أشجان الدولار.. هل تختبر الجائحة الثقةَ في العملةِ الأمريكية؟

تسارع التدهور في قيمة الدولار مؤخرا في حين ظلت أسعار السندات الحكومية قريبا من أعلى مستوياتها القياسية. وهذا ما يعكس التوقعات بانخفاض النمو والرغبة في الأصول الآمنة

مراقبو العملات الأجنبية ينظرون إلى الصين باعتبارها أكبر مهدد لهيمنة الدولار. لكن طالما ظل نظامها المالي خاضعا للقيود على التدفقات الرأسمالية لا يمكن للرينمينبي لعب دور عملة الاحتياط العالمية

جيسون جونيور – الفاينانشال تايمز
ترجمة قاسم مكي
عندما أطلق فيروس كورونا صافرة البداية لانهيار اقتصادي تاريخي وسقوطٍ حرٍّ “بلا كابح ” لأسواق الأسهم في مارس الماضي اندفع المستثمرون والشركات في شتى أنحاء العالم إلى العملة الوحيدة التي وثقوا فيها من بين كل العملات الأخرى. إلى الدولار. دفعهم البحث المحموم عن الأمان وكذلك الحاجة إلى الأموال النقدية للاستمرار في تشغيل شركاتهم أثناء أزمةٍ اقتصادية بحجمٍ غير مسبوق إلى المسارعة بشراء العملة الأمريكية ما أمكنهم ذلك مما أدى إلى ارتفاع سعرها.
ارتفاع وهبوط
كان حجم الزيادة في قيمة الدولار ( 9% خلال 9 أيام) كبيرا جدا ومتناسبا مع حجم الأزمة. لكن تحركَ السعرِ نفسَه كان متوقعا. فعندما تسوء الأمور يقفز الدولار. وهذا نمط معهود منذ الأزمة المالية العالمية (2008-2009) وعند نشوب كل حدث جيوسياسي في العقود الأخيرة.
يقول إسوار براساد، الأستاذ بجامعة كورنل وأحد كبار المسؤولين بصندوق النقد الدولي سابقا “عندما يقع اضطراب ستبحث عن الأمان. أين ستذهب؟ إلى الدولار.”
لكن لاحقا وبعد شهور قليلة فقط شهدت العملة الأمريكية أسوأ أداء شهري لها خلال عشرة أعوام. فقد تراجع سعرها إلى أدني مستوى له مقابل سلة من العملات النظيرة وذلك منذ عام 2018. قد يبدو التدني في قيمة الدولار بنسبة 5% في يوليو متواضعا. لكن في سوق الصرف الأجنبي المستقر نسبيا يعتبر هذا الهبوط مثيرا.
مثل هذا التحرك الحاد في سعر الدولار يطرح حتما سلسلة من الأسئلة التي تغوص في قلب النظام المالي الدولي والدور الفريد الذي تلعبه العملة الأمريكية. في الأجل القصير يعكس التدهور في قيمة الدولار الضعف الذي يمكن أن يصيب الاقتصاد الأمريكي مع انتشار الجائحة في الولايات الجنوبية.
وفيما يخرج جزء كبير من العالم رويدا رويدا من الإغلاقات اتخذت الولايات المتحدة موقفا ناشزا عن البلدان المتقدمة بإدارتها المتخبطة للأزمة والمشاكسات المتزايدة في جدلها الدائر حول كيفية قهر الفيروس. من جانبهم، يراهن مديرو صناديق الاستثمار على أن مصرفها المركزي (بنك الاحتياط الفدرالي) سيلزمه ضخ المزيد من الأموال التحفيزية في الاقتصاد مما سيقود إلى المزيد من ضعف الدولار في أثناء ذلك.
لكن هنالك أيضا دواع أكثر عمقا للقلق تفعل فعلها. فالذهب يصعد إلى مستويات اسمية قياسية مع بحث المستثمرين عن بديل للعملة الأمريكية. ويتساءل البعض علنا مرة أخرى عن مدى متانة مؤسسات الولايات المتحدة الآن بما يبرر اعتماد العالم على الدولار. هذا فيما يزداد الاستقطاب في السياسة الأمريكية. بل من الممكن أن تعطب هذه السياسة وتختل تماما فيما من جهة أخرى يكشف الاتحاد الأوروبي عن أدلة جديدة على الوحدة ووضوح الهدف.
يقول براد سيتسير وهو مسؤول سابق بوزارة الخزانة الأمريكية ويعمل الآن بمجلس العلاقات الخارجية ” الاعتقاد بحلول اليورو محل الدولار فجأة احتمال بعيد”. ويرجح، بدلا عن ذلك، أن يُضعِف “سوءُ إدارة الولايات المتحدة” مكانةَ الدولار ببطء. وبالنظر إلى اقتراح دونالد ترامب الإشكالي بتأجيل الانتخابات الرئاسية المقررة في نوفمبر سيراقب الناس عن كثب استعداده للقبول بنتيجة الانتخابات.
لكن في الوقت الحاضر يتفق الأكاديميون عموما على أن اللحظة التي يبتعد فيها العالم تماما وعلى نحو قاطع عن العملة الأمريكية لم تأت بعد. يقول هيون سونج سين، رئيس الأبحاث ببنك التسويات الدولية، “الأحداث التي وقعت في مارس الماضي إذا فعلت أي شيء فإنها عززت الدور العالمي للدولار”.
يوافق على ذلك مارك سوبل، وهو مسؤول كبير سابق بوزارة الخزانة الأمريكية ورئيس مركز الأبحاث”أومفيف” بالولايات المتحدة. ويقول ” تلك الأحداث ذكَّرت العالم بالدور الذي لا غِنَى عنه لبنك الاحتياط الفدرالي في النظام المالي العالمي”.

