التوحّد .. معاناة صامتة تحتاج إلى عون ورعاية

محمود الرحبي
صحيح أنهم وحدهم مَن يُحسّون بحجم معاناتهم ومكابدتهم في مُواجَهة “غول” التوحّد، الذي يستفرد بهم ويسومُهم سوءَ عذاباته. ولعلّ العبارات التي ظللنا نسمع كثيرا أو نقرأ، من قبيل “اُطلبوا الصّبر من أمّهات مرضى التوحّد” أو “عائلات تعاني في صمت”، وغيرها الكثير، توجز هذه الحقيقة. لكنّ ذلك لم يمنعني، منذ زمن ليس بالقصير، من التفكير المتواصل في وضعهم المُعقَّد. فقناعتي كانت دوما أنّ من أكثر الأمراض مدعاة لأن يُجهَّز لها مركز كبير أو مستشفى خاص بمرض التوحّد، الذي صار يمسّ فئات واسعة في كافة المجتمعات الإنسانية. وما يحزّ النفس أنه في الوقت الذي تُولي معظم الدول للمصابين بهذا المرض اهتماما كبيرا وتُوفّر لهم رعاية خاصة وحاضنات حقيقية، ما يُمَكّنهم من التكيف اجتماعيا، نلحظ أنّ هذه الفئة في السّلطنة تتعرّض- مع الأسف الشديد- للاستغلال المالي الجشع من قبَل مراكز التوحّد المنتشرة في ولايات السلطنة لغرض تجاري بحت، ما دفعني إلى تخصيص مقالة لهذا الموضوع المعقّد. صحيح أن الدولة تساعد مشكورة في تحمل مصاريف دراستهم في هذه المراكز، ولكن المشكلة ليست في دعم مصاريف الدراسة مع غياب بيئة حقيقية حاضنة، إنما في تجهيز بيئة أو حاضنة متكاملة تكون تحت إشراف الدولة ورعايتها، تحميهم من استغلال هذه المراكز الضيقة ذات الهدف الربحي والمتقلبة – تقلب الطقس- في إداراتها وفنييها، الأمر الذي ينعكس سلبا على مرضى التوحد وطبيعتهم السلوكية الحساسة جدا، التي تحتاج إلى توفر ظروف وبيئة شديدة الخصوصية وعالية التنظيم. وما يزيد الوضعَ تعقيدا أن التوحّد -حسب آخر التشخيصات- ليس مرضا عقليا. بل هو أنكى من ذلك وأمرّ، فهو سلوكيّ بالأساس، إلى جانب كون المصابين به عادة لا يتكلمون.. سلوك ربما يشبه عاصفة في محيط صغير.. عاصفة تُحطّم كل شيء قد تصادفه في طريقها. لذلك فإن أفراد أسَر مرضى التوحّد عادة ما يعانون معاناة مركّبة ومتعددة، ليس أقلها العزلة وهجرانُ الزّيارات والاضطرار إلى حبس المُصاب وعزله، حتى لا يتعرّض كل من يشملهم محيطه لأضراره. لذلك فهم يعانون في صمت مضاعف، صمت الضّحية وصمت العائلة التي تحيط بها. ولهذا حين يزور أحدُنا بيتاً فيه طفل مصاب بالتوحّد يستنكف عن تكرار الزيارة، إلا مَن في قلبه كثير من طاقة التحمّل والتفهم. ومما يوجع قلب الواحد منا، مهما ملك من قدرة التحمّل، أن يتم استغلال هؤلاء المرضى ومصّ دماء أهلهم وذويهم، دون مراعاة لكل آلامهم وأوجاعهم. فكلّ هذه المكابَدات المركَّبة، من المريض وأهله، ربما لا تعني شيئا للبعض.. فهناك جلسات يضطر الأهالي لها، بعد يأس من الجلسات القصيرة لمراكز التوحد التجارية، حيث يُستغلّ فيها مرضى التوحّد برفع الأسعار، التي قد تصل، في بعض هذه المراكز، إلى مبالغ خرافية للجلسة الواحدة. ونحن نعرف أنه لا فائدة تُرجى من هذه الجلسات أصلا، عدا أنّ يأس الآباء يجعلهم يتشبثون بأية قشّة. إن أكثر ما يحتاج إليه المصاب بالتوحّد بيئة يتربّى فيها سلوكيا. وهذه البيئة يجب ألا تكون بيئةَ البيت أو المركز الضيق، وإنما بيئة واسعة، تُجهّزها الدولة بالأخصائيين وبالمُعدّات الضرورية للأطفال، حتى يجدوا فضاء مفتوحا من أجل الحركة والمرح وتفريغ طاقاتهم الزّائدة. لذلك ينبغي أن يكون ضمن هذه البيئة بعض من يرغب في الالتحاق بالعمل فيه، مثل أمّهات مرضى التوحّد، لكونهن بمثابة بيوت خبرة متنقلة.. كما أن الأمر يحتاج ليس فقط إلى عاطفة أمومة محيطة بالطفل المسكين، بل كذلك إلى رقابة مباشرة منهنّ. فسلوكيات طفل التوحّد غير متوقعة وغير مضمونة، ما قد يدفع المحيطين به إلى ممارسة العنف ضدّه، وهو صامت لا يستطيع حتى أن يُعبّر عن شكواه، فما بالك بإبداء رغباته وآرائه وهواجسه. في خضمّ ذلك، تعاني عائلات كثيرة الأمرّين في صمت وتكتّم شديدين. ويعيش أفراد بعضها في بيوت وشقق صغيرة وضيّقة، ما يضطرّهم إلى الاستنجاد بمدارس “تجارية” لا تشكل بيئة ملائمة لتطوير سلوك المريض ونموه. كما أن مكوث الطفل المريض فيها لا يتجاوز ساعات، ما يشكل له ما يشبه استراحة في بيئة مكوثه المؤقتة قبل رجوعه إلى البيت. وكأنّ العائلة تقصد بذلك أن تتخلّص منه وترتاحَ من متاعبه قليلا، قبل أن يعود ليباشر معاركه الحامية في البيت. وهذا ليس حلا، بل يزيد الأمور تعقيدا ويضاعف عذاب الطفل والأسَر على حد سواء. والحلّ أن تُهيّأ بيئة مجهزة يقيم فيها الطفل معظم ساعات اليوم، كما يحدث في عديد من الدول التي تُعِدّ بيئة متكاملة لمثل هذه الحالات. ونرى ذلك، مثلا، في فرنسا والولايات المتحدة وغيرهما من دول أدركت خطورة هذا الأمر وحساسيته وأهميته. والأمل كبير أن يكون هذا الشأن من أولويات الوزارة المعنية. إن عائلات مرضى التوحد يستصرخون بصمت شديد وكتمان، ونتمنى من الحكومة مد يد العون إليهم ومساعدتهم في محنتهم العظيمة…