د. الحسان شهيد: العقل الاجتهادي المعاصر يعيش غربة تاريخية وحضارية

غياب الأمة عن دورها الحضاري يضعها في مستقبل مجهول –

التقاه: سالم بن حمدان الحسيني –

يشكل المدخل المقاصدي للشريعة الإسلامية مسلكا جوهريا في استثمار المنظومة القيمية الإنسانية لأجل إنقاذ البشرية من الفقر الأخلاقي والعوز القيمي الجاثم على صدر الإنسانية، وعلى المسلمين الحذر من الفهوم الإعلامية التي زجت بالإرهاب في زاوية الإسلام، ومعالجة الظاهرة لا ينبغي أن تكون استجابة لدفوعات الهيمنة الأجنبية الغارقة في إرهاب الشعوب والإنسانية.. ذلك ما أكده اللقاء التالي مع د. الحسان شهيد – أستاذ التعليم العالي تخصص (أصول الفقه والمقاصد) جامعة عبدالمالك السعدي، كلية أصول الدين وحوار الحضارات بالمملكة المغربية.. مؤكدا أن العقل الاجتهادي المعاصر يعيش غربة تاريخية وحضارية وقيمية، وأن أمتنا في حاجة إلى أئمة عدول وعلماء أتقياء، يتجندون لنفي كل تحريف لنصوص الشريعة وفهمها من قبل الغلاة، وانتحال المبطلين لأحكامها، وتأويل الجاهلين لأصولها ومقاصدها.. تفاصيل أكثر نقرأها في اللقاء التالي:

مبادئ الإسلام قادرة على تحقيق مصالح الناس كافة.. هل لك أن تحدثنا عن أبرز المعوقات التي تقف في طريق الانتماء إلى الأمة وكيفية معالجتها؟
لما تستوفي الأمة أسس البناء القائم على الحصانة التربوية وبالمبادئ الإنسانية الأصيلة والممانعة الثقافية المكتسبة لشروط التواصل السليم والتثاقف الواعي مع الثقافات الأخرى الدخيلة، تكون جاهزة لإمكانات المدافعة الشاهدة، وتبدأ هذه المدافعة الحضارية بمهمة البلاغ والبيان وتستمر بواجب الأخذ على الأيدي، وتنتهي بنتيجة الشهود والشهادة وفق مبادئ عدة أهمها: أولا: أما البيان والبلاغ، فإن من أساسيات المشاركة الحضارية المعاصرة قيام الأمة بواجب البلاغ والبيان، وذلك لقوله تعالى: (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، تبشيرا بكل القيم المحتاج إلى قيامها وتمثلها بين الناس، وهذا الأمر يقتضي تسخير كل جهود الأمة واستثمار كل الوسائل الإعلامية والثقافية وغيرها في ذلك البلاغ.. وثانيا: الأخذ على الأيدي: وهذه المهمة الحضارية تقتضي بلوغ الأمة درجة من التمكين الثقافي والقدرة العلمية لاستثمارها في التحسيس بالمخاطر الكبرى التي تحدق بالقيم الإنسانية، والتي بزوالها أو المساس بها تضعف العلاقات القيمية في العالم، وإن غياب الأمة عن الفعل الحضاري من جانب مهمة الأخذ على الأيدي سيضعها أمام مسؤوليات جسام في مستقبل مجهول يتجه إليه عالم لم يعد أحد في منأى عن أزماته ومشاكله، كما أن الواجب الوجودي لا يمنع من التعاون والتلاقي مع حنفاء هذه الحضارة المعاصرة وشرفائها التواقين إلى إنقاذ القيم الإنسانية وشروط استمرارها وتشكيل جبهة إنسانية تراكم الجهود في هذا الاتجاه.
ثالثا: الشهادة العالمية: يقول جلّ وعلا: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ).. مبينا أن الشهادة الحضارية نتيجة ضرورية للمهام التكليفية المنوطة بالأمة أفرادا ومؤسسات ومجتمعات، من بيان وبلاغ وإصلاح وإنقاذ، كما أن هذه الشهادة من حيث هي إقامة الحجة الثقافية على الناس وإبراء للذمة الحضارية وبيان لحقيقة التكليف، ووصول الشرع، ستكون ترجمة وعنوانا للهيمنة الإنسانية والتصديق العالمي. فالبشرية اليوم أحوج من أي وقت مضى إلى من ينقذ مسار سفينتها المبحرة وسط كتل من الأمواج المغرية والمتلاطمة، حتى تستوي ناجية على شاطئ الجودي، ويشكل المدخل المقاصدي للشريعة الإسلامية مسلكا جوهريا في استثمار المنظومة القيمية الإنسانية لأجل إنقاذ البشرية من الفقر الأخلاقي والعوز القيمي الجاثم على صدر الإنسانية، وجاءت شريعتنا بمقاصد إكمالية للجانب الأخلاقي وبغايات إتمامية للبعد القيمي. وهو ما ينطق به حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». لذلك، إن عقلية الخرق الحضاري والإنساني الماثلين لدى إنسان الزمن المعاصر لا بد لها من دافع وكابح يوقف تسللها إلى باقي النفوس البشرية، ولن يتم ذلك إلا بمدافعة هذه القوى بكل الصور وتدافع يعتمد كل الوسائل المتاحة، وعلى رأسها قيم الحوار والتعارف والتفاهم مع حنفاء الحضارة المعاصرة وشرفاء الثقافات المتنوعة الحاملين لنفس الهموم والتواقين إلى عالم حر قائم على قيم نبيلة، ولنا في حديث السفينة الرائع خير تصوير لهذا المشهد العالمي الذي نعيشه اليوم، فقد جاء فيه.. «روى الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله في صحيحه: عن النُّعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا و َبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ، مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا».

