كورونا .. موجات الصعود والهبوط وضحايا اللامبالاة

فتحي مصطفى –

وسط ارتفاع وانخفاض أعداد المصابين والوفيات بسبب الإصابة بفيروس كورونا، تتجسد أمامنا لعبة «شد الحبل» التي يفوز فيها من ينجح في جذب الآخرين تجاهه، أما أطراف اللعبة، فيكون الأول فيها هو الأحرص على عدم الإصابة بالفيروس الذي يتبع تعليمات منظمة الصحة العالمية والجهات الصحية الداخلية في بلاده، بالإضافة إلى الأطباء والمسؤولين عن حماية المواطنين والدفاع عنهم ضد الأمراض والأوبئة، والطرف الآخر، وهو الأضعف ولكنه الأكثر تأثيرًا، الذي لا يعبأ بما يجري ولا يهتم ضاربا بعرض الحائط كل التعليمات متشحا باللامبالاة، فلا يرتدي الكمامات، ولا يستخدم المطهرات، ولا يتبع أي من وسائل الحماية أو التدابير الوقائية بل ويتحايل عليها، وهناك من يتباهى بذلك.
فلم تلبث المؤشرات التي أعلنت هبوط أعداد الإصابات والوفيات في بعض بلدان العالم، حتى عادت من جديد إلى الارتفاع بصورة مخيفة، وسقوط ضحايا جدد، ونحن ما زلنا نعاني من تداعيات الموجة الأولى من انتشار الفيروس، وفق ما يؤكده الخبراء والمتخصصين، فما بالنا بالوضع عند حدوث الموجة الثانية، فلا أحد يتوقع حتى الآن كيف ستكون الإحصائيات والأرقام، كما لا يستطيع أحد تحديد موعد للقضاء على الفيروس أو انتهاء الجائحة.
ففي حديث للدكتور «تشانج وينهونج» أحد الخبراء الصينيين الذي يعمل مديرًا لقسم الأمراض المعدية في مستشفى «هواشان» في شنغهاي، أجرته معه «ITV News» قال فيه إن فيروس كورونا التاجي يمكن أن يظل معنا لمدة تصل إلى أربع سنوات، كما ادعى أن تفشي الموجة الثانية من المرض العالمي يمكن أن تحدث في وقت مبكر من هذا الخريف.
كما قال: إننا لا يمكننا القضاء على المرض في غضون عامين أو ثلاثة أو أربعة أعوام قادمة وفق ما نشرته «روسيا اليوم». ومع انتشار الفيروس الآن في جميع أنحاء العالم، يدعي الدكتور تشانغ أن الطريقة الوحيدة لوقف الانتشار هي بابتكار لقاح، وتأتي تنبؤات الدكتور تشانغ بعد وقت قصير من تحذير أكاديمي رفيع المستوى من احتمال ظهور موجة ثانية للفيروس في وقت قريب.
وفي ظل ارتفاع أعداد المصابين، اضطرت هيئة الأغذية والأدوية الأمريكية «FDA» إلى الموافقة على توسيع نطاق العلاج بعقار «ريميديسفير» لعلاج مصابي فيروس كورونا «المعتدل» بالإضافة إلى الحالات الشديدة منها، ليشمل الأطفال وجميع المرضى البالغين، ممن يعانون أو يوجد اشتباه بإصابتهم بـ«كوفيد-19»، بغض النظر عن شدة الإصابة بالمرض.
إذن فالخطر لا يزال قائما، بل ربما ازدادت خطورته التي يترافق معها ارتفاع في أعداد الإصابات، كما أن المشكلة ليست فقط في ارتفاع أعداد الإصابات، ولكن الأخطر من ذلك هو التداعيات التي تحدث نتيجة ذلك، وهي الإجراءات التي يتم اتخاذها للحد من انتشار الفيروس، سواء كانت خفض أعداد العاملين داخل المؤسسات، أو فرض حظر التجوال، وغيرها، ما يمثل عبئًا ثقيلًا على اقتصاد الدول، وهو التأثير الذي ينعكس بالسلب على الجميع، مصابين وغير ومصابين، حريصين على اتقاء الإصابة بالمرض، وغير الحريصين الذين لا يهتمون بمجريات الأمور، فضلًا عن القوى العاملة المؤقتة التي لن تستطيع توفير قوت يومها إذا ما حدث وأتت الموجة الثانية من الفيروس.
وليعلم الجميع أن العالم اعتبر فيروس «كورونا» من الأمراض المتوطنة، وهذا معناه احتمال عودته من آن لآخر، بغض النظر عن الموجات الأخرى المنتظرة، لذا نجد أنه من الضروري تفعيل العقوبات على المخالفين وتطبيقها بطريقة حاسمة، والإعلان عن أسماء المخالفين وعقوباتهم إذا تطلب الأمر، بصورة تحرجهم أمام الآخرين، سواء في الصحف أو عبر القنوات التلفزيونية، وحتى يكونوا عبرة لمن يخالف هذه التعليمات وهو اقتراح ربما ساعد في خفض أعداد الإصابات.
وثمة خطر آخر يلوح في الأفق أعلنت عنه الصين، وفق تقارير نشرها موقع «جنيس بوي ريبورت» الأمريكي، لمسؤولين صحيين في الصين، حيث حذروا من وجود التهاب رئوي غير معروف بدأ ينتشر داخل جارتها دولة كازاخستان، وتزايد أعداد الإصابة به بسرعة، وبرغم نفي المسؤولين في كازاخستان صحة هذه التقارير، إلا أن الصين أكدت أن جارتها تتعامل مع هذا الخبر بحذر للغاية، ونشرت تحذيرًا للمواطنين الصينيين على موقع السفارة الإلكتروني، قالت فيه: إن هناك مرض معدل الوفيات فيه أعلى بكثير من فيروس «كوفيد-19».
ما قلناه من قبل، وسوف نردده كثيرا، أن الجهود التي تبذلها الجهات الصحية وحدها لا تكفي ولن تقضي على الفيروس، فالمسؤول الأول والأخير عن نجاته ونجاة الآخرين هو الإنسان نفسه، فليكن كل شخص رقيب على نفسه، ويتقي الله في الآخرين، فاتباع التعليمات الوقائية ليس عيبًا، بل العيب كل العيب هو الالتفاف عليها وضرب عرض الحائط بها.