الروهينجا في باكستان يستنكرون «جريمة» الصمت العالمي

كراتشي – الأناضول: لحظات من الرعب لم تغب عن الذاكرة، ورحلات بحث عن الأحباء بينما العالم في حالة «صمت مخز» تجاه معاناة الروهينجا في ميانمار؛ والتي خلفت مئات من الهاربين من مذابح جماعية. جرائم وحشية لا تسقط بالتقادم، وثقها التاريخ وإن لم يكشف بعد عن كامل تفاصيلها، لاسيما الأهوال التي عاشها مسلمي الروهينجا، 25 أغسطس 2017، الحملة التي وصفتها الأمم المتحدة بـ«الإبادة الجماعية»، بعدما أُجبر نحو 860 ألف شخص على الفرار.
في كراتشي، جنوبي باكستان، لايزال إبراهيم حسين، أحد مسلمي الروهينجا الذين يعيشون في تلك المدينة الساحلية، حزينًا على وفاة العشرات من أفراد عائلته، بمن فيهم الأطفال الرضع..
وقال حسين (56 عامًا) إنهم «بذلوا قصارى جهدنا لتحديد مكان ابن أخته وابن عمه، خلال السنوات الثلاث الماضية».
وأضاف للأناضول: «اتصلنا بالعديد من منظمات حقوق الإنسان، بما في ذلك الصليب الأحمر، لمعرفة المزيد عنهم، ولكن دون جدوى». واستعاد حسين خلال حديثه شريط الأحداث الدامية «كانوا (عائلته) يحاولون الفرار معًا، ولكن سرعان ما تفرقوا، وبسبب التدافع أثناء الهرب من الموت، قُتل العديد منهم، وتمكن البعض الآخر من العبور إلى بنجلاديش، بينما فُقد الإثنين».

حواجز الاتصالات
ومنذ سبتمبر الماضي، أدى الحظر المفروض على الإنترنت والقيود على الاتصالات الهاتفية في مخيمات اللاجئين، في منطقة كوكس بازار جنوبي بنجلاديش، التي تضم أكثر من 1.2 مليون لاجئ من الروهينجا، إلى إعاقة جهود حسين لتحديد مكان الأقارب المفقودين. محمد طه، من الروهينجا الذين ولد ونشأ في كراتشي، لديه قصة مماثلة إلى حد التطابق مع مأساة إبراهيم حسين، حيث فقد خمسة على الأقل من أفراد عائلته، بينهم اثنين من أبناء عمومته، جراء الحملة الوحشية.
وتحدث طه عن معاناة البحث عن باقي أفراد العائلة منذ حملة جيش ميانمار، قائلًا «أقاربنا الذين تمكنوا من الوصول إلى بنجلاديش، يحاولون أيضًا تحديد أماكن المفقودين، ولكننا ما زلنا نفتقر إلى الأخبار». وأردف: «أصبح من الصعب للغاية حتى الاتصال بالأقارب الذين يعيشون في بنجلاديش، بسبب قيود الهاتف، لدينا اتصال محدود للغاية معهم، ونادرًا ما يتصلون بنا كلما سنحت لهم الفرصة للخروج من المخيم، والتحدث من مكتب اتصال عام». وتشير تقديرات غير رسمية، إلى أن مدينة كراتشي الساحلية، تضم أكثر من 400 ألف مسلم من الروهينجا، بدأوا بالتدفق إلى المنطقة منذ أوائل الأربعينيات، وقبل تأسيس باكستان، وهو أعلى رقم بعد ميانمار وبنجلاديش.
وحدثت أول موجة نزوح جماعي في عام 1942، بعد أول عملية لجيش ميانمار، أسفرت عن مقتل أكثر من 100 ألف من مسلمي الروهينجا.
واستوطنت غالبية اللاجئين الروهينجا، باكستان من 1970 إلى 1980، بعد رحلة طويلة وشاقة عبر بنجلاديش إلى الهند، ثم باكستان.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد هناك هجرات جماعية، حيث أغلقت الهند حدودها مع بنجلاديش، وفرضت قيودًا على السفر إلى الحدود مع باكستان.
جريمة الصمت العالمي
ورغم مأساة الأقلية المسلمة في ميانمار، إلا أن أكثر ما يؤذي الروهينجا هو صمت المجتمع الدولي، حتى عندما وصفتهم الأمم المتحدة، بأنهم أكثر الأشخاص تعرضًا للاضطهاد في العالم.
وقال نور حسين أراكاني، رئيس منتدى تضامن الروهينجا (مقره كراتشي) «لقد مرت ثلاث سنوات، ولم يتم فعل شيء ملموس لتحميل حكومة ميانمار المسؤولية عن الإبادة الجماعية، وإعادة التوطين الآمن لمسلمي الروهينجا، وبدلاً من ذلك، لازالت تمارس حكومة ميانمار جرائم الاضطهاد بحقهم».
وفي نوفمبر 2019، وافقت المحكمة الجنائية الدولية على بدء التحقيق في الجرائم ضد الروهينجا، وهي خطوة رفضتها ميانمار، التي ليست في الأساس طرفا في نظام روما الأساسي.
ويمثل نظام روما الأساسي «المعاهدة التأسيسية للمحكمة الجنائية الدولية، التي تسعى إلى حماية المجتمعات من الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان.
وفي 23 يناير الماضي، أمرت محكمة العدل الدولية، ميانمار بعرض تقرير يثبت اتخاذها تدابير لمنع الإبادة بحق الروهينجا، في ظرف 4 أشهر، بعد دعوة تقدمت بها
غامبيا لدى المحكمة.
واتهمت منظمة العفو الدولية، ميانمار بعدم الإقدام على أي خطوات من شأنها إنهاء الوحشية والتمييز ضد مسلمي أراكان، حتى مع وجود أمر من قبل محكمة العدل الدولية.
ومنذ 25 أغسطس 2017، قُتل ما يقرب من 24000 من مسلمي الروهينجا على يد القوات الحكومية في ميانمار، وفقًا لتقرير صادر عن وكالة التنمية الدولية في أونتاريو (OIDA).
ووثق تقرير أونتاريو، الذي يحمل عنوان «الهجرة القسرية للروهينجا.. التجربة التي لا توصف»، أن أكثر من 24 ألفًا من الروهينجا أُلقي بهم في الحرائق، بينما تعرض أكثر من 114 ألفًا آخرين للتعذيب الممنهج.
وأضاف أن ما يقرب من 18 ألف امرأة وفتاة من الروهينجا، اغتصبن على يد عناصر الجيش والشرطة في ميانمار، كما تم إحراق أكثر من 115 ألف منزل للأقلية المسلمة، وتدمير 113 ألف آخرين.
كما وثقت الأمم المتحدة عمليات اغتصاب جماعي وقتل -طالت أيضًا الرضع والأطفال الصغار-وحالات الضرب والاختفاء الوحشية التي ارتكبتها قوات ميانمار الحكومية.
ويواجه الروهينجا، الآن، تهديدًا بالإعادة القسرية من قبل بنجلاديش، على الرغم من عدم وجود حقوق المواطنة، وضمانات السلامة من حكومة ميانمار، التي تمارس التمييز والاضطهاد بحق الأقلية المسلمة.
وتعتبر حكومة ميانمار، الروهينجا «مهاجرين غير نظاميين» من بنجلاديش، فيما تصنفهم الأمم المتحدة «الأقلية الأكثر اضطهادا في العالم».