ما قبل وما بعد..

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com
أصبح؛ في شبه المألوف؛ أن يظهر على الجمهور بين كل فترة وأخرى أناس متنطعون، يقولون ما لا يفعلون، وإذا قالوا إذا هم مستسلمون، وعن الحقيقة بعيدون، ألا إنهم ساء ما يفعلون، فإلى أي مصير هم ذاهبون، ومن ذلك أن يطل على الشاشة الـ “واتسأبية” أحدهم، أو إحداهن، فيقول أو تقول كلاما؛ نحن كمتابعين، أو متلقين لا ندري عن حقيقته شيئا، ونكاد أن نسلم لما يقوله وتقوله، وقد نتعاطف معه أو معها، ولا يستبعد أن نتبنى موقفه أو موقفها، وما هي “إلا قاب قوسين أو أدنى” إلا أن نقع في مصيدة هذا الالتفاف، حتى يداهمنا المشهد التالي، الذي يظهره، أو يظهرها، وقد اكتسى الوجه بالاحمرار من أثر الكدمات، والأطراف بالانتفاخات، والرئة باللهاثات، واللسان بتلعثم الكلمات، حيث يبرر أو تبرر، ويعلل أو تعلل، وينفي أو تنفي أن كل ما حصل قوله، وخفي فعله، وتجاوز في حقيقته، كذب وافتراء، وهو عن الحقيقة بعيد بعد مشرق الشمس عن مغربها، واعتذار صادق لا رجعة فيه عن ما تم في المشهد الأول، وتوبة نصوحا وندما، وعهدا أكيدا عن ما ينبئه المشهد الثاني، والخلاصة أننا الذين تحمسنا للمشهد الأول، وانصدمنا في المشهد الثاني نعيش كالبلهاء، فاخرة أفواهنا، متسعة أحداقنا، مرتبكة أحكامنا، منفعلة أنفسنا، غابت عنا الحقيقة، وانطوى علينا المكر والخداع، فإذا نعيش مأزقين لا ثالث لهما، مأزق هذا النصب والاحتيال الذي مورس علينا، ومأزق التأييد لفعاليات الحدث في لحظته الطرية، مع أننا لا ناقة لنا في كل هذا الالتفاف ولا جمل، سوى أننا أحد؛ أو إحدى متلقي هذه الرسائل التي لا نعرف عنها لا من قريب ولا من بعيد. لقد تجاوز رواد هذه الوسائل حدود اللياقة وأدب الحديث، في الاستخدام غير السوي، ولم يكتفوا بما ينثروه عبرها من سموم، وابتذالات، وتجاوزات في حق الآخرين، بل يجبروا الآخرين لكي يقعوا في مصائدهم، ولكن الجيد في مصيدة (قبل وبعد) أن لا تكون هناك فترة زمنية طويلة، حتى لا يتم التبني الحقيقي لمجموعة هذه الرسائل المغايرة لحقيقتها، وهذه المسألة لم تتوقف على إرسال المقاطع المرئية، بل حتى المقاطع الصوتية، والرسائل المكتوبة على صورة مقال، أو تعليق، والتي يكثر فيها أيضا السب، والشتم، وتقليل الجهود، وتكريس الصور النمطية في شأن قصور الخدمات، وكأن هؤلاء المنظرون، والمقلون أدبهم في الحديث، مع أبناء مجتمعهم منزهون من الأخطاء، وأن أعمالهم كلها بيضاء بلا استثناء. عندما سخر الله تعالى هذه الوسائل للناس، فهي بهذا التسخير نعمة جليلة، واستغلال هذه النعمة بما يرضي الله يظل من الإيمان الصادق، والتجاوز عن هذا التسخير يعد كفرا بها، لأنها توظف؛ حينها؛ في غير ما هيئت له، وما يجب أن تكون عليه، هذا جانب، أما الجانب الآخر، فمشروعنا بني آدم في هذه الحياة هو البناء والتعمير، والتعاون والتكاتف، وبالتالي فالإخلال في هذه القضايا، لا يقابل بالشتم، والسباب، وتجاوز الحقائق، وإنما يقابل بالنقد البناء الحقيقي، وبالوسيلة التي يستطيع الإنسان أن يتقدم بها، وهو ليس مكلف بأن يحل محل آخرين عندهم مساحة أكبر في توظيف وسائلهم، فأقلها، وأسلمها “إنكار بالقلب” فهذا هو التوجيه الرباني الحكيم، وبما أن الأمر يقف عند هذا الحد، فما هي الضرورة التي تستدعي أن نقع في مستنقع (ما قبل وما بعد) حيث لن تقوم لنا؛ بعد ذلك قائمة تذكر؟. أختم هنا بهذه الحكاية التي أهدتني إياها صفحة الـ “واتس أب” وتقول الحكاية: “اشترى فقير ثلاث برتقالات؛ قطع الأولى، وجدها متعفنه فرماها، وقطع الثانية فوجدها متعفنه فرماها، ثم أطفئ النور فقطع الثالثة وأكلها “. وذيلت الحكاية بهذه الحكمة البالغة الدلالة: (أحيانا نتجاهل لكي نعيش)