نشاهد عبر بعض القنوات بين حين وآخر مشاهد وأعمالا إرهابية المتهم فيها منتمون إلى هذا الدين الحنيف.. ما هو تحليلكم لهذه الوقائع.. هل هي نتيجة أزمة فكرية؟ أم لها منحى سياسي هدفه تشويه هذا الدين الحنيف؟

في الحقيقة الإرهاب لا دين له ولا مكان ولا ثقافة، بل هو تصرف بشري يخبرنا التاريخ أن وجوده الفعلي لم يتوقف في أي ثقافة أو حضارة، وهذا من قبيل الصراع بين الإنسان وأخيه الإنسان، وتتعدد علل ظهور التطرف الداعية إليه ودواعيه، فمنها ما هو مرتبط بالواقع الإنساني والعالمي، ومنها ما له علاقة بالإنسان نفسه، ومنها ما له صلة بمجال فقه نصوصه المرجعية وفهم مصادرها، وظاهرة التطرف الطبيعي متصلة بشقه الذاتي المتأصل دون التطرف المسخر أي «التطريف»، لأن هذه الظاهرة بقدر تاريخيتها وامتدادها في الزمان، قد تم استثمارها لأغراض عابرة للمكان ومتجاوزة للإنسان. ومن هنا وجب على المسلمين الحذر من الفهوم الإعلامية التي زجت بالإرهاب حصرا في زاوية الإسلام، ومعالجتنا لهذه الظاهرة لا ينبغي أن تكون استجابة لدفوعات الهيمنة الأجنبية الغارقة في إرهاب الشعوب والإنسانية، إما بإرهاب عسكري صريح، أو مدني صامت، كما نشهده من حروب قيمية وبيئية ووبائية.
وأضاف قائلا: أما مقاربتنا الممكنة لمعالجة وتفكيك ظاهرة الغلو والتطرف
في سياقنا الإسلامي، هي الالتفات نحو الوجهة العلمية التي غالبا ما يؤتى منها السلم الأهلي والمدني والأمن الاجتماعي والإنساني، وهي التي يركن إليها في تأصيلها والتأسيس لها نظريا وحتى عمليا، وهذا غير مغفل في التراث المكتوب، وحتى الشفوي، إنما تجاوز ذلك إلى ما هو تنزيلي وعملي هو ما يدق ناقوس الخطر وأجراسه، مما يدفع إلى رده والتعامل معه. وذلك ما يؤكده حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين»، فأمتنا في حاجة إلى أئمة عدول وعلماء أتقياء، يتجندون لنفي كل تحريف لنصوص الشريعة وفهمها من قبل الغلاة، وانتحال المبطلين لأحكامها، وتأويل الجاهلين لأصولها ومقاصدها.

