د. سعاد الإسماعيلية: 50% من العاملين الصحيين يعانون من الاحتراق الذاتي خاصة في العناية المركزة

مراجعة الاحتياجات الأساسية للعاملين وتوفير اللوازم الضرورية لهم

* المستشفى السلطاني اتخذت تدابير لتوفير البيئة الآمنة للحفاظ على الصحة النفسية للعاملين في خط الدفاع الأول

قالت الدكتورة سعاد بنت سالم الإسماعيلية استشارية أولى عناية مركزة أطفال ورئيسة لجنة رعاية الموظفين بالمستشفى السلطاني: “إن العمل في مجال الرعاية الصحية قد يكون مرهقاً جدا. ولقد أظهرت الدراسات أن العاملين في مجال الرعاية الصحية أكثر عرضة للإصابة باضطرابات نفسية إذا ما قارناهم بالعاملين في المجالات الأخرى، حيث ما يقرب من 50% من العاملين الصحيين يعانون بالفعل من الاحتراق الذاتي وخصوصا العاملين في مجال العناية المركزة”.
وأشارت إلى أنه مع كل هذا قد تهدد جائحة الفيروس المستجد – كوفيد-19 – بتفاقم الإجهاد المرتبط بالعمل لدى بعض العاملين في مجال الرعاية الصحية وتضخيم معاناتهم النفسية، ومما يثير القلق أن الأبحاث حول الآثار النفسية للأوبئة السابقة على العاملين في المجال الطبي أظهرت أن التأثير لا يقتصر على فترة تفشي المرض فحسب، بل يستمر أثرها لفترة طويلة حتى بعد انتهاء الوباء.
وقالت: “يواجه العاملون في مجال الرعاية الصحية ضغوطات غير متوقعة تؤثر على استقرار الصحة النفسية لديهم كما ظهر ذلك من خلال المقابلات التي أجريت معهم، ونشير إلى البعض منها: أولاً: خطر العدوى، حيث يواجه العاملون في مجال الرعاية الصحية يومياً الواقع المقلق المتمثل في أنهم هم أنفسهم معرضون للإصابة بالفيروس الذي يحتمل أن يكون قاتلاً، بل ومعرضون لخطر نشر الفيروس إلى ذويهم وزملائهم. وثانياً: الشعور بالعجز نتيجة لزيادة الحالات المصابة مع محدودية الموارد البشرية، ثم اللجوء للاستعانة بأطقم طبية غير متخصصة، مما يرفع من مستوى الضغط النفسي لديهم، كذلك يواجه العاملون في مجال الرعاية الصحية تحدي توفير الأسرّة أو المعدات اللازمة لتقديم الرعاية المثلى للمرضى خصوصا مع تزايد أعداد المصابين. وثالثاً: الحاجة إلى ارتداء معدات الحماية الشخصية (PPE) بصفة متواصلة قد تسبب انزعاجا جسديا وصعوبة في التنفس والرؤية.
رابعا: الإصابة المعنوية، حيث لا يقتصر العاملون في مجال الرعاية الصحية على معالجة سيل من المرضى الذين يعانون من أمراض خطيرة خلال الجائحة، بل يجب على البعض تقديم رعاية صحية تفوق خبراتهم في مجال عملهم ومواجهة حالات الوفاة المتكررة. وخامساً: عدم وجود الدعم الاجتماعي اللازم، ففي حين أن الإجهاد أعلى من أي وقت مضى بالنسبة للعاملين في الخطوط الأمامية، فإن آليات التكيف التي تنطوي على الدعم الاجتماعي غير متوفرة إلى حد كبير نتيجة للتباعد الاجتماعي المفروض، بالإضافة إلى الاستعانة بأطقم طبية من المستشفيات المرجعية خارج محافظة مسقط؛ مما يفرض عليهم تغيير نمط حياتهم وتضييق شبكة الدعم الاجتماعي الخاصة بهم”.
