كازانتزاكيس اليوناني.. كاتب بمذاق الإنسانية!

إيهاب الملاح

– 1 –

«علّمني زوربا أن أحب الحياة، وألاّ أخاف الموت»…
(كازنتزاكيس في مقدمة كتابه الشهير «أليكسيس زوربا.. سيرته وحياته»)

– 2 –

سعدتُ سعادة كبيرة جدًّا بصدور ثلاثة أعمال رائعة من عيون الأدب العالمي في القرن العشرين؛ لعملاق الرواية اليونانية والأديب الكبير نيقوس كازانتزاكيس في مشروع مكتبة الأسرة المصرية (الذي أتشرف بعضويتي في لجنته العليا للقراءة والاختيار) خلال الفترة الماضية.
وفي ظني فالحديث عن الروائي اليوناني الفذ نيقوس كازانتزاكيس لا يحتاج إلى مناسبة خاصة؛ فهو أحد مفكري الرواية المعدودين في تاريخها كله، أعني أولئك الذين مزجوا فن السرد والحكي بأسئلة الإنسان الكبرى التي تبدو بلا إجابة، لقد منحوا الرواية معمارها الفني والفكري معًا، شخوص رواياتهم من لحم ودم، ولكنهم أيضا أفكار تتكلم وتسأل، حفنة قليلة جدا من أساتذة السرد يمكن أن نضعهم في هذه الفئة الرفيعة من الكتّاب، وسيكون بينهم دومًا كازنتزاكيس.
ورغم أنني قرأت أعمال كازانتزاكيس مراتٍ عديدة، فإنها كانت مناسبة في أيام وليالي حظر الكورونا الثقيلة خلال الأشهر الماضية. الأعمال الثلاثة هي «زوربا اليوناني»، و«الإخوة الأعداء»، و«المسيح يصلب من جديد».. وكانت قراءاتها هذه المرة، مع أعمال أخرى له، وكانت مناسبة أيضًا لاستجلاء جمال وعمق وبساطة (في الآن ذاته) كتابة كازانتزاكيس الذي أعده كاتبي المفضل خارج دائرة الإبداع باللغة العربية (ويماثله عندي في العربية نجيب محفوظ الذي تحل ذكرى رحيله الخامسة عشرة بعد أسبوع).
ودائما ما كنت أعقد المقارنات بينهما لا لتفضيل أحدهما على الآخر؛ أبدا؛ فكلاهما كاتبٌ عابر للحدود والقارات، والأمكنة والأزمنة، وكلاهما موهوب بحجم الكرة الأرضية كلها، وكلاهما عمل على استثمار هذه الموهبة كأحسن ما يكون الاستثمار والإجادة والإنجاز الذي تجسد في أعمال إبداعية خالدة؛ تحتل مكانها ومكانتها في مدونة الإبداع الإنساني والتراث البشري ما ظل هناك حياة على هذه الأرض.
حينما تقرأ نصًّا لواحد منهما فأنت تقرأ لكاتبين من أكبر وأجمل وأهم الكتّاب في تاريخ الإنسانية؛ وستظل أعمالهما من وجهة نظري من أجمل ما أبدعته المخيلة الإنسانية على مدار التاريخ.
نعم. كازانتزاكيس عندي هو المعادل الموضوعي في الثقافة اليونانية لنجيب محفوظ في الثقافة العربية (أو العكس، نجيب محفوظ المعادل الموضوعي لكازانتزاكيس في الثقافة العربية) كلاهما أدرك لب وجوهر الثقافة التي ينتميان إليها ضمن دائرة أوسع هي الثقافة الإنسانية ككل.
يمكننا في المجمل اعتبار روايات كازانتزاكيس النموذج الناضج لروايات الأفكار الوجودية الكبرى، مثلما هو الحال في أعمال دويستوفيسكي (وغيره من كبار كتاب الرواية منذ القرن التاسع عشر وحتى الآن). واللافت حقا أن قوة الأفكار لا تجعل الكاتبين الكبيرين يتنازلان عن فنيات الرواية، ولا عن براعة السرد، وتماسك البناء، فالأفكار هنا ترتدي الواقع، وتخرج من بين تفصيلاته الصغيرة الإنسانية.
في روايات كازانتزاكيس كذلك مزيج فريد بين مصادر معرفية شتى؛ مثل المسيحية، والتراجيديات الإغريقية، والفلسفة الحديثة، وبالذات ما يتعلق بالماركسية والوجودية. ولدينا أيضًا مزج سلس بين الحالة اليونانية بخصوصية تعقيداتها وحروبها وصراعاتها وطابعها المحلي الصميم، وبين الروح الإنسانية التي تحاول إنقاذ البشرية، والتي تطرح أسئلتها الكبرى المعلّقة بلا أي احتراس ولا احتراز من أي نوع.

