تكريس مكانة الحضور

نوافذ
أحمد بن سالم الفلاحي
في محفل ما؛ حدثت القصة التالية: ” وزعت الكراسي من خلال صفوف متتالية دون وضع أسماء على الكراسي، أحد من وجهت إليهم دعوة الحضور جلس في الصف الأول، فحضر أحد المنظمين وحاول إقناع هذا الجالس بأن يتأخر إلى الصف الثالث أو الثاني فرفض، حدثت مشادة كلامية، ثم تطورت إلى اشتباك بالأيدي، والقصة طويلة …” وفي مناسبة أخرى حضر أحد المدعوين فلم يجد اسمه ضمن الصف الأول ولم يجد من ينزله المنزلة المباركة من الاهتمام والتقدير والتبجيل فآثر الانسحاب، وقبل أن يركب سيارته، هناك من انتبه فاعتذر له ولكنه أصر على موقفه ولم يرجع، وفي كلا الموقفين كانت المناسبة وطنية وليست شخصية. وفي مناسبات كثيرة؛ وخاصة مناسبات المواساة يكثر الزعل والعتاب، لأن فلانا من الناس لم “يأخذ أحد علومه” أو لم يهتم أحد بأن يجلسه في صدر المجلس مع ما يشهده المكان من زحمة كبيرة، أو أن أصحاب المناسبة لم يكونوا بذلك التفاعل معه، ولذلك هم ينسحبون من المجلس – عاتبين – وقد يتركون رسالة مغلفة بالعتاب القاسي موجهة إلى صاحب المناسبة، وقس على ذلك أمثلة كثيرة. المتفق عليه أكثر؛ كثقافة مجتمع أن المعاملات الخاصة من الترحيب والتبجيل والتقدير المبالغ فيه تكون خاصة في المنازل وفي العزائم الخاصة المرتبطة بصاحب المناسبة، فهو غير معذور في هذه الحالة عن إبداء كامل اللياقة السلوكية المرحبة بالطرف الآخر وإنزاله المنزلة التي يستحقها وأكثر، على أن لا يكون ذلك أيضا على حساب آخرين يحضرون نفس المجلس في تلك اللحظة، لأنهم حسب العرف كلهم ضيوف عند صاحب المناسبة، وعلى المضيف أن يكرم ضيفه بكافة الوسائل المتاحة عنده، مع الحرص على عدم التخصيص، وإلا عد ذلك “مثلبة” يشار بها إلى صاحب المناسبة ويعاتب عليها أشد العتاب، أما في المناسبات العامة فهذا التخصيص يتلاشى، وينظر إلى الموقف بشموليته العامة، مع الحرص من قبل الحضور على التغاضي التام عن أي تقصير يكون في حق من يحضر أيا كانت مكانته، لأن الجميع أتى بدون دعوة من صاحب المناسبة؛ كحالات المواساة أو أن تكون المناسبة وطنية والجميع مدعو إليها فهي تخص الجميع ولا تخص فلانا من الناس، وإن كان فلان من الناس هذا، أوكلت إليه مهمة التنظيم والتنسيق لا غير. الإشكالية هنا؛ هي توظيف العزة مصداقا لـ “أخذته العزة بالإثم” وهذه إشكالية نفسية من الدرجة الأولى، وإلا كيف يساوى بفلان من الناس في الجلوس مع فلان من الناس، ولعلنا نستحضر الواقعة التي حدثت بين أبي العلاء المعري – رحمه الله – وأحد جلساء (الشريف المرتضى)، حيث تعثر أبو العلاء المعري برِجل هذا الجالس، وقيل وطأ رداءه، فقال الرجل: من هذا الكلب؟ فرد عليه أبو العلاء المعري وهو لا يزال في طريقه إلى صدر المجلس: “الكلب من لا يعرف سبعين اسما للكلب”- كما هو المصدر – ولعل هناك من قرأ قصة الرجال الثلاثة الذين حضروا أحد مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحداث المجتمع تسجل الكثير من المواقف التي تظهر أولئك الذين يحرصون على تكريس مفهوم المكان والمكانة في المجالس العامة، وخاصة في المناسبات المختلفة، حيث يكثر الناس وتتباين المقامات وتتقاطع الوجاهات وتعتلي أسهم “من يقول: كان أبي”. تعكس ثقافة المجتمعات واقعا مربكا إلى حد كبير، حيث لا تزال تقتات على كثير من القيم المتوارثة، ويبقى ليس من اليسير تجاوزها لتحل محلها “ها أنا ذا” فالسهم الفردي لا يزال متموضعا عند حدوده الدنيا، وهذه إشكالية لا تختلف كثيرا عن مشكلة الخروج من “عنق الزجاجة”، وأبناء المجتمع لا يزالون ينتصرون لمثل هذه المواقف بصورة لا إرادية، مع وجود “حلحلة” نسبية عند الجيل الصاعد.