مرفأ قراءة… لويس عوض الناقد المشاغب!

إيهاب الملاح

  • 1 –

ثلاثة عقود على رحيل واحد من أكبر وأهم الأسماء النقدية التي لمعت في سماء الثقافة العربية المعاصرة على الإطلاق، كان واحدا من أعظم ثمرات أرض المنيا، مركز مغاغة قرية شارونة بصعيد مصر الأوسط، رحلة كفاح وعمل وإخلاص لقيم ومعايير صاغها لنفسه، لم يخضع ولم ينكسر رغم كل الضغوط والإغراءات والمضايقات… كما كان يقول عنه المرحوم علاء الديب.
بعد ثلاثين سنة كاملة من رحيله (غادرنا في 09 سبتمبر 1990) من يستطيع أن ينكر أن لويس عوض كان مثقفا موسوعيا ومفكرا كبيرا بكل معنى الكلمة؟! من يستطيع أن ينزع عنه صفة “المؤرخ” و”الناقد” و”أستاذ الأدب” و”المفكر” و”المشاغب الثقافي” الأكبر في المائة سنة الأخيرة؟
من يستطيع الادعاء أنه قرأ لويس عوض جيدا، ولم يجد نفسه رغم كل شيء إلا مقدِّرًا ومعجبًا بهذا العقل التحليلي الجبار، وهذه الثقافة الموسوعية المذهلة، وهذا الإنجاز الضخم القيم؛ بغض النظر تمامًا عما إذا كنت متفقا أو مختلفا مع وجهة نظر أو تحليل أو تفسير أو نتيجة أو تصور أو فرضية ما.. كل هذا لا ينفي أبدا تقدير واحترام القيمة والمجهود والإنجاز الضخم بكل مقاييس الضخامة والاتساع والتأثير.

  • 2 –

كان لويس عوض تلميذا نجيبا من تلامذة العميد الدكتور طه حسين، درس على يديه وتخرج في مدرسته الليبرالية الجامعة، وفي جامعته الحرة التي تقدِّس الحرية والعلم والتفكير النقدي، وتشربت قيمة ومعنى الجامعة بما هي فضاء للمعرفة الحرة والبحث العلمي وحق الطلاب في المعرفة والنقد.
ورغم أن لويس عوض كان من الذين تمت الإطاحة بهم في أزمة مارس من العام 1954، فإنه سار على درب أستاذه طه حسين في موسوعية التحصيل والجمع بين الأصالة والمعاصرة في تكوينه الثقافي، ثائرا على الجمود داعيا إلى التجديد، وتنسم ريح الشمال، وقرر أن يكون إسهامه الثقافي شاملا محيطا مستوعبا لكل مناحي النشاط الإنساني، من أدب، وفكر، وتاريخ، وفلسفة، وترجمة.. إلخ.
وعبر ما يزيد على نصف القرن ترك لويس عوض مكتبة كاملة بالمعنى الحرفي لكلمة مكتبة غطت تقريبا كل صنوف المعرفة والفكر والثقافة والإنسانيات.. قرابة الخمسين كتابا تراوحت بين التأليف والترجمة والإبداع والنقد الخالص وتاريخ الفكر.
في النقد والدراسات الأدبية وحدهما، وهما المضمار الأصيل للناقد الكبير، ترك لويس عوض ما يقرب من خمسة عشر كتابا غطت تيارات النقد النظري والنقد التطبيقي ونقد النقد؛ نذكر منها:
مقدمتيه النقديتين الأصيلتين اللتين مهد بهما لكتابيه “برومثيوس طليقا”، و”في الأدب الإنجليزي الحديث”، ومنها كتبه ذائعة الصيت “دراسات أدبية”، “الاشتراكية والأدب”، “الثورة والأدب”، “مقالات في النقد والأدب”، “الحرية ونقد الحرية”، “البحث عن شكسبير”، ثم دراساته وترجماته الأدبية الأصيلة “أسطورة برومثيوس في الأدبين الإنجليزي والفرنسي دراسة في التأثر والتأثير”، “نصوص النقد الأدبي اليوناني”.. “ثلاثية أوريست (مأساة أجاممنون)”، ولشكسبير “أنطونيوس وكليوباتره”، و”خاب سعي العشاق”، وترجم روايات “الوادي السعيد”، و”صورة دوريان جراي”، و”شبح كانترفيل” لأوسكار وايلد.
وفي السيرة الذاتية ترك للمكتبة العربية كتابين من أهم ما دون في هذه الدائرة؛ وهما “مذكرات طالب بعثة”، و”من أوراق العمر ـ التكوين” ويكاد هذا الكتاب أن يكون أهم وأجرأ نص سيري اعترافي في ثقافتنا العربية في المائة سنة الأخيرة.

