الخيول بدلا من سيارات النقل لجمع القمامة في ضاحية بلجيكية

توفيرا للنفقات وحفاظا على البيئة

بروكسل “د.ب.أ”: – عندما تنطلق ليوديفين سيمون في مهمة جمع القمامة بأحد أحياء بروكسل، يقف رجال الأعمال والنساء والأشخاص الذين يمارسون رياضة الجري وأيضا الذين يخرجون للتنزه بكلابهم، وقد تملكتهم الدهشة.
وما يثير دهشتهم هو منظر الحصانين الكبيرين اللذين يهرولان تحت قيادة سيمون، وهما يقطران العربة المليئة بأكياس المخلفات. وقد صار هذا المشهد الذي يعود للقرن الثامن عشر، ملمحا للحياة اليومية في ضاحية شاربيك بشمال بروكسل منذ عام 2011.
ونفذ هذه الخطوة موظف في مجلس شاربيك، كان أجرى حساباته وتوصل إلى أن رعاية اثنين من الخيول ودفع أجور العاملين أقل تكلفة من تشغيل سيارة نقل.
وتختفي ابتسامة سيمون خلف الكمامة التي ترتديها كي تقي نفسها من الإصابة بفيروس كورونا المستجد، وتبدو بشعر بني فاتح معقود ومرسل للخلف على هيئة تسريحة ذيل الحصان، غير أن وجهها يشرق عندما تتحدث عن الخيول التي بدأت تعمل معها منذ خمسة أعوام.
وتتبادل سيمون نوبات العمل مع ثلاثة أشخاص وحصانين، ويجمع مجلس الضاحية المخلفات من 200 صندوق تنتشر في شوارعها على مدار ستة أيام أسبوعيا. وكان العمل يعتمد في البداية على حصانين ثم أضيف ثالث.
وعندما يقوم زميلها في العمل، أنتونوف سيفرين، والطالب الذي يعمل معها، كاني دي موينك، بجمع أكياس القمامة من الصناديق القريبة وربطها جيدا، تجذب سيمون -المشرفة على الفريق والتي تبلغ من العمر 42 عاما- الحصانين للتوقف عن السير.
ويمر زوجان وهما يدفعان عرب أطفال بها ولد صغير، حيث يقول الرجل للطفل الذي يتفرس الحيوان بفضول ورهبة، “انظر. هذا حصان”. ويلقي سيفرين كومة من الأكياس في الجزء الخفي من العربة، ثم تأمر سيمون الحصانين البلجيكيين باستئناف السير، قائلة: “تارام. يوري. انطلقا”.
وطرأت فكرة استخدام الخيول في عمليات جمع القمامة على ذهن مانو بوفي، مدير إدارة النظافة والمساحات الخضراء بمجلس ضاحية شاربيك، في عام 2008 عندما ارتفع سعر البترول ليصل إلى 145 دولارا للبرميل. ويقول بوفي إنه أراد في البداية طرح هذه الفكرة كمزحة، غير أنه أدرك مع زملائه سريعا أن الخيول أقل تكلفة حيث بلغت فاتورة تشغيل حصانين والمعدات اللازمة 30 ألف يورو (35500 دولار)، بدلا من 60 ألف يورو في حالة تشغيل سيارة نقل.
وبالإضافة إلى الأسباب البيئية والمالية، وجد فريق المجلس فائدة إضافية تتمثل في أن الخيول تساعد السكان على الارتباط بالضاحية التي يعيشون فيها، وهو ما يعد جزءا مهما من عمل الفريق.
ويضيف بوفي مازحا: “كل فرد يريد أن يلاطف الحصانين، وهو أمر مستحيل في حالة تشغيل سيارة لنقل المخلفات”.
كما نظم مجلس الضاحية رحلات لتمكين أطفال المدارس وكبار السن، من القيام بجولات في عربات تجرها الجياد في أنحاء الضاحية، وذلك قبل تفشي الجائحة.
ورغم ذلك، لا يشعر الجميع بالرضا عن هذا المنظر غير المعتاد، فعند التوقف التالي لعربة الخيول، تضطر بضع سيارات إلى التوقف أيضا خلف العربة انتظارا لتحركها، بينما يلجأ قائدو السيارات، وقد نفد صبرهم، إلى الأبواق مطالبين بالإسراع والتحرك.
وليس هذا الموقف بجديد على سيمون، والتي قالت لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ): “أحيانا تصدر السيارات أصوات النفير لأننا نسير ببطء، غير أن ردود الأفعال بشكل عام إيجابية، فكثير من الأفراد يتوقفون لتقديم التحية للحصانين والتحدث معنا”.
ورغم أن الخيول تجذب أنظار السكان، فإن تأثير هذه الطريقة على عملية جمع القمامة لايزال متواضعا نسبيا، لأن حصانين فقط يحلان محل سيارة نقل صغيرة. ولدى مجلس الضاحية أكثر من 100 سيارة لجمع القمامة، ويجمع فريق الخيول القمامة من الصناديق العامة وليس من المنازل. والآن صارت أماكن كثيرة في بلجيكا تستخدم الخيول في عمليات جمع القمامة.
ففي بلدة لويز إن هاينو، التي تبعد 65 كيلومترا شرقي شاربيك القرب الحدود مع فرنسا، تعمل الخيول في جمع القمامة خلال أيام خاصة، مثل أعياد الميلاد.
وفي هذا الصدد، قال المستشار البيئي للبلدة ماثيو دوبري لـ “د.ب.أ”، في رسالة عبر البريد الإليكتروني، “ان استخدام الخيول وسيلة جيدة للتواصل الاجتماعي مع السكان، وهم يشعرون بالسعادة عندما يأتون ويتحدثون مع العاملين، وهم يرون أنها لحظة لطيفة”.
ويرى دوبري أنه يمكن استخدام العربات التي تجرها الخيول في مجالات أخرى، مثل توصيل التلاميذ إلى المدارس، أو ري النباتات في المساحات الخضراء العامة. وفي الوقت الذي تأخذ فيه المؤسسات في العاصمة البلجيكية بروكسل عطلة، تحصل الخيول أيضا على استراحة، فهي تمضي ثلاثة أسابيع من كل صيف في المروج.
وخلال فترة الاستراحة، تقوم سيارات النقل بمهمة جمع القمامة لحين عودة الخيول مجددا.