– 3 –

أعود إلى كازانتزاكيس وأبدأ بزوربا من ضمن أعماله الثلاثة المشار إليها آنفا، زوربا كما يعرف أغلب من اتصل بإنتاج وتاريخ كازانتزاكيس شخصية حقيقية، عامل عجوز التقاه كازنتزاكيس في جزيرة كريت اليونانية الشهيرة، وأثّر في حياته تأثيرًا يعادل تأثير كبار الأدباء والفلاسفة، فخلّده في هذا الكتاب الذي تحول إلى فيلم سينمائي شهير من بطولة أنتوني كوين، ومن إخراج كاكويانيس. يقول كازنتزاكيس عن زوربا: “هذا الرجل لديه كل ما يحتاجه أي شخص مثقف لكي ينجو: العين البريّة التي ترصد غذاءها بحدة، والإبداع، والبساطة المتجددة كل صباح بأن يرى كل شئ لأول مرة، ويمنح العناصر اليومية الأبدية عُذريّة خاصة، الهواء، والبحر، والمرأة، والنور، والخبز، يقين الكفّ وطزاجة القلب، الشجاعة في أن يسخر من ذاته وروحه، كانت لديه قوة أخرى أقوى وأرقي من الروح، وأخيراً ضحكٌ صاخبٌ يأتي من نبع عميق، أعمق من أحشاء الإنسان، ضحكٌ ينفجر في صدر زوربا العجوز في اللحظات الحرجة فيشفى ويحرّر كل الآلام”.
زوربا هي أيقونة التوق البشري للتحرر من كل قيد زائف ومن كل فكرة خاوية ومن كل تقليد مصطنع، زوربا هو الإنسان الفطري الذي ميزه الخالق بالحس والخيال والمغامرة، ويسعى في رحلته لاقتناص الجديد والمدهش واكتشاف المجهول، هذا بالضبط ما جسده كازانتزاكيس ببراعة مذهلة في «زوربا» الرواية التي ترجمت إلى أغلب (إن لم يكن كل لغات العالم) وحازت وحدها في اللغة العربية على ما يزيد على عشر ترجمات كاملة في تجربة استثنائية ومعدودة لم تشهدها الثقافة العربية ربما من قبل!

– 4 –

طبعة مكتبة الأسرة الصادرة أخيرا من رواية كازانتزاكيس الملهمة «المسيح يصلب من جديد»؛ مصورة عن طبعة دار آفاق للنشر والتوزيع في نحو 575 صفحة؛ ترجمها المخضرم القدير شوقي جلال عن الإنجليزية والفرنسية، الرواية ببنائها وأسئلتها وشخوصها لا يمكن مقارنتها أبدا إلا بأعمال دويستوفيسكي الكبرى، وتحديدًا بعمله الأشهر «الإخوة كرامازوف».
فبين العملين ذلك التماسك الفني الذي منح الروايات مكانتها التي تتجاوز الحكاية إلى ما ورائها، بينهما هذا الاستدعاء الذكي للحديث عن الله والدين، في حين أن معضلة الروايتين معا هي الإنسان وتناقضاته وأزماته المعقدة، والشر الذي يعشِّش في داخله، بين الروايتين ذلك الامتزاج الذي يصعب فصله بين الفن والفكر، نحن نتذكر الشخصيات بكل تفاصيلها بنفس الدرجة التي نتذكر بها الأفكار والأسئلة التي تعبر عنها، إنه المزج الناضج بين “التجريد” و”التجسيد” في لوحة واحدة متسقة الألوان والعناصر، وهو أمر شديد الصعوبة والتعقيد، ولا يتأتى الوصول إليه، سوى لأصحاب مواهب استثنائية، تمتلك ناصية فن الحكي، وتمتلك أيضًا فلسفة خاصة عن الحياة والإنسان.

– 5 –

من يقرأ الترجمة العربية للرواية العظيمة «الإخوة الأعداء» بتوقيع إسماعيل المهدوي، (صدرت طبعة مصورة عن دار آفاق للنشر والتوزيع، مشفوعة بمقدمة كتبها المهدوي في العام 1966) سيدرك حتما سر الدموع التي سيذرفها القارئ الحساس والفطين عندما ينتهي من هذه الرواية، سيعي حتما بحساسيته العالية أن «الإخوة الأعداء» تنقل المعركة الأبدية للبشر إلى داخل الإنسان.
هناك بطل تراجيدي يضحي بحياته من أجل أن يولد إنسان أفضل وأكثر رقيا، إنه “الأب ياناروس”، ولكن الرواية ليست عن هذه التضحية وحدها، ولكن في تلك المعاناة التي نعيشها معه على صفحات الرواية (350 صفحة من القطع المتوسط).
معضلة العمل الكبير في أن الصراع في داخلنا بلا نهاية تقريبًا، هناك قوى خيرة وأخرى شريرة في قتال داخلي مرير، ينتقل ياناروس معه من الإيمان إلى التجديف وبالعكس، من اليأس إلى التفاؤل وبالعكس، وهذه القوى موجودة داخل كل إنسان، مما يجعلنا كائنات مثيرة حقا للرثاء، ومع ذلك فإننا لا نتوقف عن الحلم بعالم مثالي لم يتحقق.
هذه المسافة الهائلة بين ما نتمناه للإنسان، وبين ما هو عليه بالفعل، بين النضال من أجل المثل الأعلى، ودفع الثمن الفادح دون أن تتحقق الغاية، كل ذلك ربما هو الذي دفع الدموع إلى عيون ناجي، ولعله يدفع الدموع أيضًا إلى مآقي كل من يقرأ الرواية.
في «الإخوة الأعداء»؛ لا يبحث الأب ياناروس عن خلاصه كفرد فحسب، ولكنه يبحث عن خلاص اليونان من حرب دامية أنهكتها بين الشيوعيين، وبين أنصار السلطة القائمة، أو بين أصحاب البيريهات الحمراء، وأصحاب البيريهات السوداء، كما يريد ياناروس أن ينقذ البشرية كلها بإحلال السلام، وحسم الصراع الداخلي في اتجاه الخير والسلام والحرية.
ولن يفي مقال واحد بعرض كل جوانب العظمة والتفرد لكاتب كبير اسمه نيقوس كازانتزاكيس؛ كاتب بمذاق الإنسانية!