مباهج القراءة في الأماكن العامة (٢)

أمل السعيدية
ثمة نور كابٍ، شعاع أحمر باهت، فوق عرض البحر، تلك اللحظات الصغيرة التي لم أفرط فيها في كل الأيام التي قرأت فيها عند شاطئ الخليج العربي، مرة وأنا على الرمل، ومرات على مدرج إسمنتي، وكثيراً ما كنت على المقاعد الموزعة على الكورنيش الممتد، في كل مرة كنت لوحدي، معي كتاب، لكنني أرفع رأسي، وأنتبه للغروب، وأعود للقراءة تحت إضاءة مصباح صغير أو بالاستعانة بإضاءة المكان الخافتة. تنطبع صورة كل تلك الكتب، بذلك الشعاع. كثيراً ما أخفيتُ أغلفة الكتب في الحافلة، أو في الطائرة، أتذكر مرة عودتي لقضاء إجازة الصيف مع عائلتي كنت اقرأ في الطائرة مدار الجدي، لهنري ميللر، بجانب مسافر فضولي، لم يكف عن محاولة متابعة الأسطر معي، لقد شعرت بأن ثمة شيئا سيحدث لو استمررنا في القراءة معاً فهذا إعلان عن التواطؤ الجم، اتفاق مفتوح، يحدث بسرية، يظن فيه الآخر، انه تمكن من فهمك جيداً وعرف مزاجك الشخصي، الشيء الذي سيدفعه حتماً للحديث معك، ولم أكن راغبة بذلك، خصوصاً وأن كتابة هنري ميللر بذيئة، بعدها بسنوات سأقرأ عن سيرته في “شيطان من الجنة” ولأنه بدا لي عفيفاً على نحو لا يصدق، ولا أقصد بذلك انه بدا في رواية مدار الجدي مدنساً، ليس هذا هو المقابل الذي أعنيه، أعني لقد بدا عادياً بصورة غير متوقعة. ابتسمتُ وأنا أتذكر ذلك المسافر. القراءة في العلن هي نوع من التصريح عن الذات، ليس هذا السباق محصوراً بطبيعة الحال على الكتاب وحده، فاليوم تعتبر الملابس وسيطاً للتعبير عن الذات، بل حتى الطريقة التي ترسم بها حاجبك أو لون طلاء الشفاه، أو عدد الخواتم التي ترتديها، سوزان سونتاغ تقول في سياق آخر لكنه ليس بعيداً، “الحقيقة فيما ظهر، لا فيما لا يظهر.” إلا أن الكتاب وكالعادة بصفته شيئاً غير ناجز، أو مادي بتعبير آخر، فلا يكفي أن تقرأه لتتمثل به ولا لتفهمه، ولا يمكن بطبيعة الحال، أن يتلقاه الجميع بالطريقة ذاتها، انه لانهائي بصورة مذهلة، فلا أحد يستطيع أن يرى آخر مدى البحر بينما يقف أمامه، هذا هو الكتاب في الفضاء العام، انه تنويعة على السحر، والغموض، الذي هو سمة أساسية يحاول العالم اليوم عبر كل أدواته، إخفاءها قسرياً، أولاً عبر الادعاء بإمكانية أن يتم عقلنة كل شيء، أو الإحساس بمنطق الأشياء وسببيتها. وثانياً عبر ادعاء عدم القدرة على التعامل مع المجهول، والخوف الشديد منه، الذي يدعو بالضرورة إلى تعليب وتشيء مفردات هذا الكون. بلا شك أن قارئاً يحمل في المطار كتاب ايخمان في القدس، لحنة ارندت، والتفكير في عادية الشر، يجعلنا نتوقف بدلاً من أن نمضي، مكتفين باسم ماركة علامة مسجلة لحقيبة، نعرف حدودها، أما هل هو شرير أو يحاول فهم الشر؟ فستولد أسئلة عديدة منذ تلك اللحظة. يمثل الكتاب في العلن كما ذكرت في الجزء الأول من هذه المقالة، تصريحاً بالثورة ولنأخذ مثالاً على ذلك، رواية البارون المعلق لإيتالو كالفينو، فعندما يقرر الابن الثورة على تقاليد عائلته، يقرر أن يعيش فوق الأشجار، دون أن تحط قدمه على الأرض، يا ترا ما الذي كان يفعله هناك؟ كان يقرأ كثيراً فوق الأشجار ضد العائلة وضد العالم.