سماحة المفتي: الاعتماد على التاريخ الهجري ركيزة فكرية ومنهج قرآني

في حوار مع رئيس الجمعية العمانية للعناية بالقرآن الكريم –
رباط العقيدة أسمى الأربطة لأنه رباني ويوحد الناس بعضها ببعض –
كتب ـ سالم بن حمدان الحسيني –

قال سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة إن الأخذ بالتاريخ الهجري ركيزة فكرية ومنهج قرآني أصيل، ومظهر من مظاهر استعلاء المؤمن بإيمانه، في وقت نرى فيه ضعفا وتنازلا وتراجعا في هذه القضية. وقال سماحته في حوار أجراه الدكتور خالد بن سالم السيابي رئيس الجمعية العمانية للعناية بالقرآن الكريم ونشر في وقت متأخر من مساء أمس الأول على مواقع التواصل الاجتماعي إن ارتباط الأمة الإسلامية بالتاريخ القمري العظيم الذي ارتبط به تاريخ هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتاريخ الأحداث الإسلامية جميعا، وبدأ التاريخ عند هذه الأمة عندما تكونت الأمة بالهجرة التي جمعت لفيف المؤمنين فكانوا كلهم كتلة واحدة جمعت المهاجرين والأنصار ثم الذين اتبعوهم بإحسان. كان هذا التاريخ مظهرا من مظاهر الحضارة في هذه الأمة وعرف المسلمون متى تكونت دولتهم فبدأت التاريخ من ذلك الحين، على أن التاريخ يرتبط بأمر قديم منذ أن خلق الله السماوات والأرض، فالله سبحانه وتعالى يقول: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) وهذا يعني ان ارتباط الامة بهذه الشهور انما هو ارتباط مقدس، هو ارتباط يعني ارتباطهم بعقيدة الإسلام لأن الله تعالى الذي انزل القرآن هو الذي أخبر بأن هذه الشهور هي اثنا عشر شهرا من بينها أربعة حرم، وهذه الأربعة الحرم لا توجد في الأشهر التي هي في أي حساب آخر، فمعنى ذلك انه لابد من مراعاة ذلك، وانه لابد من مراعاة هذا التاريخ العظيم، وانه لا يجوز للمسلم ان يزهد في تاريخ هجرة نبيه عليه الصلاة والسلام، ويلتمس تاريخا آخر، مهما كان ذلك التاريخ الآخر، ولكن عليه ان يحرص على ان يبدأ حسابه بتاريخ هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك الأمر الذي أجمعت عليه الامة، وذلك الامر الذي يرتبط بجميع الشعائر التعبدية بأسرها، فإن الصيام مشروع لهذه الأمة وهو شهر من هذه الشهور الاثني عشرة، ولا يمكن ان يكون الصيام بأي تاريخ آخر غير هذا التاريخ، وكذلك الحج فإن مواقيته من بين هذه الأشهر التي ذكرها الله سبحانه وتعالى هنا، والزكاة أيضا ترتبط بهذا التاريخ العظيم لأن الزكاة انما تحتسب بالسنين التي تدور بدوران الأشهر القمرية، فلابد ان يكون الانسان معوّلا على هذا التاريخ في زكاته، وكذلك أيضا جميع الاحكام الأخرى، فعدة النساء ومدة الايلاء، ومدة الظهار وغير ذلك مما يرتبط بالعبادات الأخرى انما يعود الى هذا التاريخ. تاريخ مجده عظيم وأضاف سماحته قائلا: فأنا اعجب كثيرا من المسلم الذي يزهد بهذا التاريخ ويؤثر عليه تاريخا آخر، مع ان هذا التاريخ يرتبط بمجده العظيم، ويرتبط بتكوّن هذه الامة عندما كانت الهجرة، هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ان العبادات بأسرها تناط بهذا التاريخ العظيم، وكذلك هو ميقات للناس أيضا لأن الله تعالى يقول: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)، فالأهلّة جعلها الله سبحانه وتعالى مواقيت للناس، وهذا التاريخ تاريخ ظاهر يعرفه كل انسان لأنه يراه، حيث يرى كيف دوران الشهر، ويستطيع أن يحدد يوميا ما بين اليوم والآخر من خلال النظر الى مطالع القمر، وهذا كله مما يدل على وجوب عودة المسلم الى هذا التاريخ وارتباطه به، وان لا يؤثر عليه تاريخ آخر، وقد نسي المسلمون ذلك مع الأسف الشديد مع مدة الغزو الذي أصيبت به هذه الامة في الصميم، فترى الأمة تعوّل على تاريخ غير تاريخها، لا يرتبط بمفاهيم دينها قط، ولا يتصل بعقيدتها، تاريخ نفسه عند أصحابه يقولون بأنه تاريخ مزوّر، وهذا مما اعترف به البابا نفسه، ان هذا التاريخ الميلادي فيه خطأ كبير، بخلاف التاريخ الهجري الذي أجمعت الامة وعرفه الخاص والعام، فإذن هذا التاريخ الهجري هو الذي يجب على المسلم ان يعتمد عليه، مشيرا الى ان جهل الناس بهذا التاريخ قد وصل الى انه في يوم من الأيام أتاني آت، وقال لي إنني اريد ان احج في هذا العام، ففي أي شهر يكون الحج؟ فقلت له: ان الذهاب الى منى يكون في اليوم الثامن من ذي الحجة، ثم بعد ذلك الوقوف بعرفة في اليوم التاسع من ذي الحجة، اما الاحرام فيمكن ان يكون في أي وقت من هذه الأشهر التي قال سبحانه وتعالى فيها: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)، قال: ولكن في أي شهر؟ قلت له: في شهر ذي الحجة، فما استطاع ان يتصور ابدا متى هو شهر ذي الحجة، وهذا من الضلال المبين الذي وقعت هذه الامة فيه، مؤكدا ان المصيبة كبيرة ان لم تتدارك الامة نفسها، وتخرج نفسها من هذا المأزق الخطير الذي وقعت فيه، مشيرا الى انه كلما جاء جيل ابتعد أكثر فأكثر عن هذه المفاهيم الصحيحة، وابتعد أكثر فأكثر عن الدين بسبب عدم الارتباط بتاريخ الامة الذي يجب عليها ان تعوّل عليه، وان تعتز به، وان لا تعتز بما سواه. وحدة الأمة الإسلامية وقال سماحته: إن قضية وحدة الامة الإسلامية هي من اهم القضايا التي تشغلنا وتقلقنا، وتسهر ليلنا وتشغل نهارنا، ولكن الله على كل شيء قدير، فوحدة الامة يجب ان تكون بكل الاعتبارات بالنظر الى وحدة الفكر، وبالنظر الى وحدة الاجتماع، وبالنظر الى وحدة السياسة، وبالنظر الى وحدة المصالح، وبالنظر الى جميع الجوانب يجب عليها ان ترعى مصالحها وترتبط بعضها ببعض برباط العقيدة، مبينا ان رباط العقيدة اسمى من كل رباط لأنه رباط رباني وهو الكفيل بربط الناس بعضها ببعض، فقد خاطب الله الامة بخطاب واحد عندما يوجه اليها أوامره أو نواهيه أو ارشاده أو نصحه أو أي شيء من هذا القبيل يخاطبها بـ يا أيها الذين آمنوا، ويندرج تحت هذا الخطاب جميع الناس من غير تفرقة على اختلاف ألسنتهم، وعلى اختلاف ألوانهم، وعلى اختلاف اجناسهم، وعلى اختلاف اعراقهم وعلى اختلاف اقطارهم، وعلى اختلاف ثقافاتهم فعندما يقول الحق سبحانه (يا أيها الذين آمنوا) يخاطب جميع المؤمنين ومعنى ذلك ان جميع المؤمنين يجب ان يلتف بعضهم حول بعض من غير ان يقيموا أي وزن من هذه الخلافات التي بينهم دون التفات الى العنصر او الى أي شيء يفرق بينهم انما ينظرون الى العقيدة التي تجمعهم، عقيدة الايمان بالله واليوم الآخر، التي تجمع الشتات وتؤلف بين القلوب، وتوحّد ما بين الضمائر. الأخوة هي الأسمى وأضاف سماحته قائلا: إن هذه الاخوة هي اسمى من أي اخوة كانت لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وأتبع الله سبحانه وتعالى ذلك بتنبيهات لهذه الامة حتى يستعلوا على أسباب الفرقة عندما قال بعد ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، ويسترسل القرآن الكريم في ذكر الآداب التي يجب تكون بين المؤمنين فيقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) ثم يؤصّل لهذه الوحدة التي تجمع الكل فيقول: (يا أيها الناس)، وهو خطاب لكل الناس للمؤمنين وغيرهم حتى يرعوي الجميع ويعرف الحقيقة حيث يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، فقوله سبحانه: (لتعارفوا) بمعنى: لا لتتفاخروا، ولا لتتميزوا، ولا لأي شيء آخر، وانما: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) مبينا انه لا عبرة للون والعنصر وأي شيء كان وانما العبرة بالتقوى هي ميزان التفاضل بين الناس جميعا. وحدة المؤمنين واستطرد سماحته بالقول: أوضح ان النبي صلى الله عليه وسلم يبين كيف هي وحدة المؤمنين اذ يقول: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، فهذا الذي يجب ان تكون عليه الامة، ويؤسفنا كثيرا ان الامة لا تحس بهذا الإحساس بل واقع الامة يدل على انها ممسوخة لا تحس، اذ أصبحت ميتة فاقدة للحياة، بسبب فقدان هذا الإحساس، ولأجل هذا ترى ان نزيف دم المسلمين الذي يفور بأيدي المسلمين اعظم من نزيف الدم الذي يكون بأيدي أعدائهم فكأنما قالوا لأعدائهم: اتركونا ونحن نكفيكم الامر، نحن يسفك بعضنا دم بعض، فإذن الامة عليها ان تراجع نفسها، وترجع الى ربها فلا ينتشلها من هذا الضياع الا ان تعود الى الله سبحانه وتعالى، فعلى الامة ان تتدارك امرها قبل ان تفوتها الفرصة، ومما يؤسف له انه لا يحسب احد حسابا لمستقبله فضلا ان يحسب حسابا لغيره، ولو كانوا يحسبون حسابا لأنفسهم فضلا ان يحسبوا حسابا لغيرهم لعني كل أحد منهم بالنظر لحاله لئلا يأتي عليه يوم يقول فيه كما قال المثل: “أُكلت لّما أُكل الثور الأبيض”.. فهذا هو واقع الأمة الآن مع الأسف الشديد، فبدلا من يتحدوا ويتعاونوا ويكونوا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم” اصبحوا الآن بهذه الحالة. واختتم حديثه بقوله: ان المسلم متفائل ومتفاعل، فهو متفائل بوعد الله تعالى وبرحمته، ومتفاعل مع الأسباب التي تقود الى هذا الخير، فإذن علينا ان نكون متفائلين، يقودنا التفاؤل الى التفاعل مع الأسباب حتى تؤدي الى مسبباتها وتعطينا ثمراتها، والثمرات هي الخير الذي يسوقه الله سبحانه وتعالى عندما يجتمع شملها وتأتلف قلوبها وتتوحد كلمتها.