محمد العباس: الاختلاف هو أداة لفك احتباسات الفضاءات الاجتماعية المغلقة

تغطية : ماجد الندابي

نظمت الجمعية العمانية للكتاب والأدباء ممثلة في لجنة الدراسات والفكر فعالية عبر الاتصال المرئي استضافت فيها الناقد والكاتب السعودي “محمد العباس” وأدار هذا اللقاء الكاتب إسماعيل المقبالي، حملت عنوان “فوبيا الاختلاف”.
في بداية الجلسة تطرق محمد العباس إلى تعريف الثقافة وفق منظور اليونيسكو كونها مجموع العادات والتقاليد والموروثات التي تميز مجتمعا ما أو أمة ما من الأمم إلى أن بدأت الألفية الثالثة، أضيفت إلى هذا التعريف تصورات حديثة في الواقع انبنت على معاني التعدد والتنوع والتشظي والاختلاف، بمعنى أن أي مجتمع لا تقاس عافيته الثقافية إلا بما يحقق من هذه العوامل الجديدة، هذه الإضافة المثيرة للاهتمام لم تكن بريئة تماما وفي المقابل هي حالة استئنافية لمفهوم الثقافة في المعنى الأحدث، ففي الجانب السياسي شكلت هذه الإضافة مجموعة عوامل خطرة بمعنى أنها استخدمت في تفتيت الوحدة الوطنية والإجهاز على الدولة القومية، وتنشيط حالات الثقافات الفرعية، وربما برزت هذه الحالة بشكل واضح عندنا في العالم العربي في العراق، حيث برزت الثقافات الفرعية بقوة، وبدأت تتجه نحو التفتيت، ولكن لسنا بصدد القراءة السياسية لهذا الحدث، وإنما نتحدث عن الثقافة.
هذا البعد المتمثل في الاختلاف هو الذي استقر عليه التفكير الحديث في مفهوم الثقافة، ولذلك صارت الأمور تنحى في هذا الاتجاه، الاختلاف بهذا المعنى ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر إزاء مسألة من المسائل، فهو أبعد من ذلك بكثير، حيث إن فلاسفة الاختلاف من أمثال: فوكو، ودولوز، وغيرهم، رفعوا مستوى الاختلاف إلى معنى القيمة، بمعنى أنه منهج، بمعنى أنها تلك القيمة التي يختلف بها وتعاير بها مسائل مثل الهوية، والنظرة إلى الآخر، وغيرها من الأفكار الثقافية التي طرأت ضمن الدراسات الثقافية الحديثة، وهذا الاختلاف في المجمل لا ينفصل عن الاختلاف الذي نعرفه في الحياة منذ بداية الإنسان، وفي جميع الثقافات توجد حالة من الاختلاف، ولكنه في الدراسات الحديثة أخذ هذه الصبغة.
ومن ثم تطرق العباس إلى سؤال لماذا الاختلاف، مبينا: أنه هو أداة لفك احتباسات الفضاءات الاجتماعية المغلقة، وطرح محمد العباس مجموعة من التساؤلات وهي كيف نختلف، ولماذا نختلف، ومع من نختلف؟ وبين أن الاختلاف يشترط بالضرورة لمن يريد أن يختلف أن يمتلك فكرة، ومبدأ ورأيا وفي المجمل أن يمتلك نصا، فلا يمكن أن تختلف مع أي فكرة أو تيار أو جهة دون أن تمتلك النص، فالنص الذي يسميه ميشيل فوكو بأنه البنية الشكلية من الخطاب، والخطاب هو الصورة المتقدمة من النص، أما النص ذاته هو بنية خلافية في الأساس، لدرجة أن رولان بارت يقول: انه لا توجد كتابة بريئة، وهذه حقيقة لأنه عندما يكتب الكاتب أي كتابة أو أن ينتج أي نص، فهو يريد أن يأخذ القارئ إلى جهة ما من الجهات الفكرية أو الإيديولوجية وغيرها لأنه هو يمتلك قناعات يريد أن يوطنها في ذهن المتلقي، ولكن ما هو الفضاء الاجتماعي هذا الذي ينغلق إذا غاب النص، أو غاب الاختلاف.
