مرفأ قراءة… «عين النقد».. مقاطع من سيرة ناقد عربي

إيهاب الملاح

  • 1 –

في عام 2000 وعن دار الكتاب المصري (ودار الكتاب اللبناني) صدر كتاب صغير الحجم يقع في 215 صفحة من القطع الصغير؛ بعنوان «تكوينات نقدية» موقعًا باسم الناقد والأكاديمي الكبير الدكتور صلاح فضل؛ وهو من هو في تاريخ الحركة النقدية والثقافية في مصر والعالم العربي في العقود الخمسة الأخيرة.
ثم، وفي عام 2016 صدر له كتاب آخر بعنوان «أطياف نقدية»، عن دار غراب للنشر، يضم مقالات ودراسات ويوميات في الأخبار تتعلق بقضايا وموضوعات تتصل بالنقد وهمومه، وتتداخل بعض موضوعاته مع الكتاب الأول، ثم جاء كتابه الثالث في دائرة الموضوعات ذاتها بعنوان «عين النقد» الصادر في 2018 ليكمل هذه الثلاثية السيرية النقدية الزاخرة؛ والتي تمثل من وجهة نظري (وبغض النظر عن أنها كانت في أصلها الأول مقالات منشورة في دوريات وصحف سيارة) لونًا من الكتابة النقدية “السِّيرية” التي يختلط فيها البوح الذاتي بالتأمل الموضوعي، والتنظير النقدي بالتطبيق النصي، و”نقد النقد” بالمعنى العام بفحص خطابات نقدية ذات طبيعة خاصة، وكل ذلك متداخلا مع التأريخ والتوثيق الذي يراوح بين الخاص والعام.
ينتمي صلاح فضل إلى جيل الخمسينيات في الحركة الأكاديمية المصرية التي كانت تحرص على ابتعاث متفوقيها إلى جامعات أوروبا للحصول على درجاتهم العلمية الكبرى، وكان من حظ الطالب المتفوق الذي تخرج في كلية دار العلوم السفر إلى إسبانيا للتخصص في الأدب الأندلسي والأدب المقارن.
ولم يفوت الطالب النابه الفرصة، فأتقن اللغة الإسبانية وأخذ نفسه مأخذ الجد والحزم والانضباط حتى أتم دراسته العالية بتفوق وحصل على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن، ومن حينها استهل نشاطه العلمي والثقافي بهمة عالية، وأخذ يراكم الإنجاز وراء الإنجاز ويملأ الدنيا بزاخر مؤلفاته وترجماته ومقالاته؛ حتى صار دون شك في الطبقة الأولى الممتازة من النقاد المصريين والعرب؛ وعلى رأس الرعيل الأول من النقاد والباحثين الموسوعيين في الأدب والنقد والحياة الثقافية والفكرية بعامة، الذي تتلمذ على جيل الرواد الأول وعلى تلاميذهم من الجيل التالي في الجامعة المصرية، ويصير حاليا على رأس الجيل الأكبر المخضرم في مصر والعالم العربي.

  • 2 –

ما يزيد على نصف القرن من العطاء الزاخر والنشاط المعرفي والنقدي الذي بلا شك يحتل مكانه ومكانته في مدونة الإنتاج المعرفي والنقدي العربي بجدارة وامتياز. لم يترك صلاح فضل تيارًا نقديا معتبرا لم يكتب عنه ولم يقدم إسهاما نظريا عربيا لمذاهب وتيارات النقد الجديد والحداثة وما بعدها، وكان له “فضل” التعريف ببعض أبرز هذه المناهج (كتابه «نظرية البنائية» وكتابه عن «الأسلوبية» وكتابه عن «منهج الواقعية في الإبداع الأدبي» كانت من الكتب السباقة والمبكرة في النقد العربي التي قدمت هذه المناهج والنظريات إلى القارئ العربي).
تخصص في الأدب الأندلسي والأدب المقارن، ودرس التيارات والمناهج النقدية المعاصرة، ونشط في الكتابة والتأليف والترجمة، وأسهم بنصيب وافر في النشاط الثقافي والأكاديمي والدبلوماسي العام، وتولى إدارة المعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد، وعمل أستاذا ومستشارا ثقافيا بالمكسيك، وكتب في الصحف والمجلات والدوريات المختلفة، وشارك في المؤتمرات والندوات والفعاليات البحثية والعامة.. من الصعب إحصاء الجوانب المتعددة والمتنوعة والمتداخلة لموسوعة ثقافية ونقدية تجسدت في شخص صلاح فضل الذي كان واعيا تماما بضرورة استجلاء هذه التجربة الثرية على كل المستويات وإعادة قراءتها وكتابتها معا فيما سيطلق عليه “مقاطع من سيرة فكرية”.

