“فقدنا كل شيء”.. حي يعتصره الحزن في بيروت يكافح من أجل إعادة البناء

بيروت -(رويترز) – ظلت كلوديت حلبي تصرخ من تحت أنقاض منزلها على مدى ساعة كاملة.. ثم أسلمت الروح. لم يتمكن الجيران من فعل شيء لها. قال جوني خوند الذي كان يقف بالقرب من أنقاض بيتها في بيروت “كنا نسمع الصراخ. سمعت صوتها لكن لم نقدر على عمل شيء. ما زال الأمر يعتصر قلوبنا”. الانفجار المروع الذي وقع في المرفأ دمر المنزل المكون من ثلاثة طوابق مما تسبب في وفاة أربعة من بينهم كلوديت، وهي أرملة في السبعينات من العمر كان خوند الذي ولد في نفس الحي قبل 40 عاما يعرفها منذ أن كان طفلا. وفي الكرنتينا، أحد أفقر أحياء بيروت والقريب من المرفأ، لا يزال الناس يعانون من تبعات الانفجار الذي وقع عصر الرابع من أغسطس آب ودمر منازل وفتك بأرواح العديد من الجيران الذين كانوا يشعرون أنهم عائلة واحدة. كل سكان الحي يعرفون بعضهم بعضا، وأجهش الجميع بالبكاء عندما تذكروا الانفجار. وبعد مرور نحو عشرة أيام، يكابد الجيران لتدبير الأموال اللازمة لإعادة البناء دون مساعدة من الدولة في مدينة تغوص بالفعل في انهيار اقتصادي عميق. أدى انفجار مستودع المرفأ إلى مقتل ما لا يقل عن 172 شخصا وإصابة الآلاف وتدمير أحياء بأكملها، وأطاح بالجدران والشرفات في حي الكرنتنيا، وهو جزء مهمل من العاصمة. كانت سلسلة الشوارع، التي تضم مجزرا ومصنعا للنفايات، شاهدا على أحد أسوأ المذابح في الحرب الأهلية التي دارت رحاها من عام 1975 إلى 1990. ومع هذا قال كثيرون إن الانفجار خلف في بضع ثوان أضرارا تفوق ما تسببت فيه الحرب الأهلية على مدار 15 عاما. ومع تراكم الحطام مجددا على أعتاب منازلهم، أقامت أسر أمضت عقودا في حي الكرنتينا خياما خارج مساكنها. باتوا ينامون الأرض أو على أرائك متهالكة في العراء دون أبواب أو نوافذ.. في انتظار المجهول. إنقاذ حياتنا قال جورج حلبي نجل كلوديت الذي جاء من الخارج للمشاركة في تشييع جثمانها “أنا في كابوس لا أصحو منه. لا أصدق أني أنظر إلى نعش أمي”. وفي مقابر الكنيسة، أدى الانفجار إلى تطاير الأبواب التي توصد مدافن العائلة، فانبعثت رائحة كريهة أزكمت أنوف المشيعين. قال حلبي “إنها جريمة بحق كل لبنان.. أمي نجت من الحرب” لتموت في الانفجار. ومثل الكثير من اللبنانيين، أنحى باللوم في دفع البلاد نحو الخراب على النخبة التي حكمت البلاد منذ الحرب. ولا يزال التحقيق في ملابسات الانفجار جاريا، لكن المسؤولين أشاروا إلى وجود كمية ضخمة من المواد المتفجرة كانت مخزنة في ظروف تفتقر للسلامة في المرفأ لسنوات. وقبل أشهر من انفجار المستودع، أتى انهيار العملة على ما جناه طوني مطر من متجر الأقمشة الخاص بعائلته. قال مطر (68 عاما) الذي وُلد جده في حي الكرنتينا “مدخرات حياتنا كانت في هذا البيت… كان جنة لنا”. الهزات القوية الناجمة عن الانفجار أسقطت الأبواب والخزائن والكراسي على ابنته باتريشا (25 عاما) التي قدمت إلى بيروت لحضور زفاف شقيقتها، ولن تتعافى من كسور عظامها قبل شهور. وقالت سعاد زوجة طوني وهي متشحة بالسواد “كل مرة أعود فيها إلى المنزل أتذكر تلك اللحظة. أتذكر كيف سقطت ابنتي وأبكي”. كانت والدتها قد توفيت متأثرة بالسرطان قبل أيام وقالت “لم يكن لدي حتى وقت للحداد عليها.. هل تتصورين أني حمدت الله على وفاتها حتى لا ترى هذا”. صدمة طفل فقد عبده بتروني الذي يعمل بالصيد مدخراته الضئيلة التي كان يودعها خزانة في غرفة نوم دمرها الانفجار. وتعتمد عائلته على التبرعات والمتطوعين الشباب الذين توافدوا للمساعدة من أنحاء البلاد. قال هو وآخرون إنه لم يجيء أي مسؤول للمنطقة التي استقر بها لاجئون منذ زمن وأصبحت لاحقا سكنا أيضا لبعض العائلات السورية والعمال المهاجرين. كانت زوجة بتروني قد حمت بجسدها طفليها اللذين يبلغ عمر أحدهما تسع سنوات والآخر ثلاث سنوات. لم يصب أحدهما بخدش، لكن بتروني وجد ابنهما إيلي جاثما على الأرض يصرخ “لا أريد أن أموت.. لا أريد أن أموت”. قال الأب “لو مجرد صفقت يفزع وينفجر بالبكاء.. في الليلة الأولى ناموا جميعا بجانب بعض على مرتبة عند مدخل بلا باب”. في كل زاوية كان هناك جيران يروون قصصا عن الخسائر، وأيضا عن الشجاعة.. رجل ألقى بنفسه على ابنته لحمايتها واحتاج عشرات الغرز.. امرأة حملت والدتها الطاعنة في السن ووضعتها بين خزانتين. قالت هدى جوني التي تدير متجرا صغيرا “نشأنا معا وحضرنا زواج بعضنا بعضا. “فقدنا كل شيء”.