ومثل العباس بالفضاءات التي يجب أن تكون منفتحة، ثم تغلق بناء على وجود قوى مهيمنة، وضرب مثلا بـ”صادق النيهوم” عندما ميز بين الجامع أو المسجد، وكانت الفضاءات السابقة هي فضاءات مادية تتمثل في المسجد والمدرسة والأسواق والميادين، وكلها فضاءات متشيئة مادية، ولكنه في اللحظات الأخيرة صارت هذه الفضاءات تتمثل في “وسائل التواصل الاجتماعية الإلكترونية، فهي تحتضن كل الثقافات وكل الأفراد، وهذا يمثل الزحف الهائل لكل القوى اتجاه هذه الوسائل مثل “تويتر” و”فيس بوك” وغيرها من هذه الوسائل، مثل رجال السياسة والدين، والرياضيين، والفئات العمرية المختلفة، كل فئات المجتمع تتجه في هذا الاتجاه.
وعاد العباس إلى حديثه حول مقولة صادق النيهوم، فهو يتحدث أن الاختلاف بين المسجد والجامع، فالمسجد هو محل عبادة تدخل إليه الناس وتؤدي الفرض ثم تخرج، ولكن الجامع حسب تصوره، هو المكان الذي يجتمع فيه الناس، ويتداولون فيه مختلف أمور الحياة، كيف يتحرك الجهاد على سبيل المثال في مرحلة من مراحل الدولة الإسلامية، وكيف يفكرون في المسائل الاقتصادية، وكيف تنتج الفكرة والمجادلات التي كانت تدار داخل هذا الجامع؟ في مرحلة ما من المراحل، تمت السيطرة على هذا الجانب ودخلنا في معادلة الهرم المقلوب، بمعنى أن الجامع بدل أن يكون هو مصدر لتوزيع الأفكار إلى المجتمع، صار هو الذي يتلقى الأوامر، حتى خطبة الجمعة تأتي مكتوبة، فيتلقنها إمام الجامع، ثم يلقنها للحضور، وهكذا انغلق هذا الفضاء، ومجمل الفضاءات التي تغلق يتم غلقها بهذه الآلية، المتمثلة في وجود قوى مهيمنة، وهي ليست بالضرورة أن تكون قوى سياسية، فمفاعيل السلطة ممكن أن تكون مفاعيل سلطة سياسية أو اجتماعية أو سلطة دينية، أو ثقافية، وقد يستغرب البعض كيف يمكن للثقافة أن تنغلق، أو كيف يمكن لقوى ثقافية أن تقوم بإغلاق محل اجتماعي؟ وذلك عندما يسيطر على المشهد تيار تقليدي بكل ما تحمله الكلمة من معنى فيتحكم في وسائل الإعلام والنشر في فرض قانون معرفي وأدبي وجمالي يحد من وجود أدباء من الجيل الجديد أو مجددين على أي مستوى من المستويات، وبالتالي يتحول التجديد إلى حالة مستنكرة وسط المجتمع.
ونحن دائما نركز على حالة الانغلاق في المسألة السياسية والمسألة الاجتماعية ولكنها تأخذ أشكالا مختلفة، وطالما وقعنا على مر التاريخ في هذه الانغلاقات في الفضاءات الاجتماعية، بين العباس أنه لا يفتح هذه الانغلاقات في المحل الاجتماعي إلا النص، الذي يشكل بنية الاختلاف، بمعنى أنه عندما تسيطر قوة في المحل الاجتماعي لا تسمح بظهور أي نص مخالف لما تريده، فتتكون ثقافة ذات بعد واحد، وترفض وجود أن نص مضاد أو موازٍ، والنص كما نعلم هو شكل من أشكال السلطة، وكل نص يحمل هذا البعد، والسلطة ليس بمعنى التحكم، وإنما بمعنى المرجعية، ولذلك نضالات الإنسان والمثقف على وجه الخصوص تمثلت في إنتاج المزيد من النصوص، ولا يمكن أن نتعرف على مجتمع إن لم تكن لديه من النصوص، وكل ما زاد عدد النصوص وزخر هذا المجتمع بهذه النصوص كل ما كان على درجة من الحيوية، ولذلك يفترض من المجتمع أن ينتج نصوصا سياسية واجتماعية وأدبية وأخلاقية وثقافية.
