مؤتمر الإعلام الثقافي يناقش تحديات شبكات التواصل الاجتماعي وقضايا مجتمعية وفكرية

أوصى بزيادة حصة المنتوج الثقافي في وسائل الإعلام

-الجلسات المسائية ناقشت دمج الثقافة بالاقتصاد والسياسة وواصلت مناقشة الإعلام الثقافي والهوية

تغطية: خلود الفزارية

خرج مؤتمر “الإعلام الثقافي.. آفاقه ومتغيراته”، الذي نظمه النادي الثقافي لمدة يوميا بمشاركة عدد من الباحثين والمختصين العمانيين والعرب، بعدد من التوصيات، منها بروز الحاجة الماسة للنهوض بإعلام ثقافي متخصص، لأن ثمة فارق نوعي بين ثقافة الإعلام وإعلام الثقافة، لذا فإن الحاجة لهذا النوع الإعلامي تبقى أكثر من ضرورية لتمتين العلاقات الاجتماعية وترسيخ القيم والسلوكيات الثقافية داخل المجتمع، ومراجعة الخارطة الإعلامية لدعم الإعلام الثقافي ماديا عبر إنشاء قنوات ناقلة للثقافة وتشجيع الأعمال والإبداعات الثقافية، والاهتمام بالنخب المثقفة، والرفع من حصة المنتوج الثقافي في وسائل الإعلام العمومية والخاصة، والاهتمام باتجاهات الوعي العربي وانساقه الثقافية، وقراءة الصورة والتشكيل التقني لمعطيات الخطاب التصويري، والبحث في نظريات معاصرة للحروب الإعلامية المعاصرة، وتأويل جدلية البناء الإعلامي وفق خصوصية العولمة والمعلوماتية والعلمانية المعاصرة في بلورة مشاكل العصر.
ومن التوصيات تقديم عروض حول إمكانات الغرب في خلق بؤر إعلامية تؤثر في الرأي العام “الكيفيات والتقنيات التأثيرية”، وضرورة الاهتمام بوضع محور خاص بإعلام الطفل وثقافته، وقراءة الذات وفهرسة الآخر، كما أوصى بأن يهتم المؤتمر القادم بدور الإعلام في العملية التعليمية في ظل جائحة كورونا وما بعدها، والتعليم المدمج كوسيط إعلامي في عصر الثورة الصناعية الرابعة، وتناول موضوع أدب الطفل التفاعلي ودوره في ترسيخ هوية الطفل العربي وثقافته، وإقامة ورش عمل للأطفال والكبار على هامش المؤتمر.

سطوة العالم الافتراضي

وكان المؤتمر، الذي تمت إقامته عبر برنامج “zoom” قد اختتمت أعماله مساء الثلاثاء 18 أغسطس الحالي، واستهلت الجلسة الأولى الصباحية من اليوم الختامي التي حملت عنوان “الإعلام الثقافي والتطور التقني والرقمي” بإدارة هلال الرشيدي بورقة عمل للدكتورة عزة القصابية ناقشت فيها دور الإعلام الجديد في تعزيز الحوار الثقافي.
وأشارت القصابية إلى أن العالم أصبح واقعا لا محالة تحت سطوة العالم الافتراضي لمواقع التواصل الاجتماعي أو ما يسمى: الإعلام الجديد أو إعلام شبكات الإنترنت أو الإعلام البديل، مبينة أن أساليب الإعلام الجديد تتعدد في توجيه وإدارة الحوار الثقافي، الذي في الغالب ينطلق من الجماهير العامة إلى النخبة، بينما الإعلام التقليدي ينطلق من الأعلى ليخاطب العامة، وهذا ما جعل الإعلام الجديد أكثر شعبية وتفاعلية لإدارة الحوار الثقافي بين شعوب العالم.
مؤكدة أن “الحوار الثقافي” بات وسيلة أساسية في ظل الانفتاح العالمي، تمكن من بناء جسور من التواصل بين المجتمع الواحد، وبين أقطاب العالم أجمع، كما أصبح التواصل والتعارف بين مختلف الثقافات متحققا، مهما تلونت الألسن وتنوعت الأعراق البشرية، وتباينت في المعتقدات الفكرية والدينية والسياسية.
وأوضحت القصابية أن الحوار الثقافي يعد وسيلة لفهم ثقافة الأمم والشعوب من خلال فتح باب الحوار مع الآخر، بحيث أنه يعزز القيم الإيجابيّة في الموضوعات السياسيّة والتربويّة والاقتصاديّة والقضايا الشخصيّة، كما يشجع على التنافس الإيجابيّ بين المتحاورين لإثبات صحّة المفاهيم والأفكار والتصوّرات والاتّجاهات المختلفة في الحياة لديهما.
واستشهدت القصابية بإعلان اليونسكو العالمي الذي يشير إلى أن التنوع الثقافي في عام 2001، يجسد تراثاً مشتركاً للإنسانية من خلال الحوار بين الثقافات المختلفة.
وتضيف القصابية أن دور الحوار الثقافي لا ينحصر على الجوانب الفكرية والثقافية، ولكنه قد تخطى ذلك إلى تحقيق مآرب اقتصادية بواسطة الشركات العابرة للقارات، المتعددة الجنسيّات، لكونها وسيلة لإثراء للتنوّع الثقافي عبر الاستثمارات الدوليّة، ويسعى الإعلام الجديد إلى فرض منتجاته، وإيجاد حوار اقتصادي ثقافي يعزز التواصل الثقافي، مستفيدا من المواقع التفاعلية (الصور ومقاطع الفيديو أو الصوت عبر السوق الإلكترونية أون لاين).

