وعد البحر والجبل

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com  –

قيل كثيرا إن قطاع السياحة المحلي أو العالمي يمرض ولا يموت، وارتبط ذلك بجهود بذلها القطاع للتكيف مع أوقات صعبة أو لتجاوزها، بيد أن تلك الجهود كانت في الغالب تتم من مجتمع الأعمال السياحي نفسه والقطاع الحكومي. الآن توجد بوادر تبلور عنصر جديد سيكون له انعكاسات إيجابية قوية على القطاع، خاصة السياحة الشاطئية والسياحة في الغابات والجبال والصحراء هذا العنصر هو الإنسان واحتياجاته المستجدة.
صحيح أن ميولا وجودية سابقة جعلت السائحين يتخطون بسرعة أثر الحوادث الإرهابية خلال ربع القرن الماضي، ما ساعد قطاع السياحة في البلاد التي تعرضت للإرهاب، وما أكثرها ، على استعادة التعافي عقب كل كارثة إرهابية… وكان هذا الميل يسير في المجمل على ما يمكن أن نسميه بلغتنا قاعدة -فلتنتصر الحياة ولنعمل ما علينا والباقي على الله.»، أي أنه انطوى على تحمل مخاطر والقيام بالتزامات. في أوقاتنا هذه صار حضور تلك القاعدة أعمق وأوضح كما سنرى.
كان ما جرى في الأقصر بمصر بعد حادث قتل عشرات السائحين في ساحة أحد المعابد الفرعونية عام ١٩٩٧ ، في رابعة النهار، قد قدم مثالا على النزعة الوجودية التي تحدثت عنها حيث عادت السياحة إلى الكثير من قوتها بعد أقل من ثلاث سنوات وكان المنظور أن انعكاسات الحادث البشع ستستمر لعقد على الأقل، إذ عاود الجمهور الزيارات لينتصر للحياة وليكن ما يكون.
الآن فإن ما نراه من شواهد يدل على أن الحصار الذي عاناه الناس بسبب كورونا ، والذي ترافق معه تراجع في الدخول، وزيادة في منسوب القلق من مستقبل سوق العمل ، لم يكبت أو يمنع الرغبة في السفر ، أو يجعل للخوف منه اليد العليا كما كنا نتصور، أو يؤخر أولويتها
في حياة وقرارات المواطنين أن العيش طويلا في الفضاء الرقمي عند جماهير بلا عدد، وزيادة درجة الانخراط في أداء الأعمال رقميا ، يطلق أو بصدد أن يطلق موجة عالمية جديدة من الطلب الملح على فضاء حقيقي فيه بحر وخضرة وساحات مفتوحة وأفق بلا نهاية تحت قبة سماء صافية
وفي تقديري أن بدء عودة النشاط السياحي إلى طبيعته حاليا، مدفوع بأمر كهذا بنفس درجة دفعه بالترتيبات
الحكومية المالية والصحية واستعدادات شركات الطيران والنقل و الفنادق ودور الضيافة للتعامل بقواعد صارمة تحمي الصحة من ناحية وتعطي العمل التجاري السياحي فرصة للتنفس من ناحية أخرى
لقد أبدع الناس أو شاركوا في إبداع الحلول التي تجعل عودة السياحة بسرعة ممكنة لأن السفر والبحث عن أفق مفتوح أصبحا وكأنهما من أساسيات الوجود في العصر الراهن . أي أن المسألة ليست فقط جهود مجتمع أعمال وحكومة لإعادة نشاط كثيف التوظيف وله إسهام كبير في الناتج في عدد كبير من الدول فحسب
ومن المصادفات أن يأتي انضمام المجموعة العمانية للطيران إلى الاتحاد الدولي للسفر والسياحة في نفس اليوم الذي أطلق فيه
«زوراب بولكاشفيلي» ، المدير العام لمنظمة السياحة العالمية ، أول تصريحات تتسم بدرجة ملحوظة من التفاؤل بشأن قطاع السياحة والنقل في العالم. وفيما يلي ترجمة لبعض مما قاله يوم ٢٢ أغسطس الجاري.
وهو يرتبط بالتطورات الواعدة في المجال السياحي وعلى نحو أبكر من المتوقع رغم كل العوامل المعاكسة وعلى رأسها بالطبع إعادة الإغلاق في دول ومدن ومناطق كثيرة. قال أمين عام المنظمة: إن إعادة فتح الحدود أمام السياحة مصدر ارتياح يرحب به الملايين الذين يعتمدون على قطاعنا. لكن هذا وحده لا يكفي ….في هذه الأوقات المضطربة ، يحتاج الناس حول العالم إلى رسائل قوية وواضحة ومتسقة….أما ما لا يحتاجون إليه فهو تحركات سياسية تتجاهل حقيقة أننا معًا فقط نكون أقوى وقادرين على التغلب على التحديات التي نواجهها.
لقد أدرك أولئك الذين يشغلون مناصب قيادية وذات نفوذ أهمية السياحة بالنسبة للوظائف والاقتصاد وإعادة بناء الثقة. هذه ليست سوى الخطوة الأولى. الآن ، يجب عليهم فعل كل ما في وسعهم لجعل الناس يسافرون مرة أخرى…. في الأسابيع الأخيرة ، قادت السياحة العالمية الطريق في إيجاد وتنفيذ الحلول التي ستساعدنا على التكيف مع الواقع الجديد بينما ننتظر لقاحًا قد يستغرق عدة أشهر….
إن 40٪ من الوجهات خففت الآن قيود السفر…. ومع ذلك ، في الوقت نفسه ، من بين 87 وجهة خففت قيود السفر الآن. … يُظهر هذا في الإصدار الأخير من تقرير قيود السفر الصادر عن منظمة السياحة العالمية.»
حديث مطمئن رغم أنه تضمن أيضا أن أكثر من نصف الوجهات السياحية العالمية لا زال معلقا تماما، وأن بعض من خففوا القيود انتكسوا جزئيا، لكنه أهمل تناول دور المواطنين أنفسهم في رد العافية إلى القطاع، وتحدث فقط عن الإجراءات الواجبة لحمايتهم والعاملين في القطاع بالطبع. كما لم يوضح أي المقاصد كانت أكثر تعافيا، فالمتابع يدرك مثلا أن السياحة الثقافية بل وسياحة المؤتمرات قد تتأخر في العودة قياسا إلى السياحة الشاطئية أو سياحة الخلاء. كما أن الجمهور الذي عاد هذه المرة لم يتحمل فقط وجود هذه الدرجة أو تلك من المخاطر الصحية لكنه تحمل أيضا تكاليف مادية لم يعد من السهل للأغلبية منهم تدبيره بسهولة كما كان سابقا. في النهاية ثمة ما يبشر بخير لدول كثيرة منها في منطقتنا المغرب وتونس ومصر وسلطنة عمان مع هذا النوع من العودة إلى السياحة.