة «الاحتباس الحراري»، وتضع كوكب الأرض على فوهة البركان، فالأمر لم يقتصر على الانبعاثات الحرارية أو التلوث البيئي الناتج عن هذه الظاهرة، بل تسبب في نشاط مجموعة من الفيروسات والبكتيريا التي كانت تعتبر ميتة داخل التربة وخارج حدود الدائرة القطبية الشمالية، بما يمثل خطر داهم على البشر، وفق دراسة قام بها باحثون ونشرها موقع «بلانيت نيوز»، إذا قال مدير الشؤون العلمية في المعهد المركزي لبحوث علم الأوبئة التابع لهيئة حماية المستهلك في روسيا، «فيكتور مالييف»: إن الخطر الأساسي يتمثل في بقايا الحيوانات المحفوظة في الجليد، حيث تحتوي على مجموعة كبيرة من الفيروسات والبكتيريا الخطرة، وأشار إلى أن تغيرات عديدة حدثت من أجل البقاء على قيد الحياة، وبدأت تنشط وتتحرر الآن بفعل ارتفاع درجات الحرارة وذوبان الجليد، ما يمثل عواقب وخيمة للإنسان المعاصر وانتشار أوبئة محتملة جديدة.
أحد الخبراء في منظمة السلام الأخضر الدولية «أنتون بينيسلافسكي»، أكد على أن الحرائق البرية تعتبر جزءاً من أزمة المناخ العالمية، حيث تتسبب هذه الحرائق في انبعاث كميات كبيرة جدا من الغازات المسببة للاحتباس الحراري، كما أن لدخانها آثارا وخيمة على الجهاز التنفسي وسلامته، وبرغم أن ما يحدث من حرائق للغابات هو ظاهرة طبيعية تتكرر سنوياً، تقريباً، بيد أن الارتفاع الشديد في درجات الحرارة وما يترتب عليها من جفاف والمرتبطين ارتباطا وثيقا بالمناخ، جعلتها أكثر شدة وأكثر انتشارا.
الارتفاع الشديد في درجة الحرارة داخل الغابات يؤدي إلى جفاف الأوراق، ومن ثم الأشجار والسيقان، فتكون عرضة للاشتعال نتيجة أسباب عديدة أبرزها حدوث البرق، وهو أحد الظواهر الطبيعية، أو بفعل فاعل، أو نتيجة تراكم أوراق الشجر المتساقطة فوق بعضها فتتكون حرارة شديدة تساعد على الاشتعال، والنتيجة ما نراه منذ عدة أيام في حرائق غابات ولاية كاليفورنيا الأمريكية التي أرغمت عشرات الآلاف من الأشخاص على ترك منازلهم هربا من الجحيم المستعر، وأودت بحياة خمسة أشخاص على أقل تقدير، فضلا عن حرائق الأمازون وأضرارها البالغة، وغيرها.
وإذا نظرنا إلى حجم الكوارث التي يعيشها العالم، سنجد أن المتسبب الوحيد فيها هو الإنسان بممارساته العدائية تجاه الأرض، لنحكم على أنفسنا بالفناء والاندثار على تراب ذلك الكوكب الذي دفعناه، ولا نزال، إلى حافة الهاوية ونقطة الانهيار ونتائج لا تحمد عقباها. فالبحث إذن عن ضمير العالم هو الحل.