نوافذ :التكلفة الباهظة لبقاء المدارس مغلقة

عــاصـم الشـــيدي –
assemcom@hotmail.com –
مضت 15 عشر عاما منذ تركت التدريس والتحقت بالصحافة، ولذلك لن أكون في المدرسة معلما للغة العربية حين تفتح المدارس أبوابها مطلع نوفمبر القادم وسط إجراءات احترازية وصحية استثنائية. ولكنَّ السنوات الخمس التي قضيتها مدرسا في مدرسة هلال بن عطية بولاية صحم تمكنني اليوم من فهم الخوف الذي يتحدث عنه أولياء الأمور بعد عودة أبنائهم للمدارس في ظل استمرار انتشار جائحة كورونا كوفيد-19 في العالم أجمع فيما يمكن أن يعتبر موجة ثانية.
أفهم أسباب ذلك الخوف وأقدرها، ولكن أيضا أفهم أن تكلفة استمرار المدارس مغلقة باهظة جدا. عند عودة الطلاب للمدارس مطلع نوفمبر القادم سيكون مضى على إغلاق المدارس سبعة أشهر ونصف، وهذه مدة طويلة ينقطع فيها الطلاب عن التعليم، كانوا خلالها «شبه» محبوسين في المنازل، وأحيانا فيما يشبه الغرف الصغيرة إذا ما تحدثنا عن مئات العائلات التي تسكن في شقق ضيقة فرضتها عليهم الظروف الاقتصادية أحيانا والحياة المؤقتة في مسقط حيث مقرات أعمالهم أحيانا أخرى.
يفهم التربويون جيدا أن انقطاع التعليم لهذه المدة الزمنية يمكن أن يوصف بالكارثة، خاصة إذا لم تستطع الأسر فرض أوقات للتعليم أو للقراءة خلال هذه المدة على أبنائهم. ومن خلال ما نسمع من الأصدقاء فإن هذا ليس متحققا بشكل كبير في المجتمع، إنما ينكفئ الأطفال بشكل كبير على الألعاب الإلكترونية، وعلى مشاهدة التلفزيون بشكل أكبر، وربما وجد أولياء الأمور في ذلك بعض الخلاص مما يمكن أن يسببه بقاء الأبناء المستمر في المنزل وفي مساحاته الضيقة أحيانا.
ولنا أن نتخيل تأثير انقطاع التعليم على طالب في الحلقة الأولى أو على طالب في التعليم ما قبل المدرسي أنفق عليه والده الكثير من المال من أجل أن يدخل المدرسة وتكون لديه حصيلة تعليمية مقبولة تمكنه من التأقلم أكثر مع العملية التعليمية عند بدايتها المدرسية! من المؤكد أن تلك الحصيلة ستكون قد تبخرت بسبب الانقطاع الطويل وسيكون أمام المدارس أن تبدأ مع الكثير من الطلاب من نقطة الصفر حتى لو كانوا في الصف الثالث من الحلقة الأولى.
تابعت يوم الخميس الماضي تفاصيل البروتوكول الذي كشفت عنه وزارة التربية والتعليم وفيه خطط صحية وتعليمية لسير العام الدراسي بنظام «التعليم المدمج» الذي يجعل العام الدراسي يسير في موقفين: موقف صفي تقليدي وموقف إلكتروني يتعلم فيه الطالب عن بعد بوسائل مختلفة. وهذا النظام تطبقه الآن الكثير من الدول في العالم من بينها بعض الدول الإسكندنافية مثل السويد وهي من بين الدول المتقدمة في التعليم.
والبروتوكول الذي أعلنته وزارة التربية والتعليم يستحق الإشادة والتقدير وفيه تقييم حقيقي للمخاطر وفيه جهد كبير لتقليلها، وأقول تقليلها وإلا فإن الإصابات خلال العام الدراسي متوقعة جدا لأن البيئة المدرسية لا تختلف عن البيئة الخارجية والحذر فيها مهم كما هو في الخارج.. والمهم الآن أن نتحول كأولياء أمور إلى داعمين حقيقيين للمدارس التي يتعلم فيها أبناؤنا بدل إثارة الرعب في النفوس مما يمكن أن يقع لهم خلال العام الدراسي. أو الترصد للأخطاء من الآن وقبل وقوعها، وإذا كنا نسمع قول إن أولياء الأمور شركاء في العملية التعليمية منذ كنا طلابا في المدرسة فإن هذه الشراكة اليوم أصبحت فرضا لا مفر منه أبدا.
ومن المهم أن نعرف في هذا التوقيت بالذات أننا نعيش أيام جائحة خطيرة جدا لا أحد يعرف يقينا متى يمكن أن تنتهي، ومتى يمكن للعلماء أن يصلوا إلى لقاح يخلص البشرية من فكرة انقراضها.. والجوائح مثلها مثل الحروب تعرف متى تنطلق شرارتها الأولى ولكن لا تعرف متى تضع أوزارها. ولذلك ليس منطقيا أن ندعو إلى تعليق الدراسة إلى أن يتوصل العلماء إلى لقاح آمن وتستطيع الشركات إنتاج ما يكفي منه لأكثر من 7 مليارات إنسان يعيشون على كوكب الأرض. والفصول الدراسية على منصات «زوم» بديل يمكن أن نصفه بالرديء للفصل الدراسي الحقيقي خاصة إذا ما تم اعتماده وحده لأطفال في سنوات دراستهم الأولى أو حتى المتقدمة.
وبالنسبة لي شخصيا لن أختار فصلا دراسيا على «زوم» إذا ما قررت العودة للدراسة العليا خلال جائحة كورونا رغم أني في العقد الرابع من عمري وسأختار فصلا دراسيا تقليديا أستطيع خلاله أن أعيش الموقف التعليمي جيدا.