أنثروبـولوجـيا المدينـة اليَـوم

عثمان لكعشمي –

إنَّ السؤال الجوهريّ بالنسبة إلى أنثروبولوجيا المدينة التي يُدافع عنها الأنثروبولوجيّ الفرنسيّ المُعاصِر ميشيل أجيي، هو: مَن يصوغ المدينة؟ أو بالأحرى: كيف تُصاغ المدينة؟ لهذا فإنّ أنثروبولوجيا المدينة اليوم هي أنثروبولوجيا صياغة- المدينة.
وعلى هذا النحو، فإنّ أيّ حديث عن الحقّ في المدينة، هو بمثابة الحديث عن صياغة المدينة، بما هي تجسيد براغماتيّ وملموس لفكرة الحقّ في المدينة التي دعا إليها الفيلسوف الفرنسيّ هنري لوفيفر، قبله منذ أكثر من أربعة عقود. إنّها أنثروبولوجيّة للمدينة، تعطي الأولويّة للمدينيّين المُهمَّشين، فاعلي الهوامش والحدود وخارج الأماكن، على المدينة المركزيّة أو فكرة المركزيّة في حدّ ذاتها التي تبلورت عليها فكرة ووجود المدينة الحديثة والمُعاصِرة، بغية تأسيسٍ فعليّ ومُمارَسة واقعيّة للحقّ في المدينة؛ الحقّ في عَيش وصياغة حياة مدينيّة وحضريّة.
جاء الكِتاب موضوع القراءة: «أنثروبولوجيا المدينة» لميشيل أجيي، في سياق مُنشبك يتّسم بالتعقيد المفرط، على جميع السياقات والمستويات والأصعدة. جاء في سياق إبيستيمولوجي مُغاير للحقل الأنثروبولوجي المعهود: تطوّر إبيستيمولوجي للمَعارف الأنثروبولوجيّة، إحداث قطيعة إبيستيمولوجيّة مع الماقبليّات الأنثروبولوجيّة موضوعًا ومَنهجًا؛ تحرُّر الأنثروبولوجيا من موضوعها الكلاسيكي المُتقادِم، بغضّ النظر عن تحرُّرها من النزعات الإيديولوجيّة الاستعماريّة، مع الانفتاح على موضوعات جديدة قد تقع على طرف النقيض من الموضوعات آنفة الذكر، يتعلّق الأمر بالمجال الحضري والمدينة، من أنثروبولوجيا المجتمعات المسمّاة بدائيّة إلى الأنثروبولوجيا الحضريّة، إلى أنثروبولوجيَّاتٍ للمدينة، فضلاً عن سياق مجالي ومُجتمعي حضري معمَّم: انفجار المدينة في هوامشها وتعميم اللّحظة الحضريّة؛ سياق عَولمي متحوِّل: عَولَمة المُدن وظهور أشكال جديدة من المُدن، في مقابل بروز أشكال جديدة من العزل الاجتماعي والتهميش؛ تزايُد وتيرة الهجرة والنزوح، وبالتالي ارتفاع عدد المُخيّمات و اللّاجئين… و ما يطرحه من مشكلات في العلاقة مع المُدن والدول الأوروبيّة منها وغير الأوروبيّة.
سياق يتّسم بتعقيد مُفرط. إنّنا أمام «سياق مُفارق»: المُعاصَرة في أقصى تجلّياتها، حيث تتعايش المتضادّات والمتناقضات. إنّنا أمام سيرورة لا تنفكّ عن التوقّف بين الهويّة والغيريّة، الفردانيّة المُفرطة والانكماش الجماعي المتطرّف، الكونيّة والمحليّة، الانفصال والاتّصال، الأمكنة واللّاأمكنة، الحميميّة والغربة، الأماكن وخارج- الأماكن، الحداثة وما فوق الحداثة…إلخ. سيرورة، كلّ شيء فيها يقع على طرف النقيض، كلّ شيء فيها يعاش على نحو مُفارِق: بين الوحدة والتعدّد. هذه هي المدينة الرّاهنة: الواقع المَجاليّ للمُعاصَرة.
ليست هذه هي المرّة الأولى التي يفكّر فيها أجيي في المدينة وحولها، في ظلّ التحوّلات التي مسّت مختلف التشكيلات المجتمعيّة الجديدة… من تحوّلات عَولميّة كاسحة وتعميم للحضريّات الجديدة إلى ظهور أشكال جديدة ومُغايِرة من المُدن. بل يتعلّق الأمر بمشروع أنثروبولوجي يضرب في عمقه ما يناهز العقديْن أو أكثر، إذا ما نحن أخذنا بعَين الاعتبار اشتغاله على الهوامش والحدود والمُخيّمات. يقع كِتابنا هذا، في اللّحظة الثالثة من تفكّره حول /‏ في المدينة، بعد لحظتَين أساسيّتيْن:
-اللّحظة الأولى: بدأت خلال نهاية التسعينيّات من القرن المُنصرِم، وتحديدًا في سنة 1999، مع كِتابه الموسوم بـ: اختراع المدينة. الضواحي والبلدات والأحياء الفقيرة، الذي جمع وقارن فيه بين أبحاث ميدانيّة عدّة.