التحفيز المالي يضعف الدولار

هذه أوقات مثيرة للبلبلة في الأسواق. فالتدهور في قيمة الدولار يكون في العادة علامة على تفاؤل اقتصادي عالمي. فهو عموما يشير إلى أن البلدان الأخرى لديها فرص نمو جيدة وأن المستثمرين الذين ترتكز استثماراتهم على الدولار يسعدهم توظيف أموالهم في بلدان بها قدر أكبر من المخاطرة. لكن النظرة المستقبلية مختلفة هذه المرة.
لقد تسارع التدهور في قيمة الدولار مؤخرا في حين ظلت أسعار السندات الحكومية قريبا من أعلى مستوياتها القياسية. وهذا ما يعكس التوقعات بانخفاض النمو والرغبة في الأصول الآمنة. وذلك يشير إلى أن المستثمرين تعرفوا على مشكلة “أمريكية” تحديدا.
يقول ديفيد رايلي، كبير واضعي استراتيجية الاستثمار بشركة إدارة الأصول بلُو بَي آسيت منجمَنْت في لندن، “يعكس سوق السندات الأمريكية حقيقةَ ضعفِ الوضع المستقبلي لاقتصاد الولايات المتحدة”. ويعتقد أنه سيكون هنالك المزيد من التحفيز -وهذا حسبما يرى- ما يشكل أساس نظرة المتعصبين للذهب الذين يعتقدون أن عملة الاحتياط الفدرالي ستفقد مكانتها عما قريب أو لاحقا. ومن هنا وجوب الاستثمار في الذهب. (المتعصبون للذهب هم أولئك الذين يفضلون الذهب كأصل استثماري ويشتركون في اعتناق فكرة أساسية فحواها أن سعره يرتفع إذا انخفض سعر العملة الورقية كالدولار مثلا. أما المتشددون منهم فيعتقدون أن سعره يرتفع دائما وأبدا- المترجم).
سجل الذهب سعرا قياسيا بلغ 1983 دولارا للأونصة (تجاوز سعره 2000 دولار هذا الشهر). وحتى الجنيه الإسترليني الذي ظل منخفضا مقابل العملات الرئيسية الأخرى بسبب توقع خروجه من الهياكل التجارية للاتحاد الأوروبي بدون شبكة أمان بنهاية العام الحالي حقق مكاسب مقابل الدولار. فقد بلغ سعره التبادلي 1.3 دولار في يوليو مرتفعا بذلك بنسبة 7%.
انخفاض قيمة الدولار يعود إلى الارتفاع الحاد في العدوي بفيروس كورونا في الولايات المتحدة والذي أثار المخاوف من جولة أخرى من الإغلاقات المؤذية اقتصاديا. يقول ستيفن روش، الأستاذ بجامعة ييل ورئيس مجلس الإدارة السابق لشركة مورغان ستانلي آسيا، أنهم في الولايات المتحدة أخفقوا تماما في السيطرة على كوفيد-19.
وفي أحدث اجتماع حول السياسة النقدية انعقد هذا الأسبوع، حذر رئيس بنك الاحتياط الفدرالي (البنك المركزي الأمريكي) جيروم باول من أن مسار اقتصاد الولايات المتحدة “سيعتمد بقدر كبير على مسار الفيروس”. على ضوء قوله هذا وإلى جانب تعهده بدعم الاقتصاد، يتوقع المستثمرون تحفيزا ماليا إضافيا (من البنك) في الشهور القادمة.
يعتقد مايكل سْوَيل، رئيس الإدارة الدولية لمحافظ الدخل الثابت بإدارة أصول بنك غولدمان ساكس، أن بنك الاتحاد الفدرالي سيكون في الغالب أكثر تساهلا (في سياسته النقدية) من معظم البنوك المركزية الأخرى. ويقول: “من المرجح أن تكون أسعار الفائدة المعيارية صفرا أو قريبا من الصفر لسنوات قادمة. حتى إذا حدث تحسن مهم في أوضاع النمو والوظائف”.