  • 3 –

يقدم صلاح فضل في كتابه الأخير «عين النقد ـ سيرة فكرية» (صادر عن منشورات بتانة 2018) نموذجًا ناضجًا وجريئًا وشجاعًا للسيرة النقدية (إذا جاز التعبير) تمتزج فيه رؤية الناقد الرصين صاحب الخبرة النقدية الوارفة والزاخرة بالشهادة التاريخية الذاتية على مرحلة زمنية، بل مراحل من العمر، عاينها وعاصرها الطالب النابه الذكي الذي ورث من جده الأزهري نبوغه وحسه الجمالي والنقدي حتى صار الناقدَ المبرَّز والأستاذ الجامعي الذي يشار إليه بالبنان، بكل ما أتيح له من ظروف وسياقات تأثر بها وتركت بصماتها على حياته ومؤلفاته، وإنتاجه النقدي ككل، ثم تقييمها بطريقةٍ علمية واضحة‏، امتزج فيها الذاتي بالموضوعي، والآني بالتاريخي، وفي الآن ذاته تميزت هذه المقاطع السيرية بأسلوب سردي شائق تجعل قراءتها متعة حقيقية زاخرة بالمتعة والإفادة معًا.
من بين أبرز ما يخرج به قارئ الكتاب هو ذلك الحس الرهيف للتأمل والنظر في أي ظاهرة كانت؛ ذاتية أو موضوعية، وإمكانية وضعها تحت مجهر الفحص النقدي الدقيق؛ دون الوقوع في فخ الإلغاز أو الغموض أو الابتسار. صلاح فضل من النقاد الذين يملكون ناصية التنظير بمقدار ما يحسنون من ضروب التطبيق والقراءة. يحكي عن نفسه كاشفا السياق الذي حدد مساره الفكري واحترافه النقد؛ يقول:
“في هذه المرحلة الجامعية، وحتى من قبلها، كنت قد اختبرت إمكاناتي الإبداعية في الشعر والقصة فلم أرض عنها، مارست نقد الذات بحدة، ونما لدي وعي نقدي جارف ينشب أظافره في كل نواحي الحياة؛ في السياسة والاجتماع والأدب والإبداع، قرأت مكتبة الإخوان المسلمين كلها، ثم شفيت بسرعة من حمى الافتتان بها، واطلعت على الأدبيات الماركسية في مصادرها المتاحة، فشعرت بأني مطعم ومحصن ضد الوقوع في لوثتها، أرجعت ذلك إلى الجرعة الدينية التي تشبعت بها في الصبا، لكن بقي في قلبي تميز لا أنكره لمن عشت وسطهم من الفقراء والمحرومين، فآمنت بالعلم والعدل والجمال، كان النموذج الثقافي الناضج الذي رسخه جيل الرواد في وجداني شديد الفعالية في تشكيل ذائقتي الجمالية ومنظوري الفكري”.
هذه الذائقة الجمالية وهذا المنظور الفكري هما اللذان سيبلوران فيما بعد النزوع التنظيري الكبير الذي برع فيه صلاح فضل؛ كان مدركا تماما أن “هناك حدودا فاصلة بين الكتابة والأدب، بين الفن والثرثرة، بين الثقافة واللا جدوى، وهذه الحدود لم تعد واضحة لافتقارها إلى المُنظر النقدي الدقيق الذي لا يرفض كل شيء ولا يقبل كل شيء، وإنما يؤثر الفحص والتأني وترسيخ منظومات قيمية جمالية وفنية وتطبيقها على الكتابة. هناك من يميل للفوضى ويفرح بها وهؤلاء الضعاف، ففي الفوضى يختلط الحابل بالنابل”.

  • 4 –

ثمة ثلاثة أسماء ستلعب دورها التأسيسي الغائر في تكوين صلاح فضل الثقافي والنقدي والإنساني معا. هذه الأسماء هي: طه حسين، ومحمد غنيمي هلال، ومحمد مندور. ستجد ذكر هؤلاء الثلاثة بالإضافة إلى أسماء أخرى يتردد كثيرا في ثنايا الكتاب وعبر صفحاته.
من بين أهم محطات مقاطع السيرة تلك التي يروي فيها صلاح فضل رحلته مع الكتابة؛ الكتابة النقدية بالتحديد، سواء في التأليف أو الترجمة، أو الكتابة المباشرة المتوجهة إلى قارئ الصحيفة أو المجلة الدورية؛ يقول فضل:
“لكن تجربتي في الكتابة، بعد أن اكتملت أدواتي الموهومة، وفي مقدمتها لقب “دكتور” كانت أليمة، إذ وجدت نفسي مغروسا في بؤرة التنظير لتيارات البنيوية، وما بعدها، بما يتطلبه ذلك من عرض الكشوف المعرفية، ومعاناة الصياغة الاصطلاحية، وممارسة عملية لتجديد أسلوب النقد وتحديث لغته، بحيث يبعد بالضرورة عن الكتابة التلقائية الممتعة، ويحرم من لذة البوح الشخصي الحميم، التماسًا للدقة المنهجية والصرامة العلمية. كان طلابي في الجامعة هم أول نقادي المتضررين، دائما تتعالى شكاياتهم من لغة الكتاب الذي أقرره عليهم ويُجمعون على عدم فهمه، كنت أعرف أنني أشقّ عليهم بهذه المناهج والنظريات التي لم يألفوها من قبل، وأبذل جهدا مستميتا في تبسيطها لهم وتذويبها في شكلٍ مستساغ، مما يخلق مفارقة حادة بين المستويين”.
طوال الوقت تظل هذه الإشكالية حاضرة في ذهن صلاح فضل، تلح عليه دائما ولا تفارقه (راجع مقدمته المهمة الكاشفة لكتابه الشارح الصغير «مناهج النقد المعاصر») كان واعيا طوال الوقت بضرورة اشتداد الحاجة إلى جسر للتواصل بين هؤلاء المقبلين على دراسة النقد وبين مصادره ومظانه الثقيلة.