  • 3 –
    وفي كتبه جميعًا، وبالأخص في المجموعة التي ضمت “دراسات أدبية”، “مقالات في النقد والأدب”، و”الحرية ونقد الحرية”، و”دراسات أدبية”، و”دراسات في الحضارة” و”الحرية ونقد الحرية”، تظهر خصائص وسمات الناقد الحر الموسوعي العملاق بكل معنى الكلمة.
    والكتاب الأخير بالأخص (صدرت منه طبعة جديدة في مشروع مكتبة الأسرة المصرية في السنوات الأخيرة) اعتبرته نموذجا فذا لما أسميته أو أطلقت عليه “فن تثقيف القارئ وإمتاعه”؛ فرغم أنه كتاب صغير الحجم لا يتجاوز الـ 250 صفحة، لكن كل صفحة منه تحمل جديدا، تقدم رؤية، إضاءة، كشفا، تحليلا، بين دروب الأدب والفن والثقافة والتراث يجول لويس عوض ينقب وينتقي ويبرز ما خفي بين السطور، نتعرف على أعظم الكتاب والأدباء والشعراء والفنانين الذين تفرجت مواهبهم وأبدعت قرائحهم روائع الأعمال في تاريخنا الأدبي المعاصر.
    إنها جولات ممتعة بصحبة توفيق الحكيم، وصلاح جاهين، وصلاح عبد الصبور، وأمل دنقل وعباس محمود العقاد، وغيرهم، هؤلاء الذين أناروا حياتنا الفنية والأدبية بمختلف المشاعر والأحاسيس، وأمدونا بقيم إنسانية رفيعة وخبرة زاخرة. لا بد أن يخرج قارئ هذا الكتاب بحصيلة ربما تجاوز أضعاف ما يمكن أن يناله شاب الآن من كل ما هو متاح حوله من وسائط!

  • 4 –
    وأتوقف قليلا مع “الحرية ونقد الحرية” لأنه أحد كتبه التي تعلم وتمتع، وتتغيا إثارة فضول القارئ وشغفه بطلب المزيد من المادة الغزيرة التي يقدمها لويس عوض من واقع قراءاته ومتابعته المستقصية للحركة الثقافية وظواهر الإبداع الأدبي في مصر والعالم العربي خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.
    ضم الكتاب مقالات ودراسات فكرية ونقدية متنوعة؛ راوحت بين الرصد الثقافي والفني لأهم الظواهر الإبداعية في مصر الثورة خلال الفترة من 1952 وحتى 1970؛ الفترة التي شهدت ازدهارا لافتا في حركة الإبداع المصري في الفنون والآداب، وأطلق عليها لويس عوض “ملحمة المثقفين من 23 يوليو 1952 – 28 سبتمبر 1970″،
    وقدم لويس عوض مسحًا واستقصاء تاريخيا تحليليا للمشهد الإبداعي المصري والعربي في القصة والرواية والمسرح والشعر والفنون التشكيلية، والفنون الشعبية، بما يمكن معه القول إنه رسم “خارطة شاملة” وكلية للفنون والآداب المصرية والعربية خلال تلك الفترة.
    كما ضم الكتاب أيضا فصولا متنوعة كتبها لويس عوض في مناسبات مختلفة، وتناول فيها بعض الشخصيات التنويرية الكبيرة عارضًا منجزها الثقافي والفكري (طه حسين العميد، وطه حسين الوزير)، أو عددًا من الأعمال الفنية والأدبية (رواية “عودة الروح” لتوفيق الحكيم، ومسرحية “مسافر ليل” لصلاح عبد الصبور، وديوان الغسق لحسين عفيف)، أو التعريف بأعمال نقدية ودراسات كتبها مبدعون ونقاد مصريون في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين (كتاب رفض الحياة لأنور المعداوي ومذكرات زوج لأحمد بهجت ومرحبا أيها الملل لأنيس منصور ورسالة في المسرح لتوفيق الحكيم، وعندما نتلفت حولنا لا نجدهم لمحمد غنيمي هلال).

  • 5 –
    في هذا الكتاب (بل في كل ما كتب) تبدو شخصية الناقد بارزة واضحة، لا يتحفظ لويس عوض في إبداء رأيه ولا حكمه، أبدًا، يبدو حاسما قاطعا، لا يهادن ولا يناور ولا يجامل، يقول ما يريد ويقدِّم بين يدي رأيه حيثياته المفصلة التي لا يملك القارئ لها إلا الإعجاب بنقداته المذهلة وذهنه المرتب وقدرته الفائقة على البحث والاستقصاء، التجريد، واستخلاص الأفكار، الجمع والتصنيف، الفهم والتفسير، وأخيرا إصدار الأحكام بجرأة وشجاعة ودون مواربة.
    ومنهج لويس عوض في النقد، كما عبر عن ذلك كبار دارسيه، يقوم على استخلاص محتوى النصوص في ارتباطها ببنائها الفني وعصرها بحكم صلة الأدب بالبيئة الاجتماعية والنظم السياسية وأجواء الطبيعة التي يصاغ الإبداع تحت تأثيرها، ولا يستطيع من يكتب عن لويس عوض أن يغفل احتفاله بالأدب الشعبي، ولا دعوته إلى تدوينه وتحقيقه ودراسته والاستفادة منه في التأليف الأدبي المعاصر، قبل أن يتبدد ويضيع.
    وكل هذه الخصائص تتجلى في كتبه جميعًا، لكنها تتجلى بصفة خاصة في كتبه المتأخرة، وتحديدًا في كتبه التي جمعت دراساته ومقالات المتفرقة المنشورة في (الأهرام)، وصدرت في السنوات الأخيرة من حياته؛ أواخر الثمانينيات.
    لقد كان لويس عوض “معلما” عظيما من “أُسطوات” فن التثقيف وإمتاع القارئ وإفادته بكل صورة وشكل ولون.