كتابٌ ومرسمٌ جديدٌ على ضفاف رحلة فنية عمرها 20 عامًا

فنان لن يرسم نفسه على الإطلاق –
المُبالغة في المَديح قد تجعل الفنان يعتقد بأن العمل يَخلو من الأخطاء –
قيمة اللوحة المادية تبقى لوقت قصير وتذهب لكن القيمة المعنوية باقية للأبد –

حاورته – بشاير السليمية –

… كانت مواقف السيارات، حيث حددنا اللقاء ضيقة. ما فائدة أن تجد موقفًا فارغًا إن كنت لن تستطيع فتح الباب لتنزل؟ّ! بالكاد عرفت كيف أركن سيارتي، فيما جاء هو مسرعًا وأوقف سيارته دون عناء كمن يرسم خطًا بمسطرة، فسبقني. حسنًا، الميني كوبر سهلة عند الاصطفاف، قلت في نفسي.
طلبت أن نتحدث كما يتحدث الأصدقاء، أردت أن نتدفق في حديثنا ما دام حديثًا عن الفن، فقال لي: «الكلام وليد اللحظة صادق دائمًا»، لم أتوقف عن التفكير في «المدهش» الذي سيقوله فنان يبلغ من العمر 26 عامًا فقط بعد جملته تلك.

• بادر الفنان حارث الناعبي بالقول: يبدو أنك ترسم منذ الطفولة. – أرسم منذ أن كنت صغيرا مثل أي طفل يحب الإمساك بالقلم، كان أهلي يشجعونني على ذلك، لكنني لم أكن أرسم بكثرة. في أيام المدرسة رسمت أكثر، فلاحظ ذلك أحد المعلمين كان يدعى «سعيد النحوي» قال: إن مهارتي في الرسم تسبق عمري وشجعني على الرسم والممارسة. أذكر أنني كنت إذا أردت أن رسم فلانًا، يصبح شخصًا آخر لا علاقة له بالشخص المرسوم. الممارسة والتغذية البصرية والتغذية الثقافية أشياء مهمة طورت معها نفسي، قرأت في المدارس الفنية وعندي الكثير من الكتب الفنية، حللت وبحثت وفهمت التشريح في الوجوه، وتشعبت في مجالات عدة كالبورترية والمناظر الطبيعية، وحاليا اتجهت للتكعيبي كمحطة أقف فيها وأستمتع بجمالها. • إذن فهي رحلة طويلة. – على كل حال الفن تماما كما قال أحدهم: «وحش كبير يصارعك ويرهقك، وفي الوقت نفس يمهلك فإن عبثت به سيبرحك ضربا». • كيف يمكن أن لا يقع فنان ما في تقليد فنان آخر؟ – التقليد نوعان، أحدهما حميد والآخر خبيث، فالتقليد هو الخطوة الأولى نحو الإبداع، حيث يحاكي الرسام المبتدئ من سبقوه لكي يتعلم ويتطور، فالتقليد من أجل التعليم والاستفادة من الخبرة هو التقليد الحسن، فلا يمكن أن يأتي الإبداع من اللاشيء. فلا يمكن للفنان أن ينتج عملا متفردا من نوعه دون أن يمر بمرحلة محاكاة للوحات فنانين أو محاكات أشياء تحيط به، وبعدها يطلق العنان للتفرد بإبداعه وأفكاره، أما التقليد يصبح فيه متطفلا لأعمال الآخرين كي يقلدها وهنا يظل على نفس المستوى غير متجاوز لظله. • وكيف يمكن للفنان إذن أن يخرج خارج نطاق المألوف في الفن. – سمعت الفنان يوسف النحوي ذات مرة يقول يجب أن نجرب لكي نتعلم، وإلى الآن كلماته في أذني، لأنني بالفعل أرى ألوانه خارج عن المألوف وتملأها الجرأة، ولكن أيضًا يجب الإطلاع بالإضافة إلى التجربة والجرأة. • كيف يبدو مسارك الفني حاليا؟ – في الفترة الأخيرة بدأت أميل للتكعيب أكثر من أي شيء آخر على الرغم من أنني فنان واقعي أتبع المدرسة الكلاسيكية والواقعية وهذا يحدث، هناك بعض الفنانين في فترة معينة من حياتهم يتبعون منظورا معينا، قد يستمرون فيه وقد يعودون للمدرسة الواقعية. الفنان بول سيزان مثلا رسم في المدرسة الانطباعية وقد كان له تأثير كبير في العديد من الحركات الفنية كالوحشية والتكعيبية والتجريدية، وسبب أسلوبه تغيير كبير في تاريخ الفن الحديث، حيث انتقل فن التصوير من المدرسة التي نشأت في القرن التاسع عشر إلى المدرسة التجريدية الحديثة التي ظهرت في القرن العشرين. • هل ثمة ما تبقى لديك من المرحلة الأولى؟ – ابتسم وقال: عندي دفتر قديم، ما زلت أحتفظ به حتى الآن، لدرجة أن أوراقه أصبح لونها داكنًا، كنت كلما رأيت صورة جميلة أو خطا عربيا مثلا أرسمه على الدفتر ومع أن خطي سيئ إلا أنني أرسم الخط، كما رسمت الوجوه على ذات الدفتر، ولم أكن متمكنا بعد. والدي كان رسامًا، ملأ بيتنا كله برسوماته على الجدران، ولكن الحياة أشغلته فترك الفن. • إلى أي حد يمكنني القول أنك قد تفعل ذلك أيضا وتترك الفن؟ – بالنسبة لي لن أترك الفن مهما حدث. 80% من حياتي فن، لا أستطيع النوم قبل أن أفكر به، يكاد لا يغادر رأسي حتى وأنا أتحدث مع الناس، هل تعرفين بم أفكر الآن وأنا أتحدث إليكِ؟ • بمَ؟ – باللون البني للطاولة التي بيننا ودرجاته اللونية التي يمكن أن يعطيني إياها، حتى كوب قهوتِك هذا أفكر بأي منظور هو؟ نادرا ما يتفرغ عقلي للتفكير بأشياء لا تمت للفن بصلة. • ما هي اللوحة التي لن ترسمها إطلاقا؟ – لن أرسم نفسي. هناك الكثير من الفنانين يرسمون أنفسهم، لكن أشعر أنني لو رسمت نفسي ستكون رسمة غير منتهية سأعيدها مئات المرات، لأنها لن ترضيني، ولأنني أحفظ ملامحي، ولا أعتقد أنني سأنتهي منها أو أنني سأبدأ فيها حتى. • أخذتني إجابته عن هذا السؤال إلى صاحبة أول رسم سيلفي في التاريخ كما يطلق عليها، الفنانة المكسيكية فريدا كاهلو وعن رسمه النفسها من خلال المرآة المعلقة على سقف غرفتها، فسألته سؤالا معاكسا عن اللوحة التي يتمنى رسمها. – لدي قائمة من الأشياء والأشخاص وأتمنى رسمها، منهم والدي، أريد أن أرسمه في لوحة لم يرسمه فيها أحد من قبل، لوحة لن يكون قبلها ولا بعدها لوحة، مصمم جدا على ذلك. • أرى أنك تقيم ورشا مجانية للرسم! – أنا مع الجانب الداعم دائما، وبدون مقابل أحب أن أعطي دروسا في الرسم. • هل هناك ما يجعلك تتبنى ذلك؟ – ضحك قبل أن يجيب: هناك ما يجعلني أتبنى ذلك. في بداياتي كنت أتمنى أن يعلمني أحدهم لكن ذلك لم يحدث، فقمت بتعليم نفسي بنفسي. شيء آخر هو أنني لو كنت مع نفسي لأربعة أشهر سأنتج فقط لوحة واحدة، لكنني لو درست خلال هذه الأربعة أشهر خمسة فنانين كم لوحة سأنتج؟ والحقيقة أنني لا أحضّر للورش، لم أفعلها إلا مرة واحدة. • هل يمكن للفنان أن يقتات من الفن؟ – أنظر للفن على أنه شيء غير مادي أبدا، إحدى لوحاتي وهي لوحة القلعة عرض علي بيعها بمبلغ كبير ولم أبعها، لأن قيمتها المعنوية أكبر من قيمتها المادية، المادة تبقى لوقت قصير وتذهب لكن القيمة المعنوية باقية للأبد، ومع ذلك. نعم يمكن للفنان أن يقتات من الفن. • ألم تبع لوحة لك من قبل؟ – هزّ رأسه مبتسما بالنفي • فقلت «ولا مرة؟» – فهزه مجددا • واللوحات التي تتكدس في منزلك؟ ماذا أنت فاعل بها؟ – تصاحبني في المنزل، وقد أقيم معارضا، وعلى كل حال ما زال لدي مكان في البيت أضعها فيه. • وحين تمتلئ الجدران ولن يعود هناك متسع للوحات أخرى؟ وتكون قد استنفدت كل الفراغ؟ – سأقرر أن أبيعها، ستكون هناك فكرة أيضا، وتابع وهو يبتسم كمن تورط فعلا «فكرة بطباعتها وبيعها»، أمي وأنا دائما نتجادل حول التكدسا لحاصل، أتعرفين أن عددًا من لوحاتي تعرضت للسرقة؟ ولم تكن لوحات صغيرة البتة. • كيف حدث ذلك؟ – كان عندي مرسم وتوجد به لوحاتي، ذهبت إليه ذات صباح فوجدته خواء، تأثرت جدًا لأني لم أر إلا الغبار والجدران، لوحاتي اختفت. شعرت بحرقة، كان ممكنا بالنسبة لي أن أفقد كل شيء إلا لوحاتي، ولم يكون أي تعويض بديلا لأي لوحة من لوحاتي التي فقدتها. • أفهم إذن أن لوحة «القلعة» أعز لوحة على قلبك؟ – نعم، بسببها اتصلت بأمي وأنا شديد التأثر بعد الحادثة، لأنها لوحتي الأولى وقد رسمتها لأجل أمي أساسا لأنها طلبت مني أن أرسم شيئا آخر غير الوجوه، فكانت أول لوحة زيتية ورسمت فيها الطبيعة، فاخترت قلعة نخل لأن أمي من مدينة نخل، لذلك كانت شيئًا لا يمكن أن أبيعه مقابل أي مبلغ من المال. • كيف تتعامل مع شعورك بالرغبة لاستعادها دون قدرتك على ذلك؟ – قال بحزن شفيف: «أراها كل يوم، يمكنك القول أنه لا يمكن أن يمر أسبوع دون أن أرى صورتها على هاتفي» ولا أبالغ بقول ذلك، والحقيقة هذا ما أفعله على الدوام منذ 2014، لو أن أحدهم قال لي إن اللوحة اتسخت أو شابها مكروه كنت سأتضايق بشدة فكيف أن يقال لي أنها سرقت؟! بعد تلك الحادثة بقيت في صدمة لفترة طويلة حتى أنني لم أستطع النوم وقتها، وبالنسبة لي فإن أي شيء يخص لوحاتي يؤثر بي كثيرا». • هل حدث وأن قال أحد ما شيئا عن لوحاتك وأسعدك كثيرا للحد الذي لا تستطيع نسيانه وكأنه قيل الآن؟ – لم يأخذ وقتًا ليذكر فقال مباشرة: أنور سونيا قال مرة: «لوحاتك التكعيبية عزف، عندما أراها أشعر أني أسمع موسيقى». • ما أثر غياب النقد الجاد عن الساحة الفنية في رأيك؟ – دائمًا ما نُلاحظ المُبالغة في المَديح، ولا يوجد هناك تصحيح صائب للفنان، مما قد يجعله يعتقد بأن العمل يَخلو من الأخطاء، وقد يستمر عليها وعلى تكرار الخطأ، وقد يعتقد بأنه وصل إلى صُلب الفَن والأسلوب الفني، وأحيانًا نُلاحظ أيضًا أن الفنان لا يتقبل أي انتقاد وإن كان بناء، من جانب آخر قد يأخذ هذا الدور من ليس له معرفه بالنقد وهذا يؤثر سلبًا على الفنان. وكل ذلك يؤثر كثيرا على مستوى الفن لدينا ويمكن أن نلاحظه دائمًا في انتقادات العامة أو من الفنانين أنفسهم، بأن بعض المعارض ضعيفة، وما نسمعه دائمًا هل هذا ما تدعونه فن «كلنا نعرف نشخبط» لعدم وجود الأعمال القوية التي تُعرض في المعرض، وهذا قد يُقلل من المستوى المادي والمعنوي للوحة وللمعرض بشكل عام. القوي في العمل. • كيف يمكن أن ننشر ثقافة الفن والقدرة على التلقي الصحيح للوحة؟ – عندما تنتشر المؤسسات والدور الفنية في المجتمع، ويحظى الفن بمكانته وتأثيره، وعندما يوظف الفن وتوظف اللوحات التوظيف الصحيح، وتنتشر ثقافة اللوحة والرسائل التي قد تنشرها اللوحات، وعندما يعي الفنان بما يملك من الفن ويبتعد عن العبث فيه، ويبتعد عن حب الظهور. الفنان لا يحتاج إلى مواقع التواصل الاجتماعي لينشر فنه، الفنان يحتاج لبيئة خصبه لينتج، ويثبت نفسه في لوحاته وتتاح له الفرصة ليؤثر في المجتمع، ولا أقول أن وسائل التواصل لا تجدي نفعًا، بل تساعد على المعرفة والتواصل، ولكن أرى التماس واقع اللوحة لمن يراها أمامه، في السابق لم تكن هناك وسائل تواصل ولكن نرى أنه هناك فن حقيقي، هناك علاقة كبيرة بين دور الفن ومؤسساته في أي مجتمع وحركة هذا المجتمع وتطوره، إذا وظف الفن التوظيف الصحيح وإذا قرأنا في التاريخ سنرى أنه الفن كان له دور كبير حتى في الأمور السياسية كما حدث للفن أثناء الفترة النازية في ألمانيا في المرحلة الستالينية في الاتحاد السوفييتي السابق حيث استغل الفن بشكل عام للترويج لأيديوليجية الحزب الواحد وتعظيم القائد الواحد بشكل عام. وأيضًا يؤثر الفن على حركة المجتمع، فإن الفنانين خلال نتاجهم الفني أتوا بمعالجات للواقع أو تحسين هذا الواقع ودور الفرد فيه، فالوعي يجب أن يبدأ لدى الفنان بالنفس وثم ينتشر للمجتمع حيث يجب أن يكون الفنان مثقفًا مطلعًا، ويجب للمجتمع أن يوفر للفنان البيئة المناسبة. • في الأخير، ما الذي تخطط له في الوقت القادم؟ – أحد مشروعاتي الفنية سيرى النور قريبًا، في الأسابيع المقبلة، آلا وهو «مرسم»: بيئة فنية تجمع الفنانين والموهوبين والمهتمين بالرسم تحت سقف واحد، يوفر مساحة حرة للممارسة الفن وتنميته وتطويره وذلك من خلال الورش والمعارض الفنية التي ستقام بين أرجائه. يتكون المرسم من أقسام مختلفة مُكملة تساعد الفنان على تسخير الطاقات الإبداعية الكامنة كما يوفر جميع الأدوات الفنية اللازمة والأساسية لأي عمل فني. وأضاف: أعمل الآن على تأليف كتاب في استخدام المنظور الهندسي في اللوحات الفنية، كل ما أستخدمه في الكتاب نماذج عمانية وبأسلوب مبسط للطلاب وميسر لكل من أراد تعلم المنظور، فهذا الكتاب طوعت فيه فهمي للمنظور الهندسي وكيف يمكننا فهمه وتوظيفه توظيف فني.