” كتاب وأدباء جنوب الشرقية” تناقش تاريخ الأوبئة في عمان في العصر الحديث

كتبت: خلود الفزارية
نظمت الجمعية العمانية للكتاب والأدباء ممثلة في لجنة كتاب وأدباء محافظة جنوب الشرقية محاضرة بعنوان “تاريخ الأوبئة في عمان في العصر الحديث” عبر الاتصال المرئي، قدمها الأستاذ الدكتور سعيد الهاشمي، وأدارت الجلسة الدكتورة بدرية الشعيبية. وفي بداية المحاضرة أوضح الهاشمي أن التقارير البريطانية سجلت عددا من الأوبئة انتشرت في عمان في العصر الحديث أهمها الطاعون والجدري والكوليرا، إلا أن وباء الجدري في عام 1926 لم ينتشر في عمان، ولكن أصاب جنديا واحدا في معسكر بيت الفلج، وذلك لسرعة تحصين الجنود لوقايتهم من الوباء. ويرفق الهاشمي عددا من الحقائق التي سجلها المؤرخون، فقد ذكر السيفي في كتابه “النمير” أن خالدا بن عدي بن محمد الأمبوسعيدي مات بسبب وباء الجدري في عام 1927 ومات في نزوى، ليطرح المحاضر تساؤلا مفتوحا هل المرض انتشر في نزوى أم أنها كانت حالة فردية واحدة، ولكن المعطيات تشير أنها كانت حالة واحدة لأن هذه الأمراض تنتشر بسرعة إذا لم يكن هناك تحصين منها. ويتابع: تشير التقارير أن وباء الجدري تفشى أيضا في عام 1942-1945 ولكن السلطات الصحية سارعت بتطعيم عدد كبير من المواطنين وبلغ عدد المحصنين أربعة آلاف نفس في عام 1944، وفي عام 1963 تفشى المرض مرة أخرى، وقامت السلطات الصحية بتحصين سبعة عشر ألف نفس. ومرض آخر انتشر في عمان وهو وباء الكوليرا حيث أشارت إليه التقارير البريطانية خصوصا في نهاية القرن التاسع عشر، ويذكر ج ج لوريمر في كتابه الموسوعي أن وباء الكوليرا انتشر في عمان ثلاث مرات في القرن التاسع عشر، أولا في عام 1821 تزامنا مع الجدري، وعام 1865، وعام 1899. وينوه الهاشمي أن بعض الأوبئة قد تتفشى متزامنة وهي الجدري والطاعون والكوليرا، وقد حدث ذلك ونتج عنه وفيات كبيرة من المواطنين. ويضيف الهاشمي أن مرض الكوليرا الذي انتشر عام 1865 حصد أرواحا كثيرة، فمن أهالي صور فقط ألف وسبعمائة نفس، ومن مسقط ستمائة نفس وكان انتشاره في صور نتيجة انتقاله من الحجاج الذين نزلوا في صور، كما أزهق هذا المرض في طيوي ثلاثمائة نفس في عام 1899. ويوضح أن انتشار مرض الكوليرا في عمان تكرر بحسب التقارير الإدارية والصحية التي تصدر من الوكالة السياسية البريطانية لمصر والخليج خلال الأعوام 1904/1910/1930. ولكن لم تتجاوز الوفيات مائة وخمسين حالة وفاة، وذلك لدور الخدمات الصحية التي تقدم في عمان. ويضيف أن من الملاحظ في حكومة السلطان سعيد بن تيمور -رحمه الله- أنها طالبت من المواطنين المسافرين للهند أو غيرها أخذ اللقاح ضد الجدري على ضوء التعميم الصادر من دائرة الموارد العامة إلى رئيس دائرة الجوازات بمسقط والمؤرخ ب25 يناير عام 1938. وبعدها ينتقل الهاشمي إلى بقية الأمراض الشائعة مثل الحصبة والسعال الديكي والحمى الصفراء والسل، والجذام ويشير بأنها تواجدت في كثير من ولايات السلطنة، وكانت تتفشى بين السكان بصورة سنوية وتحصل في القرية الواحدة ولا تسبب وفيات تذكر، وقد حاولت المؤسسات الصحية معالجة هذه الحالات، والوفيات كانت محدودة، وأنشأ السلطان سعيد بن تيمور -رحمه الله- في عام 1948 ملحقا خاصا بمستشفى طومس بمطرح لمرضى السل. وعن وسائل الطب الشعبي في مكافحة الأوبئة يبين الهاشمي أن العمانيين واجهوا هذه الأوبئة التي انتشرت بالعزل والأعشاب الشعبية، وفي مطلع القرن العشرين بالرعاية في المؤسسات الصحية الثابتة والمتنقلة، مؤكدا أن أهل عمان يؤمنون بالقضاء والقدر خيره وشره وأن الله يبتلي عباده بالأمراض، لذلك لجأوا إلى القرآن الكريم واستخدام الثوم والبصل والحمضيات وأوراق السدر ونبات الحرمل والكافور والقرط والكركم والملح والزعفران فضلا عن اللبان. ويستشهد الهاشمي على طريقة علاج المريض بما ذكره السيفي في كتابه “واتخذوا له دواء سهم من الزعتر، وسهم من اللبان، وسهم من الكبريت، وسهم من الهيل، وسهمان من الفلفل الأحمر والفلفل الأسود، وسهم من الملح ويمزج باللومي ويسقى منه المريض”، منوها أن من الأمور الأخرى التي يقوم بها الأهالي عزل المريض ومنع الهواء من الدخول إليه ويلحف ثم يعطى الدواء. ويختتم الهاشمي محاضرته بالإشارة إلى أن المجتمع العماني تأثر صحيا واقتصاديا واجتماعيا بهذه الأوبئة التي ألمت به، وهناك عدد من العلماء ماتوا ومن الحكام والقضاة والمعلمين والأعيان وهذا ما يحصده الإنسان بانتشار مثل هذه الأوبئة، إلا أن ما يعزي قلوب الشعوب أن من مات بمرض فهو شهيد، وقد كتبت لهم الشهادة.