ورد في الحديث الشريف: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها».. أين يكمن التجديد الوارد هنا في نظرك؟

لاحظ معي الحديث يتضمن جوامع كلم وكلمات مفاتيح لفهم المقصود، فالنبي الكريم يؤكد في بداية الحديث على أن الله تعالى حافظ لهذه الأمة ببعث القادرين على التجديد، والبعث هنا إما جعل البعض محصلا لمؤهلات الاجتهاد، أو جعل البعض سببا لدفع القادرين على التجديد والنهضة، على سبيل الفروض الكفائية، والمؤهل للتجديد ليس بالضرورة فردا فـ»من للعاقل، إنما لا تعني فردا بالأساس فقد تكون مؤسسة أو معهدا أو أمة أو دولة.. ثم تجديد أمر الدين ليس هو تجديد الدين، فبينهما بون شاسع، فالدين في صفائه وكليته كامل بتشريعاته تام في نعمته. وما أحسب التجديد إلا ضرب من تمثلات عملية للقيم الدينية على الأرض. وبناء عليه، لا بد أن نعي أن الوجود الإنساني تتحكم فيه حركات مختلفة ومتداخلة، فهناك حركة التاريخ في بعده الزمني، وهذه خاضعة للمنعطفات الكبرى التي تمر بها المجتمعات الإنسانية، وفعل العقل يتلخص في رصد هذا التطور الكلي بدراسة السنن الكونية، والأسباب والعلل التاريخية، وهذا عمل اشتغل عليه ابن خلدون زمانه في مقدمة موسوعته التاريخية، ثم هناك حركة الإنسان في بعده الاجتماعي وما يتصل به من أعراف وتقاليد وسلوكات، وعمل العقل هو لحظ تلك التمثلات الاجتماعية والنفسية للإنسان باعتباره فردا وجزءا من مجتمع، وهو ما تقوم به الأعمال القانونية والعلوم الإنسانية عموما، ثم هناك حركة القيم في بُعدها الأخلاقي وهذه محكومة بالنظر الأخلاقي والبحث القائم على تقويم السلوك الإنساني، وتلك حلقات ثلاث لا ينبغي للعقل الاجتهادي بما تشكل به من علوم ومعارف أن يذهل عنها في سياق تجربته المعاصرة. وكل فصام بين تلك الحلقات سيجد العقل الاجتهادي المعاصر يعيش غربة تاريخية وحضارية وقيمية، وهو ما نلمسه اليوم في كثير من اجتهادات فقهائنا وعلمائنا. والذي أراه قمينا بالاعتبار في التجديد الفقهي أو قل الاجتهاد الفقهي مداخل ثلاثة: أولها: المدخل التوجيهي: وهو من أساس المداخل في التجديد الفقهي، فطرقنا التربوية تفتقر إلى إعادة تأهيلها باستصحاب الوقائع الإنسانية والمستجدات العالمية، وثانيها: المدخل التعليمي: لأن مناهجنا التعليمية التي خلّفها الاحتلال في القرن الماضي، تم نسخها مرات متعددة، والمطلوب معاودة النظر في برامجها ومقرراتها، باستحضار التنوع المنهجي المعاصر. وهذان المدخلان لن يتما دون ولوج من المدخل الثالث والأهم وهو المدخل التكاملي، لأن المجتهد كما كان في العصور الأولى لتأسيس المعرفة الإسلامية، والذي تجسد خصوصا في العقل الموسوعي الشامل لشتى المعارف؛ أصبح ضربا من المحال، والتكامل المعرفي قد أضحى ضرورة ملحة والحاجة إليه واردة خصوصا في العصر الحاضر المتسم بالتطور السريع والمتشعب بتعدد التخصصات الدقيقة، ومن هنا وجب التأكيد على هذا التكامل ليس من باب استفادة علوم المجال النصي من علوم المجال الكوني والإنساني فحسب بل من باب إمداد تلك العلوم الأخرى بأدوات ومناهج وكليات المعرفة العلمية في مجال الوحي.