الإذاعة العمانية والرقمية

وقدم حمدان البادي الورقة الثانية في الجلسة الصباحية وحملت عنوان “البرامج الثقافية في الإذاعة العمانية والإعلام الرقمي” بين فيها أن الكثير من الملاحق الورقية المعنية بالثقافة من الصحف المحلية في السلطنة اختفت، وكانت الصفحات المخصصة للقسم الثقافي أول ما تم التنازل عنه في سبيل تقليل التكاليف المالية لأسباب عدة من بينها اتجاه المثقفين والكتّاب إلى الفضاء الإلكتروني الذي يوفر لهم مساحة من الحرية وجمهور يمكن قياسه وما يحدثه من تفاعل مع المنشور.
مشيرا إلى أن القائمين على الصحافة الورقية وصلوا إلى قناعة تامة بعدم جدوى الاستثمار في الإعلام الثقافي في ظل التحول الرقمي ووجود أكثر من بديل لم تتمكن هذه الوسائل من مجاراته أو التكامل معه.
مضيفا أن الحال لا يختلف كثيرا في الإعلام الإذاعي والتلفزيوني حتى وإن كانت البرامج الثقافية في المحطات الإذاعية تقوم بدورها الثقافي وتبث برامجها عبر الأثير ويتم إعادته في أوقات مختلفة، إلى جانب وجود قناة تلفزيونية تحت إشراف الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون (وزارة الإعلام) معنية بالجانب الثقافي ومكملة لما يقدم في القناة العامة.
وتطرق البادي إلى أثر التحول الرقمي على الإعلام الثقافي وإلى أي مدى ستقاوم الوسائل الإعلامية هيمنة التطبيقات والقنوات الرقمية التي تتيح للجمهور التنوع والتفاعل والمزايا التي من شأنها أن لا تحكمه بمكان وزمان معين.
ويتابع البادي: مع انتشار الإنترنت وتوفره للعامة بصورة كبيرة أصبح للعمانيين حضورهم على الإنترنت وقد دخلت خدمة الإنترنت إلى السلطنة في ديسمبر من عام 1997 وبذلت الحكومة جهودا كبيرة لنشر الإنترنت وتعزيز حضوره في مختلف المؤسسات الحكومية لمواكبة الثورة الرقمية، لذا بدأت وزارة الإعلام العماني في عام 1997 بإدخال خدمة بث الإرسال الإذاعي والتلفزيوني على شبكة الإنترنت وهي مرحلة متقدمة قياسيا إذا قورنت بتدشين الخدمة في السلطنة وبعد ذلك بعام أي في عام 1998م قامت وزارة الإعلام بإنشاء موقع خاص على شبكة الإنترنت لتعزيز حضور السلطنة وأخبارها أمام العالم الخارجي التي عرفت في البداية بـ”عمان نت” ولاحقا “شبكة عمان الإلكترونية”.

