بانتيليريا.. جزيرة الشعر والحياة الأبديّة

جابرييل جارسيا مركيز: «لا أعلم مكانًا على وجه الأرض يُضاهي في روعته سطح القمر، غير أنّ جزيرة بانتيليريا أجمل من ذلك بكثير»
أحمد فرحات*

أكثر من مرّة نصحني بزيارتها وقضاء أطول مدّة مُمكنة من أيّام إجازتي السنويّة فيها. ولمّا لم أستجب لنصحه، عاد ليُكرِّر أمامي سيرته الأولى من النصْح في كلّ مرّة كنتُ ألتقيه فيها، إلى أن كان شتاء عام 1991، وعلى هامش زيارة ثقافيّة لي للعاصمة المالطيّة فاليتا، اتّصلت به والتقينا بالطبع، وقبل أن يهمّ بطرح سؤاله المعهود عليّ، قلتُ لصديقي الروائيّ المالطيّ فرانس سموت (1945 – 2011): حسنًا سأزورها.. سأزورها هذه المرّة، ولكنْ ما رأيك في أن نزورها معًا، وتكون أنتَ دليلي السياحيّ والثقافيّ فيها؟.. ضحكَ الصديق الروائيّ مطوّلًا ثمّ قال: على الرحب والسعة. إنّه اقتراح في محلّه، وليكُنْ إذًا موعد انطلاق رحلتنا معًا إلى جزيرة بانتيليريا مطلع الربيع المُقبل ومن هنا، من مالطا نفسها.
وهكذا كان، وزرتُ بانتيليريا الجزيرة الإيطاليّة بانتمائها الكامل لأرض غاريبالدي اليوم، والعربيّة التونسيّة حتّى الأمس القريب. إنّها بالفعل جزيرة ساحرة وفي غاية الروعة والجمال بسواحلها اللّازورديّة وجبالها السود والخضر في آن معًا، فضلا عن أجوائها الريفيّة البسيطة التي تمنحك الدفء الإنساني والألفة الاجتماعيّة الخالصة، هكذا مجرَّدة من أيّ طمع سياحي يُذكر؛ فأهلها، مثلًا، يتعاملون معكَ، وكأنّك أحدهم أو من نسيج دَورة حياتهم اليوميّة المُباشرة.
أمّا ليلها فذو طعم ليلكيّ خاصّ، وعبق لرائحة نادرة تعود لزهور بريّة تظلّ تبثّ أريجها، حتّى ولو يبست وزال أثرها. كما أنّ ضوء القمر، ومن فرط سطوعه على الجزيرة، تخاله وقد أحالها إلى قطعة منه، فتحار إذّ ذاك إلى أيّ القمرَين تميل. ولعلّ هذا المشهد هو الذي دفع بالروائي الكولومبي العالَمي جابرييل جارسيا مركيز ليقول: « لا أعلم مكانًا على وجه الأرض يُضاهي في روعته سطح القمر، غير أنّ جزيرة بانتيليريا أجمل من ذلك بكثير».
هذا الكلام لصاحب «مائة عام من العزلة» والذي سجَّله عقب زيارة استثنائيّة له إلى الجزيرة، هو الذي دفعني للاستنتاج لاحقًا أنّ سبب تسمية بانتيليريا بـ«اللّؤلؤة السوداء» ربّما يعود إلى أنّ قسمًا لا يستهان به من جغرافيّتها، خصوصًا في منطقة «مونتانا غراندي» يحوي جبالًا وصخورًا بركانيّة لمّاعة، يجعلها ضوء القمر المُكتمل عليها تحترف وجودًا آخر، نوعًا من قمر مُعاكِس يطفو على سطح ماء البحر.

