المواقع الأثرية في إيطاليا تعاني من تراجع أعداد الزائرين وأنشطة التنقيب

روما – (د.ب.أ): سواء كنت تزور المعابد العتيقة عند المدخل الرئيسي لمدينة روما المعروف باسم «رومان فورام»، أو كنت تقضي اليوم عند الكولوسيوم (المسرح الدائري المكشوف الذي كان يستضيف فعاليات عديدة فيما مضى)، فإن وجه عالم المواقع الأثرية لم يعد كما كان عليه الحال في السابق. وبسبب جائحة كورونا، يتم عادة فتح مدخل واحد فقط أمام الزوار، كما يباع عدد قليل من تذاكر الدخول، ويتعين على الزوار أن يتحركوا عبر المواقع في اتجاه واحد، حيث تم إغلاق بعض الممرات أمامهم. وليست العاصمة الإيطالية وحدها هي التي تأثرت من جراء الجائحة، ففي مختلف أنحاء إيطاليا حدثت التغيرات نفسها في المواقع التاريخية والأثرية الأخرى، بما فيها ضاحية أوستيا على مشارف روما، ومدينة أجريجنتو على الساحل الجنوبي لجزيرة صقلية، ومدينة بومبي القديمة الكائنة بالقرب من نابولي والتي صارت موقعا أثريا بعد أن دمرها بركان فيزوف. ويقول أورتوين دالي، مدير إدارة روما بالمعهد الألماني للآثار: «بدأت المواقع الأثرية في إيطاليا تعود إلى نشاطها المعتاد، بحذر»، غير أنه يرى أنه من الصعب التنبؤ بالشكل الذي ستبدو عليه الأمور خلال الفترة الباقية من عام 2020 وما بعدها. ويضيف: «لا تزال باقي المواقع الأثرية، مثل الكولوسيوم، خالية من الزوار، غير أن ذلك يبدو شيئا جيدا من وجهة نظر أخرى، حيث يقوم الإيطاليون الآن باستكشاف بعض كنوزهم الثقافية وسط جو من الهدوء، فليس من الممكن أن ترى موقع بومبي الأثري خاليا من السياح كما هو الحال اليوم. ومن ناحية أخرى، نجد أن هذا الفراغ المذهل يؤكد أن الإيرادات تراجعت إلى حد كبير». وفي روما، زارت إليزابيتا كاسيلاتي، رئيسة مجلس الشيوخ الإيطالي، المدخل الرئيسي لروما القديمة «رومان فورام»، في نهاية يوليو الماضي في بادرة رمزية، حيث دعت الإيطاليين إلى زيارة هذه الكنوز التاريخية، وقالت: إن الشعور بالفخر بماضي البلاد الرائع يمكن أن يكون مصدرًا للقوة في خضم أزمة كورونا. ويرأس ماسيمو أوسانا، موقع بومبي الأثري الشهير عالميا والكائن تحت سفح جبل فيزوف البركاني، وفي عام 2019 زار أربعة ملايين شخص مدينة بومبي الرومانية القديمة والتي دفنت تحت غطاء من الرماد البركاني. ويقول أوسانا: «تراجعت أعداد الزوار إلى حد كبير الآن»، ووصف هذا التغيير بأنه «علامة فارقة تاريخيا». وأغلقت المتاحف الإيطالية خلال الربيع الماضي بسبب الإغلاق العام في أنحاء البلاد لمكافحة تفشي فيروس كورونا المستجد، والآن ينظر أوسانا، وهو أستاذ جامعي في علم الآثار، إلى الجانب المشرق من هذا التطور الحادث، ويقول: إن كثيرا من العاملين في الموقع الأثري صاروا قادرين على مواصلة أبحاثهم حتى أثناء فترة الإغلاق، كما أن الحكومة قدمت ملايين اليورو كمعونة مالية. ويتعين على كل زائر لبومبي أن يتبع طريقا معينا عندما يسير عبر الموقع حاليا، كما تم خلال الفترة الحالية إغلاق بعض المناطق التي تكون فيها ممرات الدخول هي نفسها طرق الخروج، وفي هذا الصدد يقول أوسانا: «علينا أن نعيد التفكير في مسارات مواقعنا الأثرية، فيجب أن يكون هناك طريق للدخول وآخر للخروج»، ويضيف: إن المتطلبات الطارئة دفعت الإدارة أيضًا إلى فتح مناطق أخرى كانت مغلقة في السابق. كما تغيرت طريقة الإعلان، حيث يقوم أوسانا بالترويج للمواقع التي لم تكن تجذب عددا كبيرا من الزوار، وتشمل هذه المواقع أماكن التنقيب عن الآثار في موقع أوبلنتيس بالقرب من بلدة توري أنونزياتا الساحلية القريبة من نابولي، وفيلا بوبايا الرومانية الأثرية الفاخرة المطلة على البحر في الجنوب الإيطالي، بجدرانها الملونة، والتي يرجع تاريخها إلى ألفي عام، ويصفها أوسانا بأنها جوهرة منسية في أغلب الأحيان. وفي ظل الجائحة لا يشعر دالي بالقلق تجاه متاحف الدولة الأكبر حجما، مثلما يشعر إزاء المواقع الأثرية الصغيرة، حيث يقول: «الافتقار إلى الإيرادات أمر ملحوظ بشكل خاص في أماكن تعتمد على هذا الدخل، ولا تمولها الدولة بنسبة 100 في المائة، مثل باركو أرشيولوجيكو دي أجريجنتو، وهو موقع لمجموعة من المعابد القديمة في صقلية». وهناك قضايا أخرى تشغل تفكير دالي مثل الأبحاث وعمليات التنقيب ذاتها، ويقول: «رغم أنه لا يزال من الممكن إجراء أبحاث، يواجه الباحثون قيودا كبيرة، فلا يزال من الصعب الدخول إلى المكتبات والأماكن التي يتم تخزين المعروضات بها، ويعتمد الباحثون عن الآثار على رؤية القطع الأثرية أمام أعينهم، مثل قطع الخزف، وهو ما يتعذر حدوثه وسط الجائحة، الأمر الذي يعوق الأبحاث». غير أنه تم استكمال بعض الأوراق البحثية القليلة بشكل أسرع مع عمل الباحثين من بيوتهم، وفقًا لما يقوله دالي الذي يضيف إنه تم مواصلة العمل في بعض مواقع الاستكشاف أثناء فترة الإغلاق، ويعتمد ذلك على الأماكن المتاحة. ويوضح دالي: «توقفت معظم أعمالنا في إقليم توسكاني وموقع الكابيتول الأثري في روما، ولكن من جهة أخرى، استطعنا مواصلة العمل في صقلية». ويقول: إنه بالنظر إلى المستقبل، فإن الجامعات التي أغلقت أبوابها، وأيضا تقليص عدد الباحثين، سيكون له آثاره السلبية على دراسة الآثار. ويضيف: «اعتقد أن مشكلات شباب الباحثين بشكل خاص، هي إحدى التحديات الرئيسية التي تواجهنا للتغلب على الأزمة».