أسعار النفط تواجه رياحا خريفية باردة

جوليان لي- بلومبيرج
ترجمة – قاسم مكي

مع قرب انتهاء موسم قيادة السيارات الصيفي في الولايات المتحدة تواجه أسواق النفط وضعا غير مواتٍ دون ريب. فقد توقف رسميًا التعافي في الطلب، تماما مع شروع بلدان أوبك وحليفاتها (مجموعة أوبك زائد أو أوبك بْلَس) في التخلى التدريجي عن تخفيضاتها القياسية للإنتاج.
ومع انتشار الطاقات الاحتياطية على طول سلسلة الإمداد وضخامة مخزونات خام النفط والمنتجات المكررة ربما يلزم مرور بعض الوقت قبل أن تستأنف أسعار النفط ارتفاعها. (تتشكل حلقات سلسلة إمداد النفط من عمليات استكشافه وإنتاجه ونقله وتخزين وتكريره وتوزيع منتجاته ومنافذ بيعه- المترجم).
من جهة أخرى، بعد أن بدأ الطلب مسيرة تعافيه من التدهور الحاد الذي تسببت فيه الجائحة تباطأ بشكل مثير. أوضح ما يكون هذا التباطؤ في البلدان التي تنشر بيانات تفصيلية بوتيرة سريعة مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وبعض الدول الأوروبية الأخرى. ففي الولايات المتحدة مثلا توقف تعافي الطلب على النفط عند حوالي 85% من حجمه في العام الماضي.
كما أن عدم ارتفاع الطلب في الهند ليس خبرًا طيبًا ومفرحًا لأولئك الذين يتمنون ارتفاع أسعار النفط. وكانت الهند، قبل تفشي جائحة (كوفيد-19)، قد انضمت إلى الصين كواحدة من المراكز الكبرى للنمو في استهلاك الوقود السائل. ولا تزال مبيعات وقود النقل بواسطة أبر ثلاث شركات تنشط في هذا المجال (مؤسسة النفط الهندية ومؤسسة بهارات للبترول ومؤسسة هندوستان للبترول) أقل بما يزيد عن 20% على أساس سنوي في يوليو وأغسطس.
ربما أن الصين هي البلد الوحيد الذي سيثبت مرة أخرى أنه شريان الحياة الذي ينعش الطلب المتضائل. فقد ارتفع استهلاك النفط بالصين وهي أكبر مستورد له في العالم بنسبة كبيرة في يوليو بلغت 19.5% على أساس سنوي، وفقًا للحسابات التي أجرتها بلومبيرج على بيانات إدارة الجمارك الصينية.
وبدأ السفر الجوي ينشط في السوق المحلية الضخمة هناك. فقد ارتفعت أعداد المسافرين على طائرات كبرى شركات الطيران في الصين (الصين للطيران المحدودة وخطوط شرق الصين وخطوط جنوب الصين) بحوالي 25% على أساس شهري في يوليو. وتتوقع شركة تحليل بيانات السفر «فوروردكيس» تعافِي السفر الجوي في الصين تماما هذا الشهر.
لكن لدى الصين سلفا كميات وفيرة من النفط. فقد استفادت من تردي الأسعار في مارس وأبريل لشراء المزيد من النفط مما أدى إلى تكدس مستودعاتها سواء في البر أو في الناقلات الراسية قبالة سواحلها.
حقًا تتقلص أحجام ما يسمى بالتخزين العائم. لكن لا يزال لديها حوالي 50 مليون برميل من النفط في الناقلات في محافظة شاندونغ الصينية لفترة تزيد عن 15 يوما، حسب شركة الاستشارات إنيرجي آسبيكت في لندن.
وانخفضت الشحنات الواردة من الخليج العربي إلى الصين بأكثر من مليون برميل في اليوم بعد ارتفاعها في أبريل ومايو.
وحتى عندما يبدأ الطلب في الارتفاع في الصين والبلدان الأخرى ربما لا يكون هنالك أثر فوري يذكر على أسعار النفط. لقد ترك الدمار الذي أحدثته جائحة فيروس كورونا طاقةً احتياطية ضخمة بدون تشغيل «معطَّلة» في كل حلقات سلسلة الإمداد النفطي.
لنأخذ الولايات المتحدة على سبيل المثال. كان تكرير النفط يتم باستغلال 81% من الطاقة التشغيلية المتاحة قبل أن يعصف إعصار لورا بولاية لويزيانا. يمكننا أن نقارن ذلك بنسبة استخدام تصل إلى 95% في الفترة نفسها من العام الماضي. ويمثل الفرق بين النسبتين حوالي 2.6 مليون برميل في اليوم من الطاقة التكريرية العاطلة في الولايات المتحدة لوحدها. أما في أوروبا فربما يتم تشغيل معامل تكرير النفط عند مستويات أقل من ذلك.
أما فيما يتعلق باستخراج النفط من جوف الأرض من المحتمل أن الطاقة غير المستغلة أكبر حجما. ففي حين أن إنتاج النفط في الولايات المتحدة قد لا يعود تماما وإطلاقا إلى ذروته التي بلغها في الفترة السابقة للجائحة إلا أنه لا يزال هنالك مجالٌ واسع لارتقاء الإنتاج من مستوياته المتدنية الحالية.
ففي أحواض النفط الصخري السبع التي يغطيها تقرير حفر الآبار الصادر عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية لا يزال هنالك ما يزيد عن 7600 بئر محفورة لكن غير مكتملة في نهاية شهر يوليو. وهو عدد بالكاد تغير منذ فبراير. هذا قد يعكس انعدام النشاط في منطقة ترسبات النفط الصخري الأمريكي.
غير أن أكبر تركز للطاقة الاحتياطية لإنتاج النفط الخام يوجد بعيدا جدا (عن الولايات المتحدة). إنه في الخليج العربي وتحت أراضي التندرا في شمالي روسيا.
قلّصت المجموعة التي تضم أوبك وحلفائها والمكونة من 23 بلدا إجمالي إنتاجها بحوالي 9.7 مليون برميل في اليوم اعتبارا من شهر مايو. ومنذ ذلك التاريخ بدأت في تقليص تلك التخفيضات ورفعت إجمالي الإنتاج المستهدف بحوالي مليوني برميل في اليوم ابتداء من شهر أغسطس.
يلزم التعويض عن بعض ذلك مبدئيا بتعهدات من جانب عدة بلدان بإجراء تخفيضات إضافية بعد أن أخفقت في الوفاء الكامل بالتزاماتها في الشهور المبكرة من الاتفاق. كما سيتم أيضًا استهلاك المزيد من النفط محليا في بلدان الخليج العربي لمقابلة الطلب المتصاعد على الكهرباء في الصيف. لكن لن يشكل أي من هذين العاملين ضغطا على إمدادات النفط لفترة طويلة.
نجح الموقف المتشدد للسعودية تجاه حالات النكوص الدائم عن التقيد بالحصص في انتزاع وعود بالتعويض عن القصور في الوفاء بالتعهدات المبكرة. لكن العراق، وهو أكبر المنتجين فوق الحصص المقررة، يسعى إلى التقليل من قسوة تخفيضاته التعويضية بتمديد أجل الوفاء بها.
كما سيتراجع الطلب على الكهرباء قريبا عن ذروته الصيفية مع تدني درجات الحرارة. وهذا ما سيوفر المزيد من الإنتاج الإضافي لأغراض التصدير.