مال بلاش

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com
منذ فترة ليست قريبة؛ نشر عبر صفحة الـ “واتس أب” مركبة حكومية ذات الدفع الرباعي محملة بـ “البرسيم” وكما هي العادة أجمعت الردود على رفض السلوك، وهذا التصرف، وعد ذلك إخلالا بالأمانة، وتوظيفا غير موفق لهذه المركبة التي سلمت لمهام غير تلك المهمة التي كانت عليها في الصورة، ومرة صادفت مركبة أخرى حكومية من المركبات الضخمة، ويقودها شاب صغير، ومعه مجموعة من الشباب في ذات السن، وكان اليوم يوم إجازة أسبوعية، ومرة ثالثة كنت في إحدى المناطق الصناعية التي تكثر فيها ورش الحدادة والنجارة وغيرها من الأعمال المهنية البسيطة؛ وكان يوم عمل؛ وإذا بأكثر من مركبة حكومية متوقفة هنا أو هناك، يقضي سائقوها أعمالهم الخاصة، وأستحضر نفس المشاهد لأكثر من مرة أن أجد مركبة حكومية إما عند أحد الشواطئ البحرية في الفترة المسائية، أو في إحدى الأودية في الإجازات الرسمية، وفي كل هذه المهام غير الرسمية توظف هذه المركبات لغير مهامها التي صرفت لأصحابها في الأصل. في فترة عملي في الحكومة، كنت أشاهد أكثر من زميل يأتي بأوراق امتحانات، أو بجداول صفية مدرسية، أو بمذكرات فيها معلومات مختلفة، حيث يقوم الأخ بنسخ هذه الأوراق لعدد الطلاب في صف ابنه أو ابنته، وقد تصل عدد النسخ إلى أكثر من (30) نسخة، ومرة تجرأت فسألت أحدهم عن ذلك، فرد علي بصريح العبارة: “انته مو يخصك” هذا مال الحكومة، وما أزعجني أكثر أن إحدى الموظفات الوافدات كانت تأتي بتقارير تصل صفحاتها إلى مئات الصفحات، حيث تنسخ كل هذا العدد الهائل بدون وازع من ضمير. من جميل ما قرأت عبر صفحة الـ “واتس أب” النص التالي: “يقول المتخصّصون في علم الاجتماع؛ ” إذا وضعت كمية من السكر أو الحليب في الشاي- وأنت في فندق- أكثر مما تفعل في المنزل، فإن لديك استعدادا للفساد” ويضاف إلى نفس النص: “إذا كنت تستخدم المزيد من المناديل الورقية أو الصابون أو العطور، في المطعم أو المكان العام أكثر مما تفعل في المنزل، فإنّه إذا أتيحت لك الفرصة للاختلاس فسوف تختلس”وفي نص تابع: “إذا كنت تقدّم لنفسك المزيد من الطعام الذي يمكنك التهامه في الأفراح والبوفيهات المفتوحة لمجرد أن شخصًا آخر سيسدّد الفاتورة، فإذا أتيحت لك فرصة أكل المال العام فستفعل” – انتهى النص -. المشكلة هنا، أننا نخاف على أنفسنا كثيرا، ولكن هذا الخوف نوظفه بطريقة غير صحيحة، نخاف على أنفسنا من الفقر، أو من القلة، أو من الحاجة، ولذلك نسلك كل هذه الممارسات التي ذكرت، وفي الوقت نفسه لا نخاف على أنفسنا من شيء يقال له حساب، وعقاب، وأن ذلك حاصل لا محالة، فإن أحدنا نجا من عقاب البشر، فإنه لن ينجو من عقاب رب البشر، ونحن عندما نمارس مع أنفسنا هذه المخاتلة السلوكية، ونعودها على ذلك في أكثر من موقف، فإن المسألة بها خلل تجب مراجعته “فورا” لأن فاتورة الحساب التي سوف تدفع ستكون قاسية، وأكثرها إيلاما أنها قريبة جدا، فأعمارنا مرهونة بلحظة زمنية قصيرة جدا، لا ندري متى تنسحب من الميدان، وبالتالي فالمراهنة على زمن أطول للتوبة، أو الاعتذار، ربما لن تتحقق لأنها قائمة على أمر لا نملك منه “قيد أنملة” ومجموعة الدروس التي نراها في فلان من الناس في آخر أعمارهم؛ أتصور؛ أنها كافية لأخذ العبرة. “مال بلاش” أو “مال عمك ما يهمك” هذه مصيبة المصائب، إن توغلت في النفس كقناعة عند الفرد، فالخروج منها ليس يسيرا، وفي المقابل فدفع ثمن الاستمرار سيكون ثقيلا، وهو حاصل؛ بكل تأكيد؛ طالت المدة أو قصرت، فقانون الحياة ليس فيه شيء مجاني، فكل شيء له مقابل، مهما صغر حجمه، وقل وزنه. فهل هناك من لا يزال لا يعلم بهذه الحقيقة؟!