الماء والسيد الرئيس

عادل محمود

قام الرئيس جمال عبد الناصر بزيارة بعض المدن السورية، عندما قامت الوحدة السورية المصرية عام 1958، ومن بين الأرياف التي زارها منطقة صلنفة، وهي مصيف سوري معروف وحوله قرى صغيرة وفقيرة منتشرة بين الجبال.
جمعت الحكومة السورية كل أهالي القرى على طول الطريق لاستقبال الرئيس. وتقرر أن أكتب أنا العريضة التي تشكو للرئيس شح المياه وانعدام الطرق بين القرى الجبلية صعبة المسالك.
كان عمري ثلاثة عشر عاماً. وكنت أجهل كيف تُكتب العرائض. ولكن الكبار أملوا علي لغتهم المتعثرة الراجية. وكان المهم إيصال الشكوى. وكتبت: السيد الرئيس نترجاك نريد أن نشرب من بين يديك. كان انتظاراً مهيباً ومثيراً ونحن نصطف على طريق مرور الرئيس، لابسين أفضل ما لدينا من ثياب كالحة لا انسجام فيها، وفي أيدينا ما توفر في ذلك الفصل من الأزهار البرية والرياحين.
بعد ساعات… أطل موكب سيارات تتقدمه موتوسيكلات ضخمة. وحين وصلت إلينا سيارة الرئيس أبطأت قليلاً وفتح بللور السيارة الخلفي وظهر وجه الرئيس. فتقدمت من ذلك الوجه الأسمر الغريب، فابتسم لي الابتسامة المشهورة. فأعطيته العريضة، أخذها. وحيّانا ثم أغلق النافذة… ومضى.
مرت الأيام ولم يفتح طريق بين القرى المعزولة الموحشة.
ومرت السنوات ولم يتغير منسوب العطش القروي الذي يعني انتظار القطرة تلو القطرة من نبع يزداد شحاً كل صيف.
وبعد 63 سنة… ها أنا ذلك الطفل الذي كنت أنتظر في قريتي قطرة ماء تجري في الحنفية، لأشرب وأستحم وأرش الغبار وأسقي شتيلات العطش.
منذ تلك الأيام جرت مياه كثيرة تحت الجسور، كما يقول من لديه الأنهار والجسور… ونحن من حرمان إلى حرمان، ومن حرب إلى وباء، وعنادنا غريب النوع. ما زال أحفاد تلك القرى العطشى يستشعرون ويقولون:
“كنا في الصحراء.
عطشى نبحث عن قطرة ماء..
حين أتت طائرة الأعداء.
قصفتنا… قصفتنا…
فتفجر نبع الماء”.