صعود عملة اليورو

التدني في سعر الدولار كان في معظمه في مقابل اليورو الذي ارتفعت قيمته بنسبة 10% منذ مايو. وفي يوليو وافق قادة الاتحاد الأوروبي على حزمة إنقاذ مالي في مواجهة الجائحة لكتلة اليورو ترتكز على تكوين دَين جماعي من كل البلدان الأعضاء لأول مرة بسلسلة كبيرة من السندات الجماعية الجديدة.
يتباين هذا التضامن الأوروبي بِحِدَّة مع الشلل السياسي في الولايات المتحدة. وهو يفتح الطريق أمام احتمال تمكن الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو بعد ثماني سنوات من ذروة أزمة الدين في منطقة اليورو من طرح عملة أكثر سيولة ومتانة مؤسسيا لمستثمري الأجل الطويل المحافظين كالبنوك المركزية. لكن ذلك لن يحدث بين ليلة وضحاها.
يقول جيفري فرانكل، وهو مستشار اقتصادي سابق للبيت الأبيض وأستاذ بجامعة هارفارد، أن اليورو ” ظل مفتقرا إلى سوق سنداتٍ عميقة ومنخفضة المخاطر. والآن هنالك إمكانية في أن يتغير هذا. لكن حتى مع ذلك ستحتاج هذه السندات إلى وقت طويل كي تنمو وتصبح بنفس نضج وسيولة أوراق الخزانة الأمريكية.
من جانبه، يقول باري آيكينجرين، أستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا بيركلي: ” لا توجد حقا بدائل كبيرة بما يكفي للسماح لمديري الاحتياطيات النقدية بالخروج جماعيا من الدولار”.
تحقق وضعية عملة الاحتياط فوائد كبيرة للبلد المُصدِر للعملة. وبالنسبة لحكومة الولايات المتحدة لم يكن ذلك يعني فقط دخلا إضافيا في شكل الأرباح التي تتحقق من إصدار العملة ولكن أيضا القدرة على اقتراض مقادير كبيرة من رأس المال بتكلفة زهيدة جدا.

