نوافذ: العارف بكل شيء

عبدالله بن سالم الشعيلي
Twitter:@ashouily

من الجيد، وربما من غير الجيد أن تصادف “العارف بكل شيء” ليتحدث إليك في كل شيء ويفتي في كل شيء ويجيب على كل شيء، تسأله عن السياسة فتجده بحر خضم لا يشق عبابه، وتسأله عن الاقتصاد فتجده محللا وكأنه درس في هارفارد، تسأله عن الحياة وشجونها فتجده فيلسوفا متصوفا يشبه ابن الفارض أو ابن عربي، يحدثك عن التاريخ وكأنه هيردوت ويكلمك عن الجغرافيا وكأنه ناشيونال غيوغرافيك. يجيد الحديث في كل شيء وفي كل وقت وفي كل زمان.
يقول “العارف بكل شيء” أن العلم والمعرفة ليستا حكرا على أحد وفي زمن “جوجل” الناس سواسية كأسنان المشط، ما لا تعرفه اسأل عنه جوجل أو أحد أخواته وسيأتيك الجواب ولا تترك نفسك مطية للآخرين يملون عليك ما يعرفون، انفض عن نفسك غبار السنين والحق بركب العلم والمعرفة وابحث عن كل شيء وتعلم كل شيء واصنع بنفسك كل شيء ولا تعتمد على غيرك ليلقنك علما ومعرفة فالتجربة خير برهان.
تشدك شخصية “العارف بكل شيء” فهو أنيق مهندم مثقف مطلع مجرب باحث قارئ نهم ومتابع صامت في بعض الأحيان ومتحدث إن لزم الأمر، لا تفوته شاردة ولا واردة تحصل في هذا العالم المترامي الأطراف ابتداء من فناء بيته والشارع الموازي لجاره وانتهاء بتطورات كورونا ولقاحاتها المثيرة للجدل ومستقبل الاقتصاد في ظل تردي أسعار النفط والمرحلة الراهنة التي تمر بها البلاد والعالم ومتى ستحصل الانفراجة وتعود الحياة إلى طبيعتها.
جلست مع بعض “العارفين بكل شيء” فاستمعت إلى تحليلاتهم في شتى نواحي الحياة، وولجت عوالمهم الاجتماعية والافتراضية وحللت شخصياتهم المزدوجة والمفبركة والمنفصلة في بعض الأحيان، لا أنكر أنني استفدت من بعض معارفهم ولكنني خسرت كثيرا من الاستماع اليهم، أهدرت أوقاتا ثمينة كان من الممكن أن استفيد منها لو أنهم تركوني لحال سبيلي من دون ثرثرة أو أنني تركتهم لحال سبيلهم بإعطائهم آذنا صماء.
استمعت مرة إلى حديث لفيلسوف هندي شخَّصَ شخصية هذا العارف بمن يصنع الشاي الكرك في بلاده، فما أن تطلب منه كوب شاي حتى يبدأ في الحديث عن كل شيء ابتداء من السياسة إلى لعب الكريكيت مرورا بالاقتصاد وفي النهاية تكتشف أنه هو نفسه لا يعرف أو لا يتقن صناعة الشاي بدقة واحترافية.
فئة “العارفين” المفتين بكل شيء صغيرة لكنها تكبر كل يوم بفعل عوامل عديدة، لكنها في الأصل محدودة ومحصورة في أعداد محددة من الناس هي التي وصفها الفيلسوف الهندي بممن لا يجيدون صنعتهم فما بالك بصنعة غيرهم، كلامهم كثير وعملهم قليل، ينشغلون بأمور الآخرين وينسون أمورهم الخاصة، يكسرون مرآتهم الخاصة التي يرون بها أنفسهم ويستبدلونها بمرايا خارجية لمراقبة الآخر والتطفل عليه، ينشغلون بالعالم ويهملون عالمهم، ثرثرتهم تهدم أكثر مما تبني.
لو انشغل كل عارف بما يعرف لكانت الدنيا في أحسن حال، ولو اهتم كل عارف بشؤونه وترك شأن الآخر لكان العالم بصورة أفضل، ولو أبقى كل عارف نظره مقتصرا على شأنه ولم يتطاول بالنظر على شأن الآخر لكانت الحياة أسعد وأجمل، ولو تكلم كل عارف بما يعرف ولم يهرف بما لا يعرف لكانت النفوس أصفى وأسلم ولو كنت أنا ذاتي استطيع التمييز بين العارف والمختص لكان يومي وغدي أفضل من أمسي وقبل أمسي.
انتبهوا من العارفين فهم موجودين في كل شبر وزاوية في واقع الحياة وفي عوالمها الافتراضية ولا تعطوا “العارفين” أكبر من حجمهم.