هيكلة جديدة أم بنى سياسية مختلفة؟

عاصم الشيدي

لم يكن يوم الثلاثاء الماضي يوما عاديا في تاريخ عمان الحديث. كان ثمة حدث مهم ترقبه العمانيون طويلا بعد أن أعلن جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم نهاية فبراير الماضي نيته إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة. ورغم أن جلالة السلطان- أعزه الله- أعلن في ذلك الخطاب التاريخي الذي وصف بأنه «خطاب عقيدة»، الكثير من المسارات المستقبلية المهمة لعُمان إلا أن أمر إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة كان أكثر ما ترقبه العمانيون وما استبشروا به، فقد انتظروا منه مخرجا للكثير من التحديات التي تواجه المرحلة والتي لا تبدأ بما وصف حينا بالترهل أو تشتت الاختصاصات بين الكثير من الوحدات والمؤسسات ولا تنتهي مع التحديات الاقتصادية التي يمر بها العالم وبينها عُمان جراء الأزمة المالية وتداعيات جائحة كورونا. وعلى مدى خمسة عقود مضت كان الجهاز الإداري للدولة يشهد عملية تحديث وتغيير مستمرة تتواكب مع متطلبات المرحلة ومقتضيات البُنى الداخلية للمجتمع العماني، فظهرت وزارات واختفت أخرى، وتحولت وزارات إلى هيئات عامة وخلال كل ذلك زاد عدد الوزارات والهيئات كثيرا.
وجاءت الهيكلة التي وعد بها جلالة السلطان في بداية عهده وحولت الحكومة إلى حكومة «رشيقة» وفق المصطلح الذي تداولته وسائل الإعلام في المرحلة السابقة قابلة أن تتواكب والمرحلة الحالية، فقلّ عدد الوزارات إلى 25 وزارة وعدد الهيئات إلى 10 بعد أن كانت 19 هيئة عامة ومؤسسة. وحُلّت الكثير من التداخلات في اختصاصات الكثير من وحدات الجهاز الإداري للدولة وصار بإمكان الحكومة أن تنطلق وفق رؤية عمان 2040، وهي رؤية طموحة نحو المستقبل شارك جميع العمانيين في صياغة أهدافها وفي تحديد معالمها.
وإذا كان الترقب قد استمر قرابة ستة أشهر فإن الهيكلة جاءت ملبية للطموحات كثيرا، كما جاءت بحجم الطموحات الشعبية لعُمان الحديثة التي تترقب العام القادم بدء رؤية جديدة وعصرية هي رؤية «عمان 2040» التي أشرف على تفاصيلها جلالة السلطان نفسه.
لكن علينا أن نقرأ الهيكلة الجديدة بشكل أعمق من كونها دمجت وزارات وألغت وزارات أخرى، لأن هذه القراءة من شأنها أن تعلمنا بآلية عمل الحكومة في المرحلة القادمة. فأكثر ما نسطيع قراءته من هذه الهيكلة أن كرست فكر اللامركزية والبعد عن التعقيد في طريق حكومة قادرة على انجاز المشاريع وابتكارها. وهذا ما يتضح مباشرة في هيكلة المحافظات التي يمكن القول أنها تحولت إلى نوع من الإدارة المحلية وهو نوع ناجح في الكثير من الدول المتقدمة. وكانت تجربة المحافظات في السنوات الماضية تجربة مهمة بدأت في تكريس الإدارة المحلية ولكن نظرا لحداثة التجربة في أغلب المحافظات بقيت النتائج محدودة خاصة وأن صلاحيات تلك المحافظات كانت محدودة.
والمطالع لصلاحيات واختصاصات المحافظات في الهيكل الجديد يتضح له جليا مؤشرا لنوع جديد من العمل المحلي يتوافق ومتطلبات الإدارة الحديثة التي لا تؤمن بالمركزية خاصة عندما يتعلق الأمر بالمشاريع التنموية ومشاريع الخدمات التي ينتظرها الناس ويترقبونها في محافظاتهم. وكل هذا من شأنه أن يسهل العمل ويزيل عنه التعقيد وتصبح أفكار الناس في كل محافظة أكثر قدرة على التحقق على أرض الواقع.