الدولار والتجارة الدولية

وما يعزز أكثر من هيمنة الدولار حقيقة أنه يلعب دورا كبيرا جدا في التجارة والتمويل الدوليين حيث تتم فوترة (إصدار فواتير) ما يقرب من 20% من كل المعاملات التجارية (عمليات البيع والشراء) خارج الولايات المتحدة بالدولار الأمريكي، بل وضع الدولار أكثر رسوخا في التداول العالمي للعملات (بسوق العملات الأجنبية) حيث استحوذ على حوالى 88% من الصفقات التي يبلغ حجمها 6.6 تريليون دولار يوميا، حسب بنك التسويات الدولية. وهذا يفاقم من محدودية قدرة البنوك المركزية على تنويع احتياطياتها من العملات الأجنبية وعدم قصرها على الدولار، كما تقول فرانسيسكا فورناساري، رئيسة قسم حلول العملات بشركة إدارة الأصول “إنسايت إنفيستمنت”. وبالنظر إلى أن معظم العملات يتم تداولها مقابل الدولار، تلقائيا، سيكون اليورو قليل الفائدة، على سبيل المثال عندما يحتاج بنك مركزي في أحد البلدان الصاعدة إلى منع عملته من الهبوط.
تقول فورناساري أن البنوك المركزية تحتفظ باحتياطيات كغطاء أمان عندما تتعطل الأسواق (تكف عن أداء وظيفتها). إذا افترضنا أنك البنك المركزي لأندونيسيا مثلا وأن قيمة عملتك تقاس بالدولار سيلزم حقا أن تكون لديك دولارات حتى يكون بمقدورك التدخل (في السوق).” لكن هذه ليست المرة الأولى في السنوات الأخيرة التي تطرح فيها أسئلة حول هيمنة الدولار.
في عام 2008 تنبأت دراسة أكاديمية اشترك في القيام بها فرانكل ومينزي تشين الأستاذ بجامعة ويسكونسين- ماديسون بأن اليورو بحلول عام 2022 سيتفوق على الدولار في لعب دور عملة الاحتياط الأولى في العالم.
في ذلك الوقت كان اليورو يتجه بقوة إلى أعلى مستوى له على الإطلاق حيث بلغ ذروته قريبا من 1.6 دولار في أبريل من ذلك العام وحقق ارتفاعا بنسبة 82% مقابل الدولار.
في نفس تلك الفترة فقد مؤشر الدولار 40% من قيمته متراجعا إلى انخفاض قياسي في شهر مارس من ذلك العام.
وأنهى انقضاض الأزمة المالية العالمية بعد شهور قليلة لاحقا فورةَ التوقعات حول احتمال حلول اليورو محل العملة الأمريكية. فقد أطلقت الأزمة العنان للطلب على أصول الدولار الآمنة.
تكشف أحدث البيانات المتاحة من مديري احتياطي العملات الأجنبية بالبنوك المركزية أن حصة العملة الأمريكية من موجوداتها زادت في الربع الأول من هذا العام حيث خصص للدولار ما يقرب من 62% من جملة حوالى 11 تريليون دولار من الاحتياطيات العالمية. ( 61.9 % بالتحديد مقارنة بـ60.8% في الربع الأخير من عام 2019 – المترجم). وهذا الرقم أقل بنقطتين مئويتين فقط (2%) من نصيب الدولار في عام 2008، بحسب بيانات من صندوق النقد الدولي.
وبلغت حصة اليورو من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية ذروة ارتفاعها عند 28% في عام 2009. أما حصته في الربع الأول من هذا العام فقد كانت 20%.
وفي وقت ما في الماضي، كان مراقبو العملات الأجنبية ينظرون إلى الصين باعتبارها أكبر مهدد لهيمنة الدولار. لكن طالما ظل نظامها المالي خاضعا للقيود (المفروضة) على التدفقات الرأسمالية لا يمكن للرينمينبي، حسبما يقول المحللون، لعب دور عملة الاحتياط العالمية. نعم زادت حصته من موجودات النقد الأجنبي بالبنوك المركزية لكنها لا تزال تشكل نسبة 2% فقط من إجمالي هذه الموجودات.
بيد أن الأنظمة (النقدية) تتغير وتشكل خطرا على الدولار في الأجل الطويل وليس فوريا. يقول فرانكل “يفترض الناس أن لا شىء تفعله الولايات المتحدة يمكن أن يتحول إلى وضع يفقد فيه الدولار صدقيته كعملة احتياط دولية. لكن ذلك غير صحيح. فقط أنظروا إلى بريطانيا لتعتبروا مما حلَّ بها”. يشرح فرانكل ذلك بقوله ” في الماضي كان الجنيه الإسترليني عملة الاحتياط الأولي. لكنه فقد مكانته. وهذا يوضح احتمال فقدان (الدولار) ذلك الامتياز المُغالَى فيه”. (امتياز مغالى فيه وبالغ الشطط لأن الولايات المتحدة لا تواجه أزمة في ميزان مدفوعاتها. فهي تشتري وارداتها بعملتها الخاصة بها- المترجم).