وبما أننا نتحدث عن عمان سأعمل بهذا الأمر بلقطة ثقافية تتمثل في حالة عمانية، ففي مرحلة من المراحل والمتابع للشأن العماني يعلم أن اتجاهات أدبية وتيارات معينة حكمت الساحة لفترة، لنقل مثلا في مرحلة من المراحل برزت أسماء كبيرة وقوية في قصيدة النثر مثل سيف الرحبي وزاهر الغافري ومحمد الحارثي ومبارك العامري، وعبدالله حبيب وشكلوا تيارا قويا في قصيدة النثر لدرجة أنها صارت هي العنوان الموجود في عمان، لم تكن الرواية حاضرة بتلك القوة في تلك المرحلة، في مرحلة متأخرة دخلت الرواية وكما قلنا في الرواية أنها هي التي تقدم صورة المجتمع، وأمثل هنا برواية “الباغ” لبشرى خلفان، ورواية “الأعتاب” لمحمد قراطاس، الروايتان تتحدثان عن مفصل مهم من تاريخ عمان السياسي والاجتماعي بطبيعة الحال ولكل رواية نظرة مختلفة في معالجة هذه المرحلة، لأن الذات التي كتبت رواية “الباغ” تختلف في منازعها الفكرية والاجتماعية والسياسية، عن الذات التي كتبت “الأعتاب” لا نميل إلى تفضيل رواية عن الأخرى، وإنما نتحدث عن روايات متوازية، هاتان الروايتان وغيرهما ممن تعاطت مع هذه الحقبة هي سرديات موازية للرواية الرسمية والمدرسية التي تقول إن هذا ما حدث في هذه الفترة، هذه هي قيمة النص الروائي أنه يكسر حدة النص الرسمي، قد يجاوره، وقد يستكمل ما نقص منه، وقد يعانده بمروية مضادة، الأمر ذاته ممكن أن نطبقه على رواية علي المعمري “بن سولع” حيث تعتبر وثيقة سياسية لمرحلة مهمة جدا في تاريخ عمان، ومرة أخرى لا نقول: إن ما كتب في هذه الرواية في الفيصل في تلك الأحداث إنما نسجل هذا النص كإسهام أدبي سياسي في تقديم صورة عمان وما حدث فيها باتجاهات مختلفة وبطريقة أدبية، وكذلك نتحدث عن رواية جوخة الحارثية التي فازت بالبوكر، “سيدات القمر” فهي وثيقة اجتماعية تتحدث عن فاصل طويل من تاريخ عمان مروية تقدم التاريخ الاجتماعي لعمان، قد يختلف حولها القراء ولكنها في نهاية المطاف تقدم صورة بقلم ذات موجودة في الداخل العماني وتريد من خلال هذا النص ليس فقط إمتاع القارئ ولكن الاختلاف بهذا النص عن نصوص أخرى، ولذلك يمكن النظر إلى كل الانفجار الروائي الذي حدث في الفترة الأخيرة في عمان من يريد أن يتعرف على عمان فمن الممكن التعرف عليها من خلال الروايات الأخيرة، وممكن أن يتعرف عليها من خلال مجمل السرديات التي تقدم كل منها زاوية رؤيا لما حدث في عمان ولما يمكن أن يحدث، وبالتالي أنا كمتلقٍ من الخارج أستطيع أن أتعرف على هذا المجتمع لأن هذه السرديات تتحاور مع الذات العمانية وتختلف معها، ونؤكد دائما على أنها تختلف مع بعضها ولذلك تختلف مع منظوري النمطي لعمان أو منظوري المبسط لما يحدث في داخل عمان.
معظم الدول العربية حدثت فيها انغلاقات وانحباسات وكان للنص دور في زحزحة هذا الانغلاق وأعطت فرصة للتسلل وفتح المسامات للخارج.