الثقافة والسياسة

وتناولت الورقة الثالثة “التطور التقني للصورة الرقمية في الإعلام المرئي وعلاقته بالحراك الثقافي والسياسي في المنطقة العربية”، وقدمها الدكتور هشام جمال الدين حسن من مصر، الذي أوضح بأن تقنية الصورة ومنذ اكتشافها وحتى اليوم أضحت الوسيلة التعبيرية الأبلغ تأثيراً في مختلف المجالات الفنية والإعلامية على حد السواء، وذلك ليس فقط لما توفره من دلالات تعبيرية وفورية تفسر حدود المكان والزمان وتساهم في استحضار المعاني وتوصيفها بصورة أبلغ من الكتابة والشرح في كثير من الأحيان، وإنما أيضا لقدرتها الخارقة على التواصل بين البشر بلغة عالمية تدركها مختلف الجنسيات والشرائح الاجتماعية بغض النظر عن مستواهم الفكري والتعليمي والثقافي، فضلاً عن القيم الإبداعية والفنية التي تعكسها إذا ما وّظفت بشكل تعبيري مؤثر وبحس جمالي فعّال.
مبينا أن التحولات التقنية الجديدة في ثقافة الصورة والانتقال بها لعصر التكنولوجيا الرقمية أدت إلى إيجاد مفاهيم تأثيرية هامة وفاعلة على كافة الأنشطة الإعلامية والسياسية بشكل خاص، الأمر الذي أثار معه العديد من التساؤلات حول العلاقة التبادلية بين تطور تقنيات الصورة ومدى تأثيرها على تطوير قيم العمل الإعلامي ومصداقيته، وهو ما يطرح إشكالية هامة تتعلق بمدى قدرة الصورة الرقمية على إحداث ردود فعل قوية وسريعة ومباشرة في مستقبل صناعة الإعلام، ناهيك عن الأبعاد الأخلاقية الجديدة للصور الإعلامية الرقمية باعتبارها الركيزة أساسية في صناعة كل من صناعة الرأي العام، وتأثيراتها الإيجابية على العمل الإعلامي ومصداقية وسائل الإعلام.
ويوضح حسن بأن مدى التطور السريع والمتلاحق الذي وصلت إليه التكنولوجيا الرقمية في مختلف المجالات الخاصة بوسائل الإعلام، والتي امتدت تقنياتها الحديثة لتغيّر في قواعد العمل الإعلامي بوجه عام وفي الإعلام المرئي بوجه خاص كأحد أهم وسائل الاتصال الجماهيري الحديث، مما ساهم في التأثير على منظومة الرأي العام بالقدر التي أدت بدورها إلى إعادة صياغة مفاهيم المتلقي خلال ثورات الربيع العربي وأثرت في تفعيل الأحداث وتطوراتها، وهو ما ساعد بالفعل على ظهور العديد من التيارات الإعلامية البديلة التي تعتمد بشكل أساسي على الصورة الرقمية الحديثة بإمكانيتها المتطورة، مما يفتح آفاقاً جديدة للمهتمين والدارسين لتوظيف القدرات الحرفية للصورة الرقمية في مجالات العمل الإعلامي المرئي.

هوية الشباب

واختتمت الجلسة الصباحية لليوم الثاني بورقة للدكتورة ناهد محمد بسيوني سالم ناقشت فيها مدى تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على الهوية الثقافية لدى الشباب في السلطنة، مشيرة إلى أن استخدام الشباب لمواقع التواصل الاجتماعي، يجب ألا يؤثر على هويتهم الثقافية، واستعرضت الباحثة دراسة مسحية أجريت لخمسمائة وأربعة وعشرين طالبا وطالبة من خمسة مدارس في السلطنة، واستخدمت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، وتم جمع بيانات الدراسة باستخدام الاستبانة.
وكشفت الدراسة مجموعة من النتائج كان من أهمها أن نسبة 62.31 بالمائة من الطلبة يقوم بالتسجيل بأسمائهم الحقيقية في مواقع التواصل الاجتماعي بينما نسبة الطلبة الذين يستخدمون أسماء وهمية 37.69 بالمائة، مضيفة أن نسبة 43.08 بالمائة يقضي أقل من ساعتين ومجموعة أخرى تقضي من ثلاث إلى خمس ساعات بنسبة 42.31 بالمائة.
وتوضح الدكتورة ناهد بأن أهداف استخدام مواقع التواصل الاجتماعي تركزت حول قضاء وقت الفراغ، ومتابعة الأحداث والأخبار، والتعرف على الأصدقاء، والتعرف على أخبار الزملاء والأقارب، والتعلم، ونشر الأخبار الشخصية، منوهة أن انستجرام، وسناب شات هي أكثر المواقع استخداما من قبل الشباب.
أما عن تأثير استخدام مواقع التواصل الاجتماعي على الهوية الثقافية لدى الشباب العماني فتشير بأنه كلما زاد استخدام مواقع التواصل الاجتماعي كان له تأثير على هويتهم الثقافية، وقد عزز استخدام مواقع التواصل الاجتماعي من عناصر متعددة في الهوية الثقافية كان على رأسها استخدام اللغة العربية في الحوار والكتابة في المواقع بمتوسط 4.25 بالمائة، تليتها عبارة عززت شبكات التواصل الاجتماعي من ولائي لوطني وانتمائي له بمتوسط حسابي 3.98 بالمائة. مضيفة أن الدراسة أوصت بضرورة نشر الوعي لدى فئة الشباب حول دور مواقع التواصل الاجتماعي وأثره في تنمية شخصياتهم، وإرشادهم للاستخدام الأمثل لمواقع التواصل الاجتماعي، والاستفادة منها في التعريف بالتراث الثقافي العماني والعربي الإسلامي.

الإعلام الثقافي والهوية

ولمزيد من تسليط الضوء على محاور الندوة وأوراق عملها، نلفت القارئ الكريم إلى ما دار في الجلسات المسائية من اليوم الأول من المؤتمر، حيث احتوت الجلسات المسائية على العديد من النقاشات والموضوعات المثرية، حيث أدار الجلسة الأولى الدكتور محمد المشيخي، واستفتحت الجلسة بورقة الدكتور سمير محمود أشار فيها إلى أن عملية المحافظة على الهوية وتعزيز المواطنة المسؤولة تنطلق من إدماج المفاهيم في المناهج والبرامج التعليمية، ومؤسسات المجتمع وتنشئة الجيل الجديد على مرتكزات وموروثات الهوية والحضارة العمانية، مبينا أن المجتمع يقوم بدور فعال في المحافظة على الموروثات الثقافية والتاريخية، من خلال الأنشطة المختلفة من قبل الحكومة والقطاع الخاص، لإيجاد التوازن بين موروثات الحضارة ومرتكز الهوية من جانب، والتطورات التقنية وتوظيف استخدامها كأداة لبناء المجتمع المعتز بهويته من جانب آخر، مركزا على ضرورة الاهتمام بالبرامج التعليمية لبناء القدرات الوطنية، وتعزيز الوعي بأهمية الهوية العمانية، وبناء شخصية داعمة للهوية الوطنية.

تأثير الإعلام الحديث

وألقت الورقة الثانية فوزية الشحية وتناولت مدى تأثير وسائل الإعلام الحديثة على الهوية الثقافية العمانية لدى الشباب العماني، (تويتر نموذجا) موضحة أن وسائل الإعلام الجديد، ومنها الأخص مواقع التواصل الاجتماعي ( تويتر)، أحدثت تغيرات عميقة في عملية الاتصال والتواصل الاجتماعي بين الأشخاص والمجموعات البشرية، وساهمت بشكل كبير في تغيير الكثير من السلوكيات والتصرفات، وعملت على إحداث تغيرات في منظومة القيم والتقاليد والعادات داخل المجتمعات العربية، التي لم تستطع شعوبها مقاومة ما يجرفه تيار العولمة الزاحف عبر مواقع التواصل الاجتماعي ذات طابع عالمي، كوكبي، لا تقيده حدود ولا تحكمه قيم ولا مبادئ.
متوقفة عند تأثير وسائل الإعلام الحديثة على الهوية الثقافية لدى الشباب العماني في ” تويتر” حيث تنتشر الكثير من القصاصات المصورة لنماذج من حوارات الشباب يمكن أن يستنتج منها أن الشباب يسعى في حواراتهم إلى منح أنفسهم مطلق الحرية وأن يكون قاسيا في بعض الحوارات وذلك ليعبروا عن أنفسهم ويحظوا بزيادة عدد متابعيهم وعكس ذلك صحيح لدى شريحة واسعة من المغردين الذين يسعون لبناء حوار هادف بعيدا عن تشخيص الموضوعات المطروحة للنقاش، مشيرة إلى أن مسألة الهوية الثقافية تمثل موقع الصدارة في النقاشات الاجتماعية على الدوام، ليس لأنها مسألة جديدة، فموضوع الهوية قديم متجدد يرتبط بالوجود البشري وأصالته بل لأنه موضوع كثير التشعب، واسع النطاق يرتبط بوجود الذات البشرية وجوهرها وانتمائها. وحيث أن شبكة تويتر العالمية هي من البرامج التي تتيح هذا النوع من الحوارات والمداخلات عبر 280 حرفا مما يضع المغرد في التعبير عن رأيه في حدود هذه الحروف كملخص للحكمة العربية خير الكلام ما قل ودل لهذا فإن هذا البحث يدرس سلوكيات الشباب العماني في بناء حوارات ثقافية مكتملة تساهم في التعبير عن رأيه وخاصة تلك الحوارات التي تأتي كتعبير عن الهوية الثقافية وتعاطي الشباب معها لتكون مصدر بناء يستفيد منها أصحاب التغريدة الأصلية بعيدا عن أي تعصب وبما ينعكس أثره على الشباب والتنمية الثقافية.

هوية الطفل العربي

وقدمت الدكتورة شوق عباده النكلاوي الورقة الثالثة وناقشت الإعلام والهوية الثقافية للطفل العربي، وأشارت في نقاشها إلى أن التطورات المتسارعة للتكنولوجيا المتقدمة أدت إلى تغييرات جوهرية في مختلف المجالات، وهناك مخاوف من الآثار السلبية التي قد تحدثها، ولما كان الأطفال هم الفئة الأكثر استخداما لهذه التقنية فإن تفاعلهم مع مضامين الإعلام الجديد يظهر جليا من خلال التعامل مع المحيطين بهم وهجرتهم إلى العالم الافتراضي. مشددة أنه صار لزاما علينا معرفة اتجاهات الأطفال نحو وسائل الإعلام المختلفة وآثارها وبخاصة على الانتماء الثقافي عند هذه الفئة المهمة من فئات المجتمع، فقد أصبحوا يبحثون عن واقع بديل يولد لديهم إحساسًا بالحياة وتحقيقًا لدوافعهم النفسية ومن هنا فالقطيعة مع هذا العالم الواقعي واللجوء إلى العالم الافتراضي نتيجة عجز المجتمع عن توفير ثقافة بلمسة عصرية تلائمه وتشبع حاجاته، كما يستدعي ضرورة القيام بإجراء دراسة للكشف عن هذا الواقع الثقافي الجديد الذي طرأ على المجتمع عامة والطفل بوجه خاص.
وركزت الباحثة على ضرورة معرفة الأثر الذي تحدثه وسائل الإعلام المختلفة في تنمية الهوية الثقافية للطفل العربي، إذ إن لها ميزات عدة لا تتمتع بها غيرها من الوسائل التربوية الأخرى فهي تقدم خبرات ثقافية متنوعة ونماذج سلوكية، كما أنها تنقل للأفراد خبرات ليست في مجال تفاعلاتهم البيئية والاجتماعية مما يجعلها ذات تأثير كبير على الفرد ووسيلة مهمة من وسائل التربية المستمرة، مضيفة بأنه على الرغم من عدم وجود تعريف واضح ومحدد للهوية الثقافية للطفل فإنها لا تخرج عن كونها إحساسًا بالانتماء لجماعة لها الخصائص والمميزات الاجتماعية والثقافية والدينية والمعيشية والتاريخية نفسها في ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية.

عوامل مشتركة

وتطرقت الجلسة المسائية الثانية بين طياتها إلى التقاطعات بين الإعلام الثقافي والمتغيرات السياسية والاقتصادية، وأدار الجلسة عبدالرزاق الربيعي، وتناولت الورقة الأولى أنظمة الإعلام الثقافي نحو نُظُم التحولات السياسية والاقتصادية، قدمها كل من الدكتورة لوت زينب من الجزائر، والدكتور محمود سعيد من مصر.
وأشار الباحثان إلى أن الإعلام الثقافي يرتبط في بلورة أهم التحولات السياسية والاقتصادية الناجمة عن العامل الزمني و المكاني والاختلالات المركزية للتصور الفكري أمام التطور والتنمية وتسييس الخطاب عبر دول العالم، وأن مختلف الأزمات السياسية لا تحلها إلا الصورة الإعلامية أو تأزمها، ولكن توثق دور الاقتصاد بقوة الإعلام وحصانته، ما يمنح الإعلام بصورته الفاعلة، وتفاعله مع كل منفتح يتخطى حدود الإقليمية ليؤكد رؤية تاريخية حديثة يحدد بكل موسوعية قضاياه، وعصرنة آفاقها وإيصال الماضي بالحاضر.
وأضافت الدراسة إلى أن صيت الدول هو الصدى العميق في الأمم الأخرى، ونموذجا لتأريخ الخصوصية داخل المشترك العالمي وهي غاية الحرية والتحرر من قيود الآخر، لأن النظام الإعلامي المعاصر هو الأقرب لتسطير الأبعاد الاستراتيجية للمنحى الجماهيري نحو معاني الانتماء وفرض الهيمنة لينسج قرابة دائمة مستفيضة بمقاييس الوطنية من خلال فهم العقل للمتلقي، وقيم هويته التي تثير روابطه بالصورة الإعلامية وتُنمي أبعاد وجوده فيها والوقوف على الضفة الأخرى للحفاظ والصيانة الدائمة.
وتطرق الباحثان إلى الإعلام الثقافي دراسة الميثاق الدولي في رعاية الإعلام والاتصال، وأنظمة الإعلام الثقافي في نمذجة الخطاب السياسي من خلال التحفيز والجماهرية والعقل والنموذج، والاقتصاد وقوة الإعلام القومي في الدول المتطورة، وعلاقة الإعلام في بلورة أشكال السلام والقضايا السياسية، بالإضافة إلى الإعلام التثقيفي وثقافة التواصل في الخطاب السياسي والاقتصادي، وحوصلة الإعلام الثقافي في متغيرات العصر وتكنولوجيا التواصل بين البناء والهدم السياسي والاقتصادي.
أما الورقة الثانية فقدمها الدكتور عبدالسلام البعباع وتناولت الإعلام الثقافي في ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية، أوضح فيها أن المتغيرات ساهمت إلى حد كبير في نضج الفكر الإنساني لاسيما بعد ظهور ثورة الاتصالات والمعلومات، فضلا عن التغيرات السياسية والاقتصادية التي شهدها العالم في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة، مبينا أن تغير المفاهيم والتحالفات وظهور جملة من النظريات اهتمت بدراسة العلاقات الدولية التي ساهمت بدورها في تطور وتجدد الطرح للأفكار الفلسفية خاصة لدى النظرية الواقعية التي كان قد أسسها ” هانز مورجانتو” في كتابه الشهير ” السياسة بين الأمم” في مناخ وظروف الحرب العالمية الثانية، والتي طرأ عليها تجديدا بداية عقد التسعينيات من القرن المنصرم إلى جانب ظهور النظرية البنائية وغيرها من النظريات الأخرى، كما أن تغير تلك المفاهيم ساهم في إظهار الحقائق للتوجهات العالمية مستخدمة بذلك الشبكات الإعلامية الكبيرة التي كانت ولا زالت تسيطر على المتلقي وتوجهه بأسلوب جديد وقالب بات يعرف بالعولمة الكونية، في جميع التوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية أيضا،التي لاشك لها أثر كبير في عالمنا العربي والإسلامي، سيما وأن التاريخ دائما يذكرنا بأنه حافل بالنزاعات والحروب من خلال الأحداث والصراعات، فضلا عن أن الأدبيات الفكرية لدى عدد من المفكرين ساهمت إلى حد كبير في فهم التطورات الإنسانية حيال الصراع الفكري والثقافي والإعلامي أيضا، إذ نلتمس من الأدبيات التي تناولها “كانت” في كتابه حول “مشروع السلام الدائم” بأن حالة السلام بين أناس يعيشون جنبا إلى جنب ليست فطرية، أذ أن الحالة الفطرية أقرب إلى أن تكون حالة حرب وهي إن لم تكن معلنة، إلا أنها تتسم بتهديد دائم بالعدوان.
ويضيف بعباع أن كتاب نهاية التاريخ للمفكر “فوكي ياما” يترجم حالة الصراع والانتصار الذي كان له اثر كبير على التحول من التعددية القطبية إلى الانفراد الدولي بعد انتصار الرأسمالية العالمية على النظرية الاشتراكية اللينينية الماركسية، كما أشار المفكر ” صموئيل هنغتن ” حول هذا التنوع الفكري بصراع الحضارات، بما فيها الحضارة في العالم العربي والإسلامي التي تقع في دائرة هذا الطرح.
وبين الباحث أن من الأهمية بمكان تحديد المفاهيم حيال الإعلام الثقافي والعلاقة المتداخلة بين الإعلام والثقافة، أذ أن الأول يهتم بالمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من خلال وسائله المتعددة، بينما يركز الجانب الثقافي على الموروث الذي كان ماض من الفكر والمعتقد والقيم في قالب الهوية المجتمعية، بشكل متناسق تتسم به عدة مجتمعات تجمعها هوية واحدة بما فيها العربية والإسلامية.
واختتمت الجلسات المسائية بورقة للدكتور محمود بركة من فلسطين ذكر فيها أن في السنوات الأخيرة أصبح المفهوم الإعلامي يأخذ مقاربات متعددة ومختلفة الهدف والتوجه بعيداً عن تفحص أهمية المهنية ومصداقية المحتوى، وهذا ما يؤكد أن العملية الاتصالية في الأساس هي صناعة لمخاطبة الآخر وتوصيل رسائل مقصودة. كما يأتي ذلك تفسيراً للصراعات العالمية والإقليمية في تحالف الدول بين الشرق و الغرب.
موضحا أن مردود هذا الصراع من خلال متابعة عمل الوسائل الإعلامية التقليدية والحديثة الذي تستجيب لمبدأ سياسات هذه التحالفات وصراعها الواقع ينعكس على البنية الفكرية والاتجاهات في سلوك الأفراد أي الجمهور والنخب المجتمعية التي تطلق الأحكام وتتبنى الموقف.
ومن هنا يمكن أن نستخرج دور الإعلام الثقافي وسط ما يحدث، وكيف يمكن للإعلام الثقافي أن يمارس دوره المستقل في المرافقة والتعبير حول العملية الثقافية التي هي جزء من المكونات الأساسية للعمل الإعلام.
وينوه بركة إلى أن في ظل واقع متغير متحول على مدار الوقت نتيجة المتغيرات السياسية والاقتصادية التي هي مصدر القوى للدول وحمايتها، أصبح المفهوم الثقافي وتقديم المعلومات و البيانات يأخذ أدوات مختلفة عما كان يحدث سابقا، وذلك لأن الثقافة في الأساس هي القاعدة الرئيسية للمجتمعات التي تكون النسيج الفكري لدى الأفراد، وسط هذا التوتر الإعلامي ويمكن توصيف الإعلام الثقافي بالبورصة المعلوماتية التي تبحث عنها الدول والشعوب من أجل تقديمها كرسائل تكشف الحراك الاجتماعي والجماهيري للشعوب، وبشكل أكثر دقة يستوجب الحديث عن مستقبل الإعلامي الثقافي فذلك حديث مليء بالصعوبات لصناعة المعلومة التي تؤثر في الأجيال وانعاكساتها على العلاقة بين الدول وبين الأفراد حول صدق المعلومات من عدمه. مؤكدا أن الخطر أن تستمر المعلومة الخاطئة التي يحملها الفرد دون وعي فقط من أجل الدفاع والحماية للصراعات السياسية والاقتصادية للدول، فكيف يمكن التنبؤ بهذا المستقبل والحاضر يصنع على هذا التوجه، حيث أن الإعلام الثقافي أمسى بعيد الاستقلالية و التخصص حيث تعمل المؤسسات الإعلامية على دمج البرامج الثقافية بالسياسية والاقتصادية مستخدمة الثقافة غطاء لأهداف مخفية، والخطر هنا في تراجع استقلالية مستويات الإعلام الثقافي وبرامجه ودوره وصناعة المعلومة بطرق مختلفة من تحويل وتدوير الوعي بأدوات من التحايل على إخراجها بشكل يصدقه العقل البشري.
في ختام المؤتمر وجّه الشاعر عبدالرزّاق الربيعي نائب رئيس مجلس النادي الثقافي كلمة شكر للمشاركين، والمنظّمين، والذين أثروا الجلسات بمداخلاتهم، وكلّ من تابع وقائعه عبر منصّات التواصل.