وأشارت الدكتورة سعاد الإسماعيلية إلى أن كل هذه العوامل يمكن أن تؤدي إلى مستويات مختلفة من الضغط النفسي، قد تولد مشاعر الوحدة والعجز، أو سلسلة من الأعراض الأخرى مثل الإجهاد، والتعب البدني والعقلي، واليأس. ويجعل العمل الزائد والأعراض المرتبطة بالإجهاد العاملين الصحيين عرضة بشكل خاص للمعاناة النفسية، مما يزيد من فرصة الإصابة بالاضطرابات النفسية لديهم.
وأكدت أن التدابير التي اتخذها المستشفى السلطاني لتوفير البيئة الآمنة والتخفيف من التأثير النفسي السلبي لفيروس كوفيد- 19، وإن الحفاظ على الصحة النفسية للعاملين في خط الدفاع الأول كانت من أولويات المستشفى السلطاني. فقامت باتخاذ عدة تدابير لتقديم الدعم النفسي المطلوب. ومن ضمن الإجراءات المتخَذة:
1 ــ قام فريق رعاية الموظفين في المستشفى بمراجعة الاحتياجات الأساسية للعاملين الصحيين وتوفير اللوازم الضرورية لهم. كما تجرى بعض الحلقات الدورية لمساعدة الموظفين على التعامل مع الضغوطات الحياتية الناتجة عن الإغلاق والتباعد الاجتماعي المصاحب للجائحة.
كما ينظم الفريق زيارات ميدانية دورية للفريق الإداري برئاسة المدير العام لتفقد أوضاع العاملين في خطوط الدفاع الأول للتواصل معهم وتلبية احتياجاتهم مباشرة، مما يساعد على تعزيز أصر التواصل ضمن أفراد فرق الرعاية الصحية، ويسمح بالتعبير عن المشاعر والأعراض مثل الإرهاق البدني والعاطفي.
تم تجهيز جناح لتقديم الخدمات الضرورية للموظفين ومساعدتهم على الاسترخاء في أوقات الاستراحة لتجديد نشاطهم ومساعدتهم في العودة لتلبية نداء الوطن.
2 ــ إنشاء فريق الدعم النفسي والاجتماعي والذي يهدف إلى تقديم إستراتيجيات التكيف للتعامل مع الأفكار التدخلية والقلق الاستباقي أو الظرفي وذلك عبر إجراء لقاءات جماعية مع العاملين الصحيين. ويتم كذلك مناقشة أساليب التعامل مع الكم الهائل من الضغوطات والعواطف وكيفية مساندة الزملاء الأكثر عرضة. كما يقوم الفريق بالتواصل الفردي مع بعض العاملين الأكثر تأثراً لتقديم الإسعافات النفسية الأولية.
3 ــ فتح قنوات مباشرة مع فريق الدعم النفسي في المستشفى المكون من أطباء وأخصائيين نفسيين لتقديم المساعدات النفسية للعاملين الراغبين في الحصول على التدخلات النفسية السريرية اللازمة لمنع الإصابة بالصدمات النفسية طويلة المدى.
إن العاملين في مجال الرعاية الصحية في وضع فريد لمعالجة بعض القضايا الأكثر إلحاحاً المتعلقة بجائحة “كوفيد-19”. ومع ذلك، فإن قدرتهم على توفير الرعاية السريرية لا تعطيهم المناعة ضد الخسائر النفسية المصاحبة لها. واستناداً إلى الملاحظات حول كيفية تأثير الأوبئة الأخرى في نهاية المطاف على الصحة النفسية للعاملين في الخطوط الأمامية، فمن المرجح أننا لا نفهم تماماً بعد الأثر النفسي طويل الأمد لـ(كوفيد-19) في حين أن العاملين في مجال الرعاية الصحية غالباً ما يكونون مرنين إلا أنهم بشر ويحتاجون إلى الدعم النفسي والاجتماعي.