– اللحظة الثانية: جاءت بعد اللّحظة الأولى بعشر سنوات، أيْ سنة 2009، مع كِتابه المُعنوَن بـ: اسكتشات
أنثروبولوجيا المدينة: الأماكن والمواقف والحركات، الذي صاغ فيه قضايا منهجيّة عدّة في مجموعة من المقالات والدراسات، والندوات والمُقابلات.
وصولًا إلى اللّحظة الثالثة: لحظة كِتابه «أنثروبولوجيا المدينة» (2015)، التي تُعَدّ بمثابة تتويجٍ لتفكّره حول/‏ في المدينة. ومن هذا المنطلق يُمكن اعتبار ميشيل أجيي أنثروبولوجيّ المدينة بالدرجة الأولى.
يقوم المجال الإبيستيمولوجي لأنثروبولوجيا المدينة على مُقارَبة نظريّة ومنهجيّة ومفاهيميّة ومُمارساتيّة متنوّعة، يستعصي فيها إلى حدّ كبير الفصل بين ما هو نظري خالِص وما هو إمبيريقي محض. إنّنا أمام مُقارَبة مزدوجة: نظريّة وإمبريقيّة. أمّا النظريّة فهي تتمثّل في ميراث ثلاثي: 1) مدرسة شيكاغو، في سنوات 1930 و1940؛ 2) مدرسة مانشيستر، ما بين 1940 و1950؛ 3) الأنثروبولوجيا الفرنسيّة للعوالم المُعاصرة، في الثمانينات من القرن المنصرم. ميراث ثلاثيّ، يُشكّل الإطار النظري لأنثروبولوجيا المدينة بحسب الكاتِب. وأمّا المُقارَبة الإمبريقيّة، فهي تتجلّى في كونها: مُقارَبة وضعياتيّة بالدرجة الأولى، وتحْلِيليّة بالدرجة الثانية. هنا بالضبط يكمن التداخل والتمفصُل بين ما هو ميداني إمبريقي (وضعيّاتي) وما هو إبيستيمولوجي نظري (تحليلي). فأيّ مُمارَسة أنثروبولوجيّة للمدينة هي بمثابة صيرورة بحثيّة وحوار غير مُنقطِع بين ميراث أنثروبولوجيا المدينة السالف والمُمارَسة الإثنوغرافيّة والأنثروبولوجيّة الرّاهنة المُتعالِقة بالمدينة. الشيء الذي يضفي نَوعًا من الراهنيّة والمُواكَبة المستمرّة لتحوّلات المدينة وفهْمٍ أوسع لسيرورات صياغة المُدن وإعادة صياغتها.
على عكس الدراسات الحضريّة بمختلف ألوانها، والعلوم الاجتماعيّة بصفة خاصّة وعلوم المدينة بصفة عامّة، بما فيها السوسيولوجيا الحضريّة والأنثروبولوجيا الحضريّة، التي ترنو إلى دراسة المدينة كشيء خارجي، في تخارجها، كمنظومة اجتماعيّة وثقافيّة أو كتشكيلة مورفولوجيّة أو كمجالٍ حضري مصمّم..، فإنّ أنثروبولوجيا المدينة التي يُدافع عنها أجيي تنطلق من الحياة المدينيّة المعيشة للمدينيّين، من التفاصيل اليوميّة للأفراد في وضعيّات وسياقات مدينيّة وحضريّة ملموسة ومعيشة على نحو مباشر.. إلى المدينة في كلّيتها بوصفها «شبكة للشبكات». بالأحرى إنّ أنثروبولوجيا المدينة تعميم استقرائي تفكّري حول المدينة- مكرَّر، المدينة التي يصفها ويرسمها الإثنوغرافي من داخل المدينة وهوامشها، من صيمم المدينة المعيشة كما يعيشها ويحياها ويتنفّسها المدينيّون. هذا هو منهج أنثروبولوجي المدينة: من إثنوغرافيا الهوامش إلى أنثروبولوجيا المدينة، من الإثنواغرافيا في المدينة إلى أنثروبولوجيا المدينة، من دراسة المدينة كميدان للبحث، إلى بناء المدينة كموضوع للتفكّر الأنثروبولوجي: الصعود الاستقرائي المعمّم.