بين الماضي والحاضر

تقع جزيرة بانتيلريا في مضيق صقلّية في البحر الأبيض المتوسّط على مبعدة 100 كلم جنوب غرب صقلّية و60 كلم من شواطئ تونس، وخصوصًا لناحية مدينة قليبيّة التي تُرى منها الجزيرة بالعَين المجرَّدة؛ وتمتدّ على مساحة 84 كلم، وعدد سكّانها لا يتجاوز الـ40 ألفًا، ولا يزال كِبار السنّ منهم يتحدّثون اللّهجة العربيّة التونسيّة، إلى جانب اللّغة الإيطاليّة طبعًا.
وأنّى تلفّتَ في بانتيليريا تشهد العلامات والطوابع العربيّة فيها، بدءًا من العمارة وأقواسها، مرورًا بأسماء البلدات والأمكنة مثل: بوجابر، الجبل، سبالة، الشرفة، الحمّة، الخربة، السلوم، الشماليّة، السداري، حرّوشة، البلاطة.. إلخ، وانتهاءً بآثار ما تبقّى من قصور ونقوش وزخارف لا تزال شاهدة على حكم السلالات العربيّة، فضلًا عن شواهد لقبور بعضها قائم والبعض الآخر صار من الدوارس. ومَن يدخل متحف الجزيرة يرى نماذج من نقودٍ ذهبيّة وفضيّة تعود إلى مرحلتَي الأغالبة والفاطميّين العرب، وقد دام حكمهما للجزيرة الصغيرة قرونًا بحالها.
جزيرة بانتيليريا مأهولة منذ العصر البرونزي، أي منذ 3000 سنة قبل الميلاد، وهو العصر الذي مزج فيه الإنسان النحاس الغفل مع مادّتَي القصدير والإنتيمون بداعي صناعة المَجارِف والمَعاوِل والسكاكين لاستخدامها في يوميّاته الفلّاحيّة والماديّة على اختلافها. ثمّ استوطنها الفينيقيّون لاحقًا، أي منذ القرن الثامن قبل الميلاد وسمّوها بلغتهم «كوسيرا»، أي «السلّة الصغيرة». وهي التسمية نفسها: «قوصرة» التي أطلقها عليها مؤسّس عِلم الجغرافيا في التاريخ أبو عبدالله الإدريسي (1100 – 1166) في كِتابه: «نزهة المُشتاق في اختراق الآفاق»، الذي ألَّفه في أثناء إقامته المفتوحة في جزيرة صقلّية، وبناءً على طلب من مليكها المحبّ للعِلم والعُلماء روجر الثاني. وقد لُقّب الإدريسي بالصّقلي؛ لأنّه أقام في الجزيرة ضيفًا على مليكها بعد سقوط الدولة الإسلاميّة، وقد قام من مقرّ إقامته بزيارة جزيرة «قوصرة» وجزيرة إقريطش (كريت اليونانيّة اليوم) وأرخبيل الجزر المالطيّة الثلاث: هودج، كومونة ومالطة الأكبر بينها. وبحسب المؤرِّخ والمُستشرِق الإيطالي ميكيلي أماري (1806-1889)، صاحب «تاريخ المُسلمين في صقلّية»، فإنّ الإدريسي كان مذهولًا بجزيرة بانتيليريا ويرى «أنّ هواءها يُطيل العمر، وثَمرها يقوّي القلب، واستواء جبلها مع بحرها يزيد من سلامة البصر وحدّته».

بنت الرياح

دخل العرب والمُسلمون جزيرة بانتيليريا في عام 700م. ويقول ابن خلدون أنّ أسد بن الفرات هو الذي افتتح جزيرة قوصرة ورسَّخ الوجود العربي فيها. ونظرًا لأنّ الرياح كانت تحيط بسواحلها وتتنزّل في أجوائها باستمرار، وخصوصًا في جهاتها الشماليّة الشرقيّة، فقد أَطلق العرب على قوصرة اسمًا آخر هو «بنت الرياح»، وهو الاسم نفسه الذي اشتقّه الإيطاليّون بأحرف لغتهم اللّاتينيّة من اللّفظ العربي للجزيرة: بنتيليريا، أي «بنت الرياح».
ونظرًا لمَوقعها الاستراتيجي في قلب البحر المتوسّط وقُربها من صقلّية، فقد اتّخذها العرب مَركزًا لجيشهم المُتقدّم في اتّجاه فتْح صقلّية. وكان القائد العربي الكبير أسد بن الفرات على رأس هذا الجيش العربي الذي دخل بالفعل مدينة «مرسى زارا» جنوب غرب صقلّية صيف عام 827 م. وخاضَ معارك ضارية مع البيزنطيّين انتهت بهزيمتهم في المدينة المذكورة وفرارهم إلى مدينة أخرى هي «قصريانة». وتابعَ القائد العربي زحفه حتّى وصل إلى مدينة سرقوسة ومدينة بلرم (باليرمو اليوم) وأوشك أن يدخلهما مُنتصرًا لو لم تحلّ به وبجيشه كارثة كبرى لم تكُن في الحسبان: وباء الطاعون الذي أهلكَ الكثير من الجُند والقادة، بمَن فيهم القائد الكبير أسد بن الفرات نفسه الذي مات ولم يُعرَف له قبر.
ومع أنّ جزيرة «بنت الرياح» خضعت في ما بعد لحُكم النورمان في عام 1123م. ثمّ لحُكم فردريك الثاني ملك أسرة هوهنشتاون الألمانيّة عام 1231م.، ثمّ لأسرة أنجو الفرنسيّة، ثمّ لمَملكة أراغون الإسبانيّة (لمدّة قرنَين من الزمن)، ثمّ للحُكم الإسباني الموحَّد الذي سلَّم الجزيرة إلى «فرسان القدّيس يوحنّا»، الذين عملوا على تنصير ما تبقّى من مُسلمين فيها، واصلَ العرب والمُسلمون تجذّرهم في جزيرتهم، ولم يؤثِّر نزوح البعض منهم إلى الخارج على هذا الوجود .. ثمّ كان أن تواصلوا لاحقًا على حُكم جزيرتهم بانتمائهم للحُكم التونسي حتّى منتصف ثمانينيّات القرن التاسع عشر، عندما تخلّى عنها أحد بايات تونس للدولة الإيطاليّة على سبيل هديّة مقابل جارية إيطاليّة أنجبت له ولدًا ذكرًا كان يتوق إليه على مَدار حياته.

