كائنات الحنين

أمل السعيدية
نعرف الكثير من الأفكار، لكننا لا نستطيع صياغتها، تسبح في أذهاننا، ولا قوام محددًا لها، ومع ذلك تكاد حواسنا تدركها جيدًا، تتمثلها في لحظات دقيقة، من هذه الأفكار: «الحنين نحو المستقبل» أو «الحنين للبعيد» المرة الأولى التي قرأت فيها عن هذا النوع من التوق، كنتُ في التاسعة عشرة من عمري، في كتاب «تاريخ ويوتيوبيا» لسيوران، لا أحتفظ بالكتاب، مع ذلك أستطيع أن أتذكر شكل الصفحة، كان ثمة عبارة عن الحنين للصورة البعيدة في رسالة تضمنها هذا الكتاب، لواحد من أبرز الأسماء في عالم كُتاب العدم، الخدم الصالحين، الذين أنشدوا له، وأخلصوا له، حتى كرهوا الولادة، ورفضوا أن تمرر جيناتهم لآخرين. يستطيع هؤلاء على ما يبدو أن يمنحوا العالم، خَلقًا جديدًا وموحيًا، بنتاجهم الأدبي، الذي منح شابة صغيرة، القدرة على الإمساك بفكرة مقلقة مثل الحنين. يعيش بعض البشر في المستقبل، لا أدري إن صح أن نطلق عليهم وصف «كائنات مستقبلية» من أعراض هذا الشكل من الحياة، هو وجود نمط معين من العيش باستمرار لا يستطيع المنتمين لهذه المجموعة تجاوزه، فتفلتُ منهم لحظة الحاضر، تمر لتصبح ماضيًا أو شبحًا عصيًا يقف كحجر عثرة بينهم وبين ذلك المستقبل المثالي. تأتي هذه الصور غالبًا من مرحلة الطفولة، التي تعّرف فيها الإنسان على العالم لأول مرة، هناك يبدأ البعض بنسج صورة للمنفى البعيد عن قسوة الواقع المريرة خصوصًا في تجارب الطفولة القاسية، لكن مع ذلك ليست هذه سمة لصيقة بالكائن المستقبلي، فالخيال الخصب، وحيوية التجارب الذهنية التي يعيشها الإنسان عبر إحساسه لا عبر هذا العالم المحسوس، قد تجعله معرضًا أكثر من غيره للوقوع أسيرًا للمستقبل. بالتأكيد إن لهذا جانبًا مشرقًا، يدفع الإنسان للبحث عن الأفضل والأجمل، لكنه في الوقت نفسه، يعرضه للخذلان وخيبات الأمل في كثير من الأحيان. ينتمي كائن المستقبل، إلى الأدب والفنون، إذ أنه بحاجة مستمرة لتغذية تلك الصورة المتخيلة عن الفردوس المفقود. الكثير من الشخصيات الأدبية تتقاطع من حيث توقها للبعيد معه، فهي غير راضية عن واقعها، ويحركها نزوع مستمر للخلاص، تقترح عليه هذه النزعة وباستمرار البحث عن مخارج ممكنة واحتمالات لم تكتشف بعد، إن هذا الدافع كافٍ للنهوض يوميًا من على الفراش، ومن هنا يخرج بخلاصات عديدة نقرأها في تنويعات مختلفة هي قصص الأدب وعوالمه. فيروز تغني «أنا عندي حنين ما بعرف لمين» صوت فيروز بحد ذاته وسيط للحنين إلى عالم وواقع آخر، ومع ذلك لماذا من المهم أن نكون كائنات مستقبلية، لأننا إن لم يكن فهذا يعني بطريقة ما، أننا أسرى لهذا الواقع بكل وعورته وقسوته علينا. قد يكون الحنين للمستقبل هو أس عملية التغيير الجذرية لا تلك التي يحتاجها الفرد بل حتى المجتمعات لتنحل عقدة معطيات الواقع أو ما بات يعرف بالواقعية السياسية، ليكون ثمة أفق واسع، يعيش من أجله مواطنو هذا المجتمع.