بناء الذات الوطنية

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com

العنوان؛ أعلاه؛ مغرٍ جدا، والمعنى الذي يتضمنه مشروع وطن بأكمله، وبكل مكوناته المادية والمعنوية، وكل الشعوب منذ البدء، تسعى ليل نهار لأجل تحقيق هذه الغاية “بناء الذات الوطنية” حسب تعبير الدكتور أحمد المسكري الذي جاء ضمن مقالته التي تحمل عنوان (اتفاقية السلام التاريخي.. من الشعارات إلى الواقعية السياسية) والمنشور في صحيفة “كيو بوست” والطرح هنا لا يتطرق إلى موضوع الكاتب لا من قريب ولا من بعيد، وإنما يذهب فقط إلى الكلمات الـ (3) التي يحملها العنوان.
وهذا البناء له استحقاقات كثيرة، عديدة ومتنوعة، نوعية، ومعيارية، ويضاف إلى ذلك العمر المتراكم لهذا البناء، فبناء هذه الذات لن يتم بين عشية وضحاها، أو بضغطة زر، عندها تصبح كل البناءات الوطنية متحققة، لا أبدا، وهذه المعايشة والمعاركة الزمنية تحتاج إلى أخذ دورتها الكاملة، كحال أي دورة حياة لأي كائن حي، لأن من يتحمل عبء هذه الذات عندما تصبح “وطنية” خالصة خالصة، هو هذا الإنسان الذي يعيش في مكوّن جغرافي معين، وبالتالي متى خرج هذا الإنسان من مكوّنه الجغرافي، إلى مكوّن جغرافي آخر، سيحتاج إلى زمن آخر من التأثير والتأثر، والتعليم والتعلم، حتى يكوّن ذاتا وطنية أخرى في الوطن البديل، وإلا عليه أن يعود سريعا إلى منشئه الأصل، حتى لا يعيش ازدواجية الانتماء، ويحمل صفة “الانفصام” طوال سنوات حياته.
فـ “بناء الذات الوطنية” ليست شعارات تشحن بها الخطب الرنانة التي تلقى على منصات المسارح في المناسبات، وإنما هي أبعد من ذلك بكثير، ومن يعيها على حقيقتها؛ لا شك؛ أنه يتعب، ويتأزم، وقد تمر عليه حالات من الحزن والألم واليأس، لأن الواقع الحقيقي لأبناء الوطن لن يتماثل ولن يتكامل في توظيف الـ “ذات الوطنية” بصورة مطلقة ولسبب بسيط جدا، وهو لتأثيرا تجاذبات الذات الخاصة، فما بين الذات الوطنية، والذات الخاصة ثمة إشكالية كبيرة ومتأصلة، فيها ما فيها من التصادم، وفيها ما فيها من النزاع، وفيها ما فيها من اختلاف الأهداف والرؤى والطموحات، ولذلك من تتحقق عندهم الـ “ذات الوطنية” الخالصة يقعون في المأزق الناشئ بين الذات الوطنية، والذات الخاصة، وبالتالي تحدث هذه المعاناة، لأن تحقيق حالة “الاندماج المعياري” حسب تعبير الدكتور عبدالغني عماد الذي ورد في كتابه (سوسيولوجيا الهوية – جدليات الوعي والتفكك وإعادة البناء) يذهب إلى الضرورة الحتمية في تطابق سلوكيات الفرد مع “المعايير الوطنية وهي معايير يحملها أبناؤه المخلصين الصادقين المؤمنين بقضيته كوطن متجرد بحياديته في التعامل مع أبنائه، لكونهم المشكلين لإرادته السياسية والاجتماعية، والاقتصادية والثقافية، أما بخلاف ذلك فالنقاش متوقف حتى يتحقق هذا المعنى بكل استحقاقاته.
ما هو موجود في حقيقة العلاقة بين الأوطان وأبنائها؛ وعلى مر التاريخ؛ كما نقرأ؛ أن هناك نوعا من المراوحة بين الاثنين، وهذه المراوحة يلعب فيها الأبناء الدور الأكبر، عند التسليم أن الأوطان تمثل حالة وجودية سرمدية لا تقبل التغيير في مفهومها أو مضمونها، وهذه المراوحة تتمثل في مجموعة المتغيرات والتبدلات التي يقوم بها أبناء الوطن، إما سلبا، وإما إيجابا، وفي جانب من هذا؛ على سبيل المثال؛ (فساد الحكومات) وهي حالة نمطية متكررة في كل التجارب والأنظمة السياسية، ولا يحد من استفحالها سوى القانون الصارم الذي يعلي من شأن الوطن كمكون وجودي، ويهذب الفرد كفاعل في مشروع الوطن لفترة من الزمن.
يقول مايكل جونستون في كتابه – متلازمات الفساد (الثروة والسلطة والديمقراطية) -: “أهم حقيقة بالنسبة لفساد حكومة الأوليغاركات والعائلات هي أن النخب الاقتصادية والسياسية الطموحة لا تشعر بالأمان. ففي مناخ من التناحر وانتشار الفرص السريعة النمو والضعيفة مؤسسيا يقوم أولئك ببناء دعم شخصي يمكنهم من استغلال الدولة والاقتصاد في وقت واحد، وحماية مكاسبهم ومصالحهم بكل وسيلة ممكنة” – انتهى النص -.
وهذه ديمومة قائمة تعاني منها كل الأوطان بلا استثناء، وهي واحدة من الصور التي تتصادم مع مفهوم “بناء الذات الوطنية” الخالصة.