هل لكم ذكر بعض المجددين في الفكر الإسلامي عبر العصور؟ وأيضا من المعاصرين؟

من المفكرين والعلماء رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه بنفيرهم الفكري والفقهي لإنذار أقوامهم، فكانوا أمة بعطاءاتهم كمحمد عمارة الذي غادرنا قبل أشهر، والمسيري وعلي عزت بيجوفيتش، وسيد قطب، والرافعي ومحمد الغزالي، ومالك بن نبي، رحمهم الله، وغيرهم كثير ممن قضى نحبه، ومنهم من ينتظر بعطائه العلمي كسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة الذي أسس لنهضة علمية وثقافية بكتاباته وتوجيهاته العلمية، والشيخ يوسف القرضاوي بكتاباته الجليلة والشيخ الريسوني بموسوعاته العلمية والمفكر طه عبد الرحمن بفلسفته الثاقبة وأحمد عبادي بمشروعه العلمي والمعرفي المميز بالرابطة المحمدية بالمغرب، ومحمد عابد الجابري بأفكاره الثرية، والأستاذ منير شفيق، والمفكر المغربي محمد أمزيان، والمفكر الباكستاني فضل الرحمن ومراد هوفمان وغيرهم كثير.

وقال د. شهيد: إنه من المؤلم حقا أن جزءا كبيرا مغيَّبا من ثقافتنا الدينية وحضارتنا الإسلامية؛ سواء عن المشرق أو المغرب العربيين، إنه القسم المنسي في الهند وباكستان وبنغلادش وماليزيا وكازاخستان وأزبكستان وأذربيجان، وإيران، وغيرها من البلاد، لا نعرف عنه إلا النزر اليسير، وأجزم بأن هناك ثروة معرفية وحكميّة غنيّة، ورصيد فكري وفلسفي ثري لم نطلع عليهما مليّا، ربما كان لحاجز اللغة أثرُه.. وما وصلنا منه إلا شذرات قليلة تداولتها الألسنة والمكتبات العربية، وهي أعمال تعود لعلماء كبار كل في مجال اختصاصه، البعض منهم لم نعرفه إلا بعد وفاته أو محاصرته، وكأن فكرنا العربي فكر أزمة وثقافة محنة، من أمثال أحمد ديدات والباكستاني وحيد الدين خان ومحمد إقبال والشاعر الحكيم «كبير» والماليزي محمد نقيب العطاس، وللأسف، بقدر إهمالنا للغة وانصراف بعض العقل العربي نحو الوجهة «الفرنكفونية» حرمنا من هذا الكنز النفيس والمنسي، ومما أسهم في ذلك هو اشتغال حركة الترجمة العربية على الأعمال الأوروبية والأمريكية – على قلتها – بدل تخصيص جانب مهم لأعمال ذلك الشطر الكوني.
وأوضح شهيد الذي التقيناه إبان حضوره ندوة تطور العلوم الفقهية المنعقدة ديسمبر الماضي بالعاصمة مسقط، ولا يزال متواصلا مع ملحق إشراقات، وقد أجرينا معه هذا اللقاء عبر البريد الإلكتروني الذي نشرنا الجزء الأول منه خلال رمضان الماضي: إن الزمن الذي كان العلم يأتي إلينا من بخارى، وسمرقند، وترمذ، وسجستان، وخوارزم وخراسان قد ولّى، والواجب الثقافي أن تُؤتى تلك البلاد ترجمة وبعثات علمية ومعاهد دراسات، واسمح لي بالقول أخي العزيز، ربما نحن واهمون..!! ونخشى أن يكون فكرنا الإسلامي المكتوب بالعربية هو الهامش أو المنسي، وما ذكرناه المرْكز والمِحور.. ولكننا قوم عن حقائق التاريخ والوجود غافلون.