إلا أن النقطة الأهم في محاولة القراءة العميقة لموضوع الهيكلة هي فكرة البنى التي قام عليها تشكيل مجلس الوزراء والهيئات الحكومية.. ففي الوقت الذي كانت البنى تقوم على اعتبارات كثيرة تفرضها الكثير من المعطيات المنطلقة من عمق المجتمع العماني وتركيبته الديمغرافية، تشكل مجلس الوزراء الجديد على بنية الكفاءة وحدها دون النظر إلى اعتبارات أخرى وهذا من شأنه أن يكرس فكرة دولة المؤسسات.. ولذلك يمكن القول إن هذه أول حكومة تتشكل في عمان منذ السبعينات على بنية «تكنوقراطية» تنطلق من جوهر الخبرات العلمية والعملية التي يمتلكها الوزراء ويمكن أن نقول تجاوزا، أيضا، أنها «حكومة خبراء» في مجالاتهم وهذا النوع من الحكومات حقق نجاحا كبيرا في الكثير من الدول وبشكل خاص في الأوقات الصعبة التي تحتاج إلى فكر إبداعي وابتكاري أكثر من أي شيء آخر. هذا يعني أن البنى السابقة التي كانت الحكومة يتشكل بموجبها قد تلاشت وتم تجاوزها في هذه المرحلة، وفي الحقيقة، فإن العقد الماضي من عمر عُمان كان يلح كثيرا على تجاوز تلك البنى إلى بنى جديدة متوافقة ومتطلبات المجتمع نفسه بعد خمسة عقود من التنمية والبناء الجاد لدولة المؤسسات. وفي اعتقادي الشخصي هذه أحد أهم معالم الهيكلة الجديدة التي علينا أن نقرأها بدقة ونقف معها طويلا، ونرجو من الله تعالى أن يقيض لها سبل النجاح والتوفيق من أجل الاستمرار في بناء عمان في مرحلة صعبة جدا ومحورية ليس على المستوى المحلي ولكن على المستوى الدولي.
سيحتاج ما حدث يوم الثلاثاء إلى مساحة زمنية من أجل استيعابه بشكل دقيق، فليس من المعقول أن يستطيع متابع، مهما كان مترقبا، أن يستوعب إعادة هيكلة مؤسسات دولة كاملة في يوم واحد. ولكن الجانب العملي والتطبيقي للهيكلة سيفتح الكثير من المساحة للاستيعاب من خلال مشاركة الناس فيها. وسيكون دور المؤسسات الإعلامية كبيرا في المرحلة القادمة سواء على مستوى متابعة الانجازات التي من المأمل أن تحققها حكومة الخبراء أو على مستوى النقد البناء لأدائها.
وليس غريبا أن الكثير من وسائل الإعلام العالمية قد وقفت طويلا أمام ما حدث يوم الثلاثاء بالتحليل وتقديم القراءات وبنت خلال ذلك رؤية لمستقبل عمان ومستقبل أسلوب الحكم فيها، فعمان بالنسبة للعالم أجمع دولة محورية في منطقة محورية ومهمة، والعالم معني بكل ما يحدث فيها وحولها خاصة إذا كان الأمر متعلق ببنية الدولة وجوهرها. ونستطيع أن نتذكر الآن، بأريحية كبيرة، التحليلات التي كُتبت في السنوات الأخيرة حول موضوع انتقال الحكم في عُمان بعد السلطان قابوس بن سعيد-طيب الله ثراه- وأبدت الكثير من وسائل الإعلام العالمية والمراكز البحثية والاستراتيجية الكثير من الخوف من تلك اللحظة المفصلية في تاريخ عمان. لكن العالم تفاجأ وبقي مبهورا لأيام بما حدث يوم 11 يناير حين انتقل عرش عمان إلى جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم وبطريقة سلسلة ومنظمة لا تتكرر في أي مكان في العالم لديه نفس المعطيات.
وإذا كانت الرؤية قد أصبحت واضحة جدا الآن وأدوات تنفيذها صارت جاهزة فإن المعول عليه الآن هم الشباب العماني سواء كانوا في موقع القيادة العليا أم كانوا موظفين في مختلف قطاعات الدولة ليشمروا عن ساعد الجد فعمان تحتاج لكل طاقاتها من أجل بناء أكثر نحو المستقبل.