حظر “تيك توك “والمنافسة المقبلة

مصباح قطب
هناك ما يدعو إلى اعتبار أمر ترامب التنفيذي بحظر تطبيق “تيك توك” والذي يدخل حيز التنفيذ في غضون 45 يوما، من أهم الأخبار الاقتصادية هذا الأسبوع. حجم مستخدمي التطبيق وصعوده الصاروخى، وطبيعة المنافسة في مجاله، وحيثيات قرار ترامب الظاهرة والخفية كلها تبرر ذلك. الأمر الذي صدر مساء الخميس الماضي يمنع الشركة الأم للتطبيق ، وهي ByteDance ، من إجراء معاملات تجارية مع شركات أمريكية أخرى. كما حظر أمر منفصل آخر المعاملات التجارية التي تتضمن WeChat ، وهو تطبيق اتصالات وتجارة شهير مملوك لشركة الإنترنت الصينية العملاقة Tencent. جاءت الأوامر بعد أن اعتبرت إدارة ترامب أن تطبيقات شركات البرمجيات الصينية تشكل تهديدات للأمن القومي، وقد تعرض خصوصية الأمريكيين للخطر. وحسب مقال في “لوس أنجلوس تايمز” منشور الجمعة الماضي، فإن نص الأمر يقول : “إن جمع البيانات هذا قد يسمح للصين بتتبع مواقع الموظفين الفدراليين والمقاولين، وبناء ملفات المعلومات الشخصية للابتزاز ، وإجراء التجسس الجماعي”. بدورها قالت TikTok أنها لم تقدم ولن تقدم معلومات للحكومة الصينية. وأكدت في مفاجأة كبرى، إن معلومات المستخدمين في الولايات المتحدة مخزنة في الولايات المتحدة ويتم نسخها احتياطيًا في سنغافورة. اعتبرت الصين رسميا إن إجراءات إدارة ترامب ضد التطبيقات الصينية هي “سلوك مهيمن نموذجي يتعارض مع مبادئ السوق وقواعد التجارة الدولية” ومحاولة للحفاظ على احتكار أمريكا للتكنولوجيا الفائقة. وقد مثل الأمر التنفيذي ضربة لـ TikTok ، التي حققت نموًا عالميًا هائلاً في زمن كوفيد ١٩ بصفة خاصة، مثله مثل تطبيق “زووم” للاجتماعات والمؤتمرات والمحاضرات الافتراضية، لكن الغريب في الأمر أن شركات التجارة الإلكترونية وشركات السوشيال ميديا الأمريكية حققت هي الأخرى أرباحا خرافية خلال أزمة كوفيد، أي أن الشركات الصينية لم تربح على حساب نظيرتها الأمريكية ، فضلا عن أن أحدا في مجال التطبيقات الإلكترونية العملاقة لا يستطيع أن يتهم الآخر بالاتجار بمعلومات المستخدمين، فالجميع يفعل أو متهم بفعل ذلك، رغم قواعد وقوانين حماية بيانات المستخدمين، ولن يتوقف الأمر إلى أن يتم التوصل إلى قواعد حوكمة دولية نافذة لعمل شركات تكنولوجيا المعلومات وكذلك للضرائب التي تدفعها وتلك قصة أخرى. في رأى المراقبين فإن أوامر ترامب، مدفوعة بما هو أبعد حتى من الانتخابات الأمريكية، وأبعد من الخوف على مكانة وأرباح عمالقة الشبكات الأمريكيين الآن، ولكن أساسا من الخوف أن يأتي يوم تكتسح فيه شركات الأنترنت الصينية، بل وشركات الهواتف مثل هواوي، الميزة النسبية الأمريكية الكبرى في اقتصاد الرقمنة . تلك هي المسألة. وقد ظهرت في الثنايا قضية أخرى نراها لأول مرة، وهي سعي الإدارة الأمريكية إلى حصول الخزانة على أموال من صفقة بيع مجاملة لعمليات تيك توك في الولايات المتحدة إلى Microsoft أو ربما غيرها من الشركات الأمريكية الكبرى. إذ قال ترامب إنه منفتح على مثل هذه الصفقة طالما أن بعض العائدات تذهب إلى الخزانة ، وهو شرط يثير أسئلة عويصة حيث لا يوجد أي مرجعية قانونية لذلك، ولا سوابق في عهد أي رئيس أمريكي. ولا يحل المعضلة رضوخ مايكروسوفت لهذا الشرط. إن المنطق الترامبي واضح في النهاية رغم أنه غير معلن، ومفاده، انه لولا أمر الحظر الذي أصدره الرئيس، ربما ما تمت الصفقة، ولولا أمر الحظر أيضا لكان السعر مغاليا فيه، وعليه يتوجب على مايكروسوفت أن تدفع للخزانة ثمن مكاسب ستتلقاها ليس بجهدها ولكن ببركة القرار الحكومي. وحسب لوس أنجلوس تايمز فإن مكاتب المحاماة الأمريكية تتحدث الآن عن التأثير المرعب على مستوى عملي للغاية لما قد يحدث في معاملة مستقبلية ، إذا ساد هذا المنطق. ردا على خطاب اختراق معلومات المواطنين الأمريكيين، قالت تيك توك بأنها ستفتح مركزًا للشفافية والمساءلة في مدينة ” كولفر” في وقت لاحق من هذا العام، حيث يمكن للخبراء الخارجيين الاطلاع على سياسات تعديل المحتوى الخاصة بها، والاطلاع على الكود الذي يدعم خوارزمياتها. وقالت إنها تقبل التحدي لبعث أقصى الطمأنينة من خلال قدر أكبر من الشفافية والمساءلة “. لكن كل ذلك لن يغير موقف ترامب فالخلافات الصينية الأمريكية أعمق بكثير وهي ستستمر زمنا طويلا. اللافت أيضا أن ثقة الشركات الأمريكية بنفسها أكثر من ثقة ترامب فيها، فهي لا تزال تقبل المنافسة، وتراهن على السبق والابتكار حتى لمواجهة تيك توك، دون انتظار قرار إداري أو سياسي ينصرها بالقوة على الخصوم، ومنذ البداية كانت لها تحفظات على حرب ترامب التجارية ضد الصين بل وضد هواوي ذاتها، لكن ترامب كما أوضحنا يعكس بأوامره هذه بالذات رؤية الأجهزة الأمريكية الاستراتيجية أكثر من أن يقدم اجتهادات شخصية أو يبحث عن منافع انتخابية رغم ضعفه إزاء مثلها. لكن لماذا لم تطلب الولايات المتحدة من الصين إلغاء حظر فيس بوك وانستجرام وتويتر على أراضيها وفك احتكار “وى شات” الصيني للسوق هناك، وهو مطلب كان كفيلا بأن يجد القبول العالمي والأمريكي، إذ هو يتسق مع قواعد تجارة الخدمات والصين عضو في منظمة التجارة العالمية؟ الجواب في تقديري أن ترامب يفضلها دائما خارج القواعد الدولية لأنه لا يؤمن بالنظام التعدد الدولي الراهن. فإلى أين ستذهب بنا كل تلك التحولات؟ يصعب التخمين.