بيرندلّلو ومسرح بانتيليريا

أماكن كثيرة في الجزيرة يجدر بالضيف الزائر ألّا تفوته مُشاهدتها، في طليعتها «بحيرة المرآة»، وهي عبارة عن حوضٍ مائيّ طبيعيّ استثنائيّ كوَّنته حفرة ضخمة لبركان منطفىء منذ قرون، يُقال إنّ المسرحي الإيطالي الصقلي الكبير لويجي بيرندلّلو (نوبل 1934) كان قد ارتاد مَعالمه أكثر من مرّة، وقال بشأنه: «إنّ الطبيعة تصنع مُعجزاتها المسرحيّة أحيانًا بالصوت والصورة والحركة، وتدفعنا إلى مُحاكاتها واستلهامها، وربّما بناء حوارات صامتة معها، هي بالتأكيد أبلغ من كلّ النصوص التي يُمكن أن نجسّدها حولها بهذه الكيفيّة الكتابيّة أو تلك».
وأردف بيرندلّلو يقول إنّ «بحيرة المرآة» تتلألأ في ذاكرته بقوّة لا يُمكن له أن يطويها، بل على العكس، تظلّ هذه البحيرة/‏ المرآة تتوسّع في ذاكرته بهدف القضاء عليها والإحلال محلّها بشكل مُتكامل.
وتفيد الأسطورة المُتداوَلة في الجزيرة حول البحيرة المذكورة، أنّ إلهة الحبّ والجمال «فينوس» كانت تتمرأى في مياهها، في كلّ مرّة كانت تتهيّأ فيها للقاء حبيبها «باخوس»، إله الشراب واللّهو لدى قدامى الإغريق. وكان باخوس يحسّ بذلك عن بُعد، ثمّ يجثو بعد ذلك على أقدام حبيبته متبرّكًا بجمالها المُستمَدّ من جمال الطبيعة وسِحرها.
ولا بدّ لزائر جزيرة «بنت الرياح» من أن يتوجّه أيضًا صوب «كهف بينيكولا»، والذي هو أشبه بـ«سونا طبيعيّة» تتدفّق مياهه الساخنة مانحةً كلّ مُستجمّ فيه دفقة حياة جديدة وشبابًا مُستدامًا إلى ما شاء الله.
وهناك أيضًا قرية «مرسية القديمة» (أو المرسى بالعربيّة) المُطلّة على البحر، وهي أقدم منطقة مأهولة في الجزيرة، يعود تاريخها إلى 1900 ق. م. وقد شيّدها الفينيقيّون، ثمّ أعاد العرب ترميمها بعد قرونٍ طويلة، نظرًا لمَوقعها الاستراتيجي البحري المُحصَّن. وتمتاز هذه القرية بتركيبة صخورها البركانيّة التي تَخالها من معدنٍ وليس من صخر. كما يعلوها غطاء نباتي كثيف يزيد من هَيبة جمالها جمالًا.
ولا نُبالغ إذا قلنا إنّ كلّ شيء على جزيرة «بنت الرياح» مُلفت للانتباه بخصوصيّته، برًّا وبحرًا، فالعَين تقع على أطلال ما قبل التاريخ فيها، امتدادًا إلى البيوت المسطَّحة ذات القِبب البيض العربيّة الطراز اليوم، والمبنيَّة جدرانها بالحجارة البركانيّة السوداء، فضلًا عن زجاج نوافذها المصنوع من فتات البراكين الصلبة.
وبالنسبة إلى ثقافة الطعام في الجزيرة الصغيرة، فلا يزال طبق الكسكسي بالسمك على الطريقة التونسيّة، هو المفضَّل على ما عداه من أطباق، ليس لأهل الجزيرة أنفسهم فقط، وإنّما لزوّارهم أيضًا. وكذلك فإنّ طبق الشكشوكة التونسي هو المُنافِس بغلبة مشهودة لطبق «الرافيولي» الإيطالي.