من أجل التعامل مع المدينة كمَيدان للبحث ومادّة للمعرفة الأنثروبولوجيّة الحضريّة، يقترح علينا أنثروبولوجيّ الهوامش رزنامة من المفاهيم الأداتيّة، يُمكن تحديدها في ثلاثة مفاهيم أساسيّة: الوضعيّة، الجهة، الشبكة. ثلاثة مفاهيم، تربط بين الفرد في تفرّده والمدينة في شموليّتها. مفاتيح يُمكنها أنْ تفتح نوافذ جديدة أمام فهْمٍ مُغايرٍ للمُدن المُعاصِرة في السياقات المُختلفة. مفاهيم نابعة من تفكُّر أنثروبولوجي نظريّ عميق في المُمارسات والتجارب الإثنوغرافيّة والإثنولوجيّة المتعدّدة للباحث في سيقات متنوّعة: من مُدن إفريقيا إلى مُدن أمريكا اللّاتينيّة. تسمح لنا هذه المفاهيم بمُجاوَزة الفردانيّة المُختلفة في المدينة، لكنْ من دون السقوط في أيّ نزعة جماعيّة تعصبيّة أو هوس هويّاتي. تمكنّنا من تحقيق التوازن بين الفردانيّة والشموليّة؛ وبين المَوقع الطبيعي للأنثروبولوجي والعوالِم المُعاصِرة، بين المعنى والحريّة، بين المنظومة والفاعِل.
ما هي المدينة؟ لقد حاول أنثروبولوجيّ المدينة طوال كِتابه هذا، تفادي وتجنُّب أيّ تعريفٍ جاهزٍ أو جامد للمدينة، وارتأى في المقابل أنْ يقدِّم المُقاربات والرؤى والمفاهيم والاستراتيجيّات المنهجيّة التي تسمح بتصوّر فعليّ لإمكانيّة قيام مَعارف أنثروبولوجيّة للمدينة كمجال إبيستيمولوجي أنثروبولوجي مخصوص. لكنّ ذلك لم يَمنعه من تقديم سمات مميّزة وحدودٍ تعريفيّة للمدينة. يتعلّق الأمر بثلاث سمات مركزيّة: التعقيد، الحركة، العلاقة. ثلاثة معالِم ترسم عنوان المدينة ومَلامحها، تقدِّم المدينة كسيرورة لا متناهية بين «الهوامش والمَركز»، في تعقيدها وحركتها وعلاقتها الدائمة. هذا ما ينبغي على أيّ مُمارَسة أنثروبولوجيّة للمدينة أنْ تأخذه في الحسبان. ليست المدينة التي يصيغها الأنثروبولوجي ويُعيد صياغتها حقيقة قبليّة مُعطاة، وإنّما هي بمثابة كليّة توضَع مَوضِع تحلُّل وإعادة بناء مستمرّة. إنّها بمثابة «صورة ثلاثيّة الأبعاد» بالنسبة إلى كلّ شخص- فرد، يُعيد من خلالها تشكيل تمثّلاته، واستعمالاته وعلاقاته التفاعليّة. إنّ مُمارسات المدينة تكشف لنا اليوم عن كونيّة المدينة وعالَميّتها. بالمعنى الذي تمنحنا فيه إمكانيّة معرفة بدايات، ونشأة، وسيرورات ومنطقيّات صياغة المدينة. كلّ هذا يجعل من عمليّة صياغة المدينة سيرورة لا نهائيّة.
من هذا المنطلق، يُدافع أجيي عن الوجود الفعلي لأنثروبولوجيا المدينة وضرورتها كحقلٍ مَعرفيّ قائم بذاته، وليس كمجرّد اسم من أسماء الأنثروبولوجيا الحضريّة أو ملحق هامشيّ من مَلاحقها. وإنّما هي سيرورة استكشافيّة لا تنفكّ عن التوقُّف لما/‏مَن يصيغ المدينة، من تصميمٍ للعلاقات الاجتماعيّة ورمزيّة للمجالات، من ديناميّات اجتماعيّة وثقافيّة ومَجاليّة.
تسعى أنثروبولوجيا المدينة والحالة هذه، إلى مُجاوَزة النموذج الغربي لمفهوم المدينة، من خلال فتْح أُفقٍ جديد أمام نماذج جديدة واقعيّة فعليّة ومُمكنة… من أجل مساواة نظريّة وعمليّة بين كلّ الأشكال الحضريّة في مختلف المُدن والمجالات الحضريّة، في مجمل المُجتمعات والثقافات المُعاصرة والرّاهنة. هنا يكمن الرّهان السياسي لأنثروبولوجيا المدينة: المساواة بين كلّ الأشكال الحضريّة. من خلال المُمارَسة الفعليّة للحقّ في المدينة؛ الحقّ الفعليّ في صياغة المدينة.

*كاتب من المغرب
المقالات تنشر بتنسيق مع مؤسسة الفكر العربي