نوافذ: مكافآت وجدانية

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com
تساءلت مع نفسي: هل يحتاج الواحد منا إلى مكافآت وجدانية؟ وإذا كنا نريدها فعلا، ونرى فيها شيئا من السلوى، هل يهم أن تكون مجانية، أو بمقابل؟ وإذا كنا نؤمن بأن الحياة قائمة على تبادل المنافع، فما نوع هذا المقابل الذي يجب أن نهبه للآخر، حتى نحصل مقابل ذلك على هدية وجدانية؟ المسألة عندما نضعها في إحدى كفتي الميزان، تصبح مهمة جدا، ويجب أن تأخذ حيزا من تفكيرنا، وأن لا تعامل هكذا وفق الصدفة، كما هو حاصل في كثير من المواقف، فكلمة شكر لآخر هي هدية وجدانية، وكلمة حب هدية وجدانية، وابتسامة صادقة هدية وجدانية، ونظرة حانية هدية وجدانية، ونصيحة خالصة هدية وجدانية، وغض الطرف عن إساءة هدية وجدانية، وتجاوز عن خطأ متعمد هدية وجدانية، وغيرها الكثير، فهل هؤلاء كلهم، تبادلوا قبل ذلك أثمانا، حتى يتهادوا فيما بينهم هذه الهدايا الوجدانية بكل أريحية، وبلا تكلف؟ تؤكد أن ذلك ليس شرطا.
أتصور من منظور خاص جدا، أن الهدايا الوجدانية، ليست مشروطا تبادلها بمقابل ملموس، ولا بمقابل مدخر، فهي تأتي هكذا فطرية العطاء بلا مقابل، نعم؛ قد يؤسس أحدنا لها مناخا آمنا من خلال سيرته العطرة الزكية، من دماثة الخلق الرفيع، والسيرة الحسنة السوية، فيعرفه الناس من خلال خصاله السامية، فيتعاطون معه بكل أريحية، يتهادون معه بهذه الـ «وجدانيات» في مواقف مختلفة، ذلك أن فطرته هي هكذا لا تكلف فيها ولا تنطع، والآخرون في المقابل يقرأون قراءة واعية ما تعكس نفس هذا الفرد أو ذاك من صفات كريمة، أو صفات سيئة قبيحة، وبالتالي يأتي الفعل ورد الفعل بناء على ما تم رصده من سلوكيات متبادلة بين الطرفين، أي لها رصيد تاريخي.
ولذلك الدعاء الجميل لفلان من الناس، وهو غير حاضر في مجلس ما، بل ربما هو بعيد جدا، وفي جغرافية منفصلة، أو ربما مغادر هذه الحياة، ومع ذلك، فسيرته الحسنة تؤرخ له حاضرا جديدا مملوءا من قبل الآخرين بمكافآت وجدانية، فمثل هؤلاء الناس كمن يقول: «اعمل خيرا وارمه في البحر» حيث لا يفكرون في جزاء حاضر، ولا شكور غائب، فمتى أتى كل ذلك، فذلك فضل من الله.
هناك من يهمه كثيرا أن يسمع كلمات الشكر والإشادة من قبل الآخرين على أي عمل يعمله، ويحزن كثيرا عندما يقوم بعمل ما، ولا يتلقى هذا الثناء من الآخرين، وربما قد يكون عدم الثناء، انتكاسة له أو إحباط، فيؤدي به إلى جلد الذات، وأنه ليس جديرا بأن يقوم بأي عمل مماثل، أو مختلف فيتراجع، ولو حدث العكس لكان في ذلك بمثابة الدافع القوي لأن يضاعف من جهده، ومن تميزه، وهذه إشكالية موضوعية في العلاقة القائمة بين الفرد وذاته على وجه الخصوص قبل الوصول إلى ثناء الآخرين له من عدمه، وهذه إحدى علامات ضعف الشخصية، فالفرد المتمكن من نفسه، والواثق بها لا يهمه ثناء الآخرين له من عدمه، فالمهم أن يرضى هو بما قام به، ويبقى ثناء الآخرين مجرد إضافة ثانوية للمكافأة، ليست إلا.
من جميل ما قرأت النص التالي: «يقول أحدهم كنت أروي لعائلتي موقفاً محرجاً، فقلت انسكبت علي القهوة قبل أن اخرج لتقديم الحفل فقالوا جميعاً ماذا فعلت؟ إلا أمي قالت: هل تأذيت…!!!» ربما يكون هذه النص مفتعلة قصته، ولكن من خلاله نشعر كم هو حرص الناس على انتظار هذه «المكافأة الوجدانية» التي نتحدث عنها، وحتى لا نخرجها من إطار الأهمية، نقول: هي مهمة للأعمار الصغيرة لتحفيزهم على مواصلة البذل والجهد والتميز، ولكنها لا يجب أن تشكل أهمية محورية للكبار، لأن في ذلك خروج الثناء عن مقصده، وتحميله أكثر مما يجب.