الرّمضاني وشعراء سُرور .. في الحاجة إلى معجم لشعراء عمان

محمود الرحبي
نشر الشاعر سيف الرمضاني مقالًا خصّصه لبعض شعراء قرية سرور، وهو جزء من دراسة تنمّ عن أن الكاتب بذل مجهودًا معمّقًا في البحث والتقصّي عن شعراء عاشوا، في مختلف المراحل، في هذه القرية الرّائعة أو انطلقوا منها إلى رحاب العالم. وما أحوجنا إلى مثل هذه البحوث التي تُعرّفنا، كذلك، على “ظروف” و”أحوال” الزّمن اللذين عاش فيهما هؤلاء الشّعراء، من خلال ما تعكسه قصائدهم من تفاصيل وبيئة ومشاعر صادقة عن طبيعة كل مرحلة وأهم ما كان (يتفاعل) فيها. فالشاعر، كما يقال، مرآةُ زمانه، نجد في قصائده ليس فقط نفسيته وشعوره، وإنما -وهذا هو الأهم- نفسية وشعور وطبيعة العصر الذي عاش فيه. ومن هؤلاء الشاعر خالد بن هلال الرحبي، الذي عاش معظم حياته في زنجبار، والشاعران المعاصران سيف الرحبي وزاهر الغافري، اللذان غادرا سرور مبكرًا قبل أن يعودا إلى الوطن. واستوقفني في المقال كثرة شعراء سرور، وهي قرية واحدة ضمن ولاية سمائل. فكم سيكون العدد لو تحدثنا عن شعراء آلاف المناطق العمانية الأخرى؟ ورغم أن مثل هذه الأبحاث قليلة في مواضيع الكتّاب، فإن لها أهميةً علميةً كبيرةً في تعريفنا بأعلام عاش معظمهم مجهولين أو مُضطهَدين أو مطارَدين؛ بينما أجبرت “الظروف” بعضهم على “التشرّد” من مكان إلى آخر وأجبرت آخرين على السفر بحثًا عن محيط أرحب، كما حدث للشّعراء الذين فضّلوا السفر إلى الشطر العماني في أفريقيا، لما يتميز به إمكانات أوفر، ناهيك عن الاستقرار الذي كان يسود تلك المناطق في وقت كانت تخترق الوطنَ الأم القلاقل والحروب الأهلية وشح الأعمال.. لكن ما استوقفني في مقال الرمضاني أنه لتأكيد معلومات عن بعض هؤلاء الشعراء كان يحيل إلى “معجم البابطين”، وهو معجم رغم أهميته والمجهود الذي بُذل فيه، ليس عمانيًا أولا، وثانيًا يحتوي على مفارقات وأغلاط تُظهر احتياجه إلى تجديد وتعديلات جوهرية. بل وردت فيه أخطاء عن بعض الكتاب العمانيين مضحكة وعجيبة.. ويمكن لمن أراد أن يتأكد أن يتصفّح المعجم، الذي رغم أهميته، يبقى من الضروري أن يكون ثمّة معجم خاص بالشعراء العمانيين، من إنجاز باحثين عمانيين. وأنا في هذا المقال أدعو الباحثين والأكاديميين العمانيين إلى التفكير في الأمر، سواء في جامعة السلطان قابوس أو في كليات الآداب في الجامعات الخاصة. ومن هؤلاء، على سبيل المثال، الباحثان حميد الحجري ومبارك الجابري وآخرون ممن يهتمّون بالبحث وينطبق عليهم لقب الأستاذ الباحث حسب الناقد سعيد يقطين، والذين لا يكتفون بتلقين الدروس وإنما يسهمون في إنتاج المعرفة والإتيان بالجديد في البحوث الثقافية. وأنا على يقين من أنه سيكون لهذا المعجم دور كبير في التعريف بشعراء عمان عبر الأزمان. كما أنه سيمنح الباحث كنزًا معرفيًا مهمًّا، إذ أننا نكتشف، من خلال مقال الرمضاني، وهو مقال قصير قياسًا بالطموح والمأمول، ولكنه شكل نواةً ومنطلقًا في غاية الأهمية للحذو حذوه في البحث عن شعراء آخرين في أماكن أخرى من ربوع عمان. كما أن البحث يوضح لنا أنّ في عمان شعراء كثيرين مجهولين لا تعرف الأجيال اللاحقة عن شعرهم شيئًا. فهو تحدث فقط عن شعراء قرية واحدة من مئات القرى العمانية، ناهيك عن أنه يتحدّث فقط عن الشعراء، ما يدُلّ على أن معجمًا لشعراء عمان سيغدو مهمًّا جدًا، وربما مفتاحًا لإنجاز معجم يشمل أدباء السلطنة قاطبة. وهو مشروع طموح ويحتاج إلى جهد كبير، في البحث والتقصّي والتحقيق والتبويب. وينبغي أيضًا أن يشتمل المعجم على نماذج وعيّنات من قصائد ونصوص كل شاعر أو من “عيون” شعره التي تعبر عن إمكاناته (البلاغية). فهناك شعراء عُرفوا بالغزارة في الإنتاج (ولهم فوق ذلك قصائد مُحدّدة يمكن أن تمثل إمكاناتهم) وتجعلهم بارزين في زمنهم، بل تجعل قصائدهم حيّة إلى يوم الناس هذا، نظرًا إلى ما تمتاز به من سبك وفرادة بلاغية وقابلية للإدهاش المُتجدد؛ بخلاف القصائد النظمية التي دُبّجت لأغراض اجتماعية أو للإجابة عن أسئلة محدّدة، لا تنطوي على أهمية بلاغية، ولكنْ يمكن أن يجد فيها الباحثون ضالتهم في معرفة طريقة تفكير أهل الزمن الذي عاشوا فيه وأهم مُحرّكاته الذهنية والنفسية ومميّزاته، اجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا.