مرفأ قراءة… في ذكراه الـ39… أعمال صلاح عبد الصبور الكاملة

إيهاب الملاح (1)

تمر الذكرى الـ39 على رحيل أكبر شعراء العربية في الثقافة العربية المعاصرة، وأبرزهم منجزا شعريا ومسرحيا ونقديا وثقافيا في النصف الثاني من القرن العشرين. فارقنا عبد الصبور مع مطلع الخامس عشر من أغسطس ‏1981،‏ وتركنا ونحن في أمسّ الحاجة إليه‏،‏ فقد كان “مثقفًا” كبيرًا بكل معنى الكلمة‏،‏ ينطوي على رغبة متأصلة في المعرفة التي لا نهاية لها أو حدا‏،‏ وقد ساعدته معرفته الكاملة باللغة الإنجليزية‏،‏ وإمكان القراءة بالفرنسية على الاطلاع على أصول الفكر العالمي وفروعه‏.‏ وكانت ثقافته الشاملة‏،‏ العميقة والمتجددة‏،‏ خير دعم لشعره الذي لم يكف عن التجدد والتحول‏.‏ ولذلك فمن يقرأ “الناس في بلادي”؛ ‏ديوانه الأول‏‏، يجد وجها يختلف عن الوجه الذي ينطوي عليه ديوانه الثاني البديع “أقول لكم” إلى آخر دواوينه التي تؤكد حضوره الشعري المتميز‏،‏ وهو حضور يمتزج فيه الفكر بالشعر‏،‏ و”حسبي وحسبك أيها القارئ لشعر صلاح عبد الصبور أن نحني الرأس لفنه الصادق، وأن نخشع أمام ألمه العظيم”؛ كما قال عنه الناقد الراحل شكري عياد.

(2) بين الأكوام المتراصة على مكتبي، أجد طبعة جميلة، رائعة، نادرة، من دواوين ومسرحيات شاعر العربية الأكبر في العصر الحديث، وأحد فرسان الثقافة العربية؛ طبعة تعود إلى العام الذي توفي فيه (1981) وهي من أحب طبعات أعماله إلى قلبي، لبساطة غلافها وأناقة إخراجها وقطعها الرائق المتوسط، الذي يفتح شهية القارئ ويثير شغفه لمطالعة المتن. واكتشفت وأنا أقلب صفحات هذه الطبعة أن 39 عامًا مرَّت على رحيل صلاح عبد الصبور الذي لا يزال إبداعه يتألق على جبين الشعر العربي‏‏؛ قيمة متجددة وأصالة عابرة للأجيال، وما زال شعره الفتيّ بإيقاعه الساحر يحملني على بساط الريح لذكريات وأجواء لا أنساها. مع صلاح عبد الصبور أدركت أن الشاعر ضمير هذا الكون؛ ومسبار الكشف عن جوهر الإنسان، يحمل صخرته على كتفه، ويعاود تسلق الجبل في رحلة سيزيفية لا نهائية؛ تحقيقًا لحلم “اعرف نفسك”. هكذا هم الشعراء الكبار الأفذاذ؛ الذين لا تنتهي حيواتهم بإعلان وفاتهم؛ فالشعر يبقى، وطاقة الإبداع تتجدد، والمعاني تتولد، وإذا كان أحمد شوقي قد توج أميرا للشعر في صورته الكلاسيكية في ثلاثينيات القرن الماضي؛ فإن صلاح عبد الصبور ودونما حاجة إلى تتويج أو تنصيب يعد كبير شعراء النصف الثاني من القرن ذاته؛ الشاعر الذي انتقل بالشعر العربي نقلات كبرى؛ صياغة وفكرا، إيقاعا ومعاني؛ وكان أبا للمسرحية الشعرية في ثوبها الحديث والأخير في الثقافة العربية، برصيد خمس مسرحيات عُدت الأهم والأبرز في تاريخ مسرحنا الشعري؛ بإجماع النقاد وكبار دارسي المسرح العربي الحديث والمعاصر.

(3) تعرفت على شعر عبد الصبور للمرة الأولى من خلال بعض أعماله التي صدرت في مكتبة الأسرة المصرية، منذ العام 1995، وفي عام 1998 صدرت مختارات من شعره في كتابٍ أنيق، غلافه الأخضر عبارة عن بورتريه للشاعر بريشة الفنان جمال قطب، ويضم بين دفتيه مجموعة مختارة من قصائده الجميلة. قرأت في هذه المختارات قصيدة “شنق زهران” وإلى “أول جندي رفع العلم في سيناء”، وغيرها من قصائده. وقرأت له أيضًا كتابه الجميل الممتع “حياتي في الشعر” (صدر في مكتبة الأسرة عام 1996)، لا أذكر كم مرة قرأته أو رجعت إليه، لكني أذكر جيدًا أنه وقر في نفسي وذهني أن هذا هو “الشاعر” بألف لام التعريف، الشاعر الذي استوعب تراث ما قبله وهضمه جيدا، ليخرج بعد ذلك شعره جديدا مختلفا يحمل من كل ما قرأه شيئا، لكنه غيره على طول الخط. سجل عبد الصبور في “حياتي في الشعر” ما يجوز أن نطلق عليه “سيرة شاعر”، لكنها سيرة لا تُعنى بوقائع الميلاد وتواريخ الأحداث إلا بالقدر الذي يضيء مسيرة الشاعر والشعر؛ اللحظات التي تفتحت فيها الروح وانتشى فيها الوجدان وتوهج العقل، حينما أدرك أنه مضروب بالشعر، وأن حياته مرهونة بل منذورة لهذا الفن. وتعرفت على رائعته الخالدة مسرحية “مأساة الحلاج” التي أسرتني وبهرتني وحفظت مقاطع كاملة منها، وقررت بعدها أن أقرأ أي شيء وكل شيء لهذا الشاعر الفذ، وتربع عبد الصبور على قائمة أفضل وأروع الشعراء الذين أحببتهم وقرأت لهم. ولم أكن أعرف أنني سألتحق بالكلية ذاتها والقسم نفسه الذي تخرج فيه عبد الصبور (كلية الآداب، قسم اللغة العربية وآدابها، بجامعة القاهرة). ومنذ التحقت بهذا القسم، أزعم أنني وقعت في غرام شعر عبد الصبور ومسرحياته وكتابته بشكل عام، وقررت أن لا أفوت ديوانا أو مسرحية أو كتابا عليه اسم شاعري المفضل دون أن أقتنيه وأقرأه. اكتشفت بعد سنوات أن ما جمعته من كتب وطبعات عبد الصبور المختلفة يشكل مكتبة كاملة بذاتها، بين دواوين مفردة، طبعت طبعات متعددة في مصر وخارجها، وبين طبعاتٍ لأعماله الكاملة في مصر ولبنان.

(4) طبعتان فقط من بين كل ما اقتنيت من أعمال صلاح عبد الصبور احتلا موقع الصدارة وكان لهما الحظوة في مكتبتي، لأعود إليهما بين حين وآخر، طبعة دار الشروق التي أصدرتها في الثمانينيات من القرن الماضي بقطع وتصميم غلاف موحد، وهي في نظري أجمل وأحلى طبعات عبد الصبور، حرفها واضح ومريح للعين، فضلا عن أن الفراغات المحسوبة والمساحات البيضاء في الصفحة تهيئ العين للقراءة وتمنحها شعورا بالارتياح، ولو أضفنا أنها طبعة مدققة ومضبوطة بالشكل لكان ذلك عندي كفيلا بوضعها في صدارة طبعاته أعماله أجمع. أما الطبعة الأخرى، فهي طبعة أعماله الكاملة التي صدرت عن الهيئة العامة للكتاب في التسعينيات من القرن الماضي، وتقع في اثني عشر مجلدا من الحجم المتوسط، ورغم أن هذه الطبعة قد جمعت إلى حد كبير شتات الكتابات المتناثرة والعديدة لصلاح عبد الصبور خارج دائرة الشعر، فإن الذي أشرف على هذه الطبعة لم يوثقها توثيقا علميا، فضلا عن أنه لم يكن على إحاطة كاملة بأعمال صلاح عبد الصبور، فلم تضم الأعمال الكاملة كل ترجماته المسرحية، فضلا عن عدد من المقالات والقصائد التي لم ينشرها في دواوينه، أو نشرها بعد دواوينه (بحسب جابر عصفور).

(5) ومع ذلك، فيظل لهذه الطبعة، رغم أي قصور، قيمة كبرى، ففيها قرأت مقالات عبد الصبور العظيمة في الأدب والنقد والسينما والمسرح والتاريخ والسياسة، حمل كل مجلد من المجلدات العشر التي ضمت مقالات عبد الصبور، وتم تصنيفها موضوعيا، مادة في غاية الأهمية للدراسين والباحثين والقراء العاديين على السواء، مادة ممتعة غاية الإمتاع، لها مذاقها فضلا عن قيمتها التاريخية وغايتها التوثيقية طبعا. كان ميلاد صلاح عبد الصبور في الثالث من مايو من العام 1931، وتوفي في 13 أغسطس عام 1981 بعد سهرة مشؤومة سمع فيها ما لم تتحمله روحه ولا وجدانه فسقط ميتا بقذائف كلمات وحراب اتهامات وخناجر أفكار لا تقل في أصوليتها عن أصولية التيارات الدينية. وخلال سنواته الخمسين؛ نصف قرن عاشها، أخرج صلاح عبد الصبور ستة دواوين شعرية هي: “الناس في بلادي” (1957) و”أقول لكم” (1961) و”أحلام الفارس القديم” (1964) و”تأملات في زمن جريح” (1970) و”شجر الليل” (1973) و”الإبحار في الذاكرة” (1977). بالإضافة إلى خمس مسرحيات شعرية، هي: “مأساة الحلاج” (1964) و”مسافر ليل” (1968) و”الأميرة تنتظر” (1969) و”ليلى والمجنون” (1971) و”بعد أن يموت الملك” (1975). وجُمعت مقالاته وإسهاماته النقدية والفكرية (التي كان ينشرها في الدوريات والصحف وبالأخص في “صباح الخير” و”روزاليوسف”) في تسعة كتب قيمة: “ماذا يبقي منهم للتاريخ”، “قصة الضمير المصري”، “أصوات العصر”، و”تبقى الكلمة”، “قراءة جديدة لشعرنا القديم”، “حتى نقهر الموت”، “حياتي في الشعر”، “رحلة على الورق”، “على مشارف الخمسين”. كل ذلك فضلا عن ترجماته التي يتصدرها ما ترجمه من مسرح ت. إس. إليوت الذي ترك بعض بصماته على مسرحية “مأساة الحلاج”.