من جهة أخرى، نرى الأجيال الجديدة من إيطاليّي الجزيرة، شابّات وشبّانًا يحترمون حياة أجدادهم، ويحرصون على استعادتها بطريقة طبيعيّة غير مشوّهة. فلا تزال «المرأة البنتيليريّة»، مثلًا، تذهب إلى الكنيسة كلّ يوم أحد بلباس البرنس التونسي القديم لجدّتها المُسلِمة، وعلى قاعدة انسيابيّة من التسامُح الديني غير المُفتعَل وغير المُتملِّق.
وما دمنا نتكلّم على الزيّ وعالَم الأزياء، فلا بدّ من أن نشير هنا إلى أنّ المصمِّم الإيطالي العالَمي الشهير جيورجيو أرماني، كان قد أقام له فيلّا فخمة في جزيرة «بنت الرياح» يتردّد عليها باستمرار، وتُشكِّل له المكان الأهدأ والأجمل، الذي منه استلهَم ويَستلهم الكثير من فنون تصميماته في عالَم الأزياء. ويُقال إنّه استوحى تصميم عباءات نسائيّة خاصّة بالنساء الغربيّات من البُرنس التونسي، وكذلك من القشابيّة الصوفيّة الخاصّة بالنسوة التونسيّات القديمات لجزيرة «بنت الرياح».
أخيرًا، لا يُمكنك أن تُغادر هذه الجزيرة من دون أن تكتب فيها قصيدة، ومن جملة ما كَتبته فيها، هذه القصيدة:
تتقاسمني الغرابة فيك/‏ وأبقى حائرًا من طغيانك عليّ/‏ يا «بنت الرياح» الضاحكة أبدًا/‏ طقوسك الملوّنة باقية فيّ/‏ حتّى ولو ذهبت معانيها الأولى/‏ أتركُ لكِ الآن حريّة أن تلمعي في البحر/‏ أو أن يلمع البحر فيك/‏ وأناشدك الكفّ عن العشق الفائض/‏ كي لا يصرعني قلبي/‏ كي لا تتمادى روحي الشرهة بشراهتها/‏ أنا الآن كمَن يقف على الغيوم فوقك/‏ كي تأذنين لي بالهبوط الآمن على سطحك/‏ فأمام أسطورتك أفقد أنا أسطورتي/‏ كما يفقد كلّ الشعراء أساطيرهم/‏ أنتِ الشعر كلّه/‏ وما سيأتي به الشعر كلّه/‏ ذروة لغة الأنثى في الأشياء.
لُمامة من حكايا مُعتّقة أنتِ/‏ يُساعدني البحر/‏ تُساعدني خلائط الأشياء/‏ يُساعدني هوميروس على سردها/‏ والاستضاءة الدائمة بهذا السرد/‏ هوميروس الذي مرّ عليكِ مرتعشًا/‏ فعلَّمتِهِ أنتِ كلّ الأناشيد/‏ علَّمتِه أن يمدح «الأبيوا» على أرضك/‏ ويُعلنهم «أعدل الناس» في الأرض/‏ كان ذلك في النشيد الثالث من الإلياذة/‏ إلياذتك أنتِ أصلًا فيه/‏…. يا بحر انتبه/‏ من مدِّك وجزْرِك على «بنت الرياح»/‏ فهذي جزيرة جدّتها الأولى الشمس/‏ وجدّها الأوّل «ملياغر» ابن مَلاعِب صور/‏ شاعر شُعراء الأرض وقد أنَّبتته فينيقيا/‏ لتتوزَّع روحه على جُزُرِك كلّها/‏ يا بحر انتبه/‏ في دَورة البداءة الأولى للتكوين/‏ كما في دَورة النهايات المفتوحة له/‏ هذه جزيرة استضأتُ بها/‏ وبها دائمًا سأستضيء/‏ «بنت الرياح» يا محارتي الخضراء في السواد النقي/‏ آن لي أن أقول وأنفِّذ القول/‏ إنّ شيئًا يُدعى الأبديّة/‏ سوف يبدأ/‏ منذ اللّحظة الأولى التي بها سأنتمي إليك.

*